آفة الرياء: مصيبة المواقع

كثيرة هي القيم الاسلامية النبيلة التي علمنا اياها الرسول صلى الله عليه وسلم، وحثنا عليها القرآن الكريم، لكن بعدنا عن المحجة البيضاء، وعدم العض عليها بالنواجد، والاغراق في الدنيا، والانهزام أمام حظوظ النفس.. كلها أسباب ومثبطات تضع من العزائم، وتحط من قدر النفوس، وتهين بني الانسان، فلا هو إلى المكانة الراقية يرتقي، ولا هو في سفينة النجاة يركب!
    فلتتأمل مثلا الرياء الألكتروني والتباهي في الدين والعبادات على مواقع التواصل،هذه الظاهرة المشينة والآفة  المخزية من آفات العصر الحديث.
وهي تصوير الشخص عند قيامه بأعمال العبادة مثل التصدق على المحتاجين والصلاة والحج والعمرة وقيام الليل، وقراءة القرآن أو عند تدريسه للقرآن، ونشرها عبر مواقع  التواصل الإجتماعي،  وفي نيته وقصده  هو الحرص على نيل إعجاب الناس والرفعة وطلب مدحهم  عليه، وطلب المنزلة والجاه بحب الظهور وحب الشهرة والتبجيل والتعظيم والتفخيم والتمجيد إلى غير ذلك من المقاصد الباطنة.
التصوير أصبح مرضا وليس لتخليد ذكرى النفس ..

قال تعالى:﴿ﻓَﻤَﻦ ﻛَﺎﻥَ ﻳَﺮْﺟُﻮ ﻟِﻘَﺂﺀَ ﺭَﺑِّﻪِ ﻓَﻠْﻴَﻌْﻤَﻞْ ﻋَﻤَﻼً ﺻَﺎﻟِﺤﺎً ﻭَﻻَﻳُﺸْﺮِﻙْ ﺑِﻌِﺒَﺎﺩَﺓِ ﺭَﺑِّﻪِ ﺃَﺣَﺪَﺍ﴾

وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)

إن آفة العمل الصالح هو الرياء وحب الظهور وطلب السمعة فبعض الناس لا يبتغون من الصالحة الخيرية أعمالهم حتى إلا الظهور ولفت الأنظار إليهم وهذا هو الرياء الذي يحرم صاحبه أجر الله عز وجل وثوابه وهذه صفة من صفات النفاق والمنافقين الذين قال الله سبحانه وتعالى عنهم ﴿ﻳُﺮﺍﺀُﻭﻥَ ﺍﻟﻨّﺎﺱَ ﻭﻻ ﻳَﺬْﻛُﺮُﻭﻥَ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺇﻟّﺎ ﻗَﻠِﻴﻠًﺎ﴾
    لقد بدا استسلام المرء واضحا،فعمت البلوى العباد والبلاد،وانتشرت أمراض القلوب في سائر البقاع، ومنها العجب والرياء، واندثرت قيم الاخلاص وأصبح التصنع للخلق ومراءاتهم والتفات القلب إليهم، ضيقٌ في النفوس وضيقٌ في القبور، ويصنع ذلك الذين لا يعلمون، فإن إظهار العلم والعمل وملاحظة العباد في ذلك أمر لا يبارك الله فيه ولا يقبله، ولا يجعل لصاحبه عاقبة ولا محبة في قلوب عباده، ولا ذكراً حسناً بين الناس، فعاد الرياء وبالاً عليه! وجوزي بنقيض قصده! فخسر الدنيا والآخرة، وإخلاص القصد والعمل لله وحده هو طريق العز والرفعة في الدنيا والآخرة، وهذا هو الإخلاص، وهو أشد شيء على النفس لأنه ليس لها فيه نصيب، ومن كان له عمل لم تخالطه حظوظ النفس، كطلب التزين في قلوب الخلق وطلب مدحهم والهرب من ذمهم، فهذا عملٌ صالحٌ يبارك الله فيه وينفع به ويستفيد منه العباد ويجدون له لذةً وبركة، ويضع الله القبول لصحابه.

ولو أن أهل الرياء يعلمون أنهم بريائهم لا يحصِّلون مطلوبهم لكان هذا معجلاً لتوبتهم، ﴿ ومن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به ﴾، ومن تاب تاب الله عنه، قال الله تعالى: ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً مد الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ﴾.
▫قاﻝ الإمام ﺍﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻢ رحمه الله تعالى:
ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﺳﻤﻊ ﺷﻴﺦ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﺍﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ ﺭﺣﻤﻪ الله ﻳﻘﻮﻝ:
[ﺇﻳﺎﻙ ﻧﻌﺒﺪ] ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ.
[ﻭﺇﻳﺎﻙ ﻧﺴﺘﻌﻴﻦ] ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻟﻜﺒﺮﻳﺎﺀ.
ﻓﺈﺫﺍ ﻋُﻮﻓﻲ ﻣﻦ ﻣﺮﺽ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ ﺑـ [ﺇﻳﺎﻙ ﻧﻌﺒﺪ]
ﻭﻣﻦ ﻣﺮﺽ ﺍﻟﻜﺒﺮﻳﺎﺀ ﻭﺍﻟﻌُﺠْﺐ ﺑـ [ﻭﺇﻳﺎﻙ ﻧﺴﺘﻌﻴﻦ]
ﻭﻣﻦ ﻣﺮﺽ ﺍﻟﻀﻼ‌ﻝ ﻭﺍﻟﺠﻬﻞ ﺑـ [ﺍﻫﺪﻧﺎ ﺍﻟﺼﺮﺍﻁ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ]
ﻋﻮﻓﻲ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﺍﺿﻪ ﻭﺃﺳﻘﺎﻣﻪ ﻭﺭﻓﻞ ﻓﻲ ﺃﺛﻮﺍﺏ ﺍﻟﻌﺎﻓﻴﺔ ﻭﺗﻤﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔ، ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤُﻨْﻌَﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ
[ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻐﻀﻮﺏ ﻋﻠﻴﻬﻢ] ﻭﻫﻢ ﺃﻫﻞ ﻓﺴﺎﺩ ﺍﻟﻘﺼﺪ: ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻋﺮﻓﻮﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻋﺪﻟﻮﺍ ﻋﻨﻪ
[ﻭﻻ‌ ﺍﻟﻀﺎﻟﻴﻦ] ﻭﻫﻢ ﺃﻫﻞ ﻓﺴﺎﺩ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺟﻬﻠﻮﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺮﻓﻮﻩ.
ﻭﺣُﻖَّ ﻟﺴﻮﺭﺓ ﺗﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺸﻔﺎﺀﻳﻦ: ﺃﻥ ﻳُﺴﺘﺸﻔﻰٰ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﺮﺽ، ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﻋﻈﻴﻢ ﻓﻬﻢ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻷ‌ﻣﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮﺍﻥ
[ﻣﺪﺍﺭﺝ ﺍﻟﺴﺎﻟﻜﻴﻦ (ﺝ١-ص١٢٧)]
فلا قيمـة لمعروفٍ ، قال فاعلـه: أنا فعلتـه.

وقال سبحانه عزوجل في الحديث القدسي: (من عمل عملآ اشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

من تطوع وتصدق وبذل لِيقال عنه جواد كريم ..
لن يستمر…

أما من كان عمله خالصاً لله تعالى ..فيستمر بلا انقطاع أبدآ.. ماكان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل…

الرياء وحب الظهور مرض فتاك في مضاعفاته ورحيم في مواصفاته..إذ يستشعر المرء حلاوة في المدح وراحة في الثناء…. ولكن نهايته بائسة في الدنيا والآخرة.

Design a site like this with WordPress.com
Get started