مأزق الرأسمالية

كل محاكاة لا تهتم بخصيصات الاسلام، ومقاصده، لن تقود في الواقع الا إلى ذيول الخيبة، ثم الى مصائب لعينة. وكل اجتهاد مهما كانت النوايا يرمي الى الإصلاح دون تحكيم القيم الأخلاقية في حياة المجتمعات سيؤول إلى الفشل والاخفاق، والى ورطة ما بعدها ورطة.
إنه من الحكمة أن نأخذ العبرة من الغرب الرأسمالي الذي يتخبط في الاسفاف والانحطاط.
ولعل من مظاهر هذا الانحطاط أن تبحث الديمقراطية الغربية عن سبل ايقاف الميوعة الأخلاقية التي اصبحت العنوان العريض لهذه المجتمعات. ولك أن تتامل ما يطالعنا من اخبار كل يوم من دولة او اخرى بمقتل أطفال او اصطدام مسلح، في شارع او اخر، ولعلها وقسوة ما بعدها قسوة.
وإذا أردنا تحديد ملامح مستجدات الوضع الدولي فسيبرز أمامنا أولاً وقبل كل شيء تفاقم أزمة الرأسمالية، التي لم تعد، كما كانت، مجرد تكرار للأزمة الدورية للرواج والكساد …
وتبرز أمامنا معها حالة التضعضع والتراجع النسبيين للقوة الإمبريالية المهيمنة وتبدل موازين القوى جراء أفول عهد القطب الواحد وبروز ظاهرة الدول الصاعدة ومنظوماتُ بريكس وشنغهاي وأستانا، وكذلك تضعضع هيمنة الدولار، حيث لم تعد الإمبريالية مطلقة اليد في فرض أهدافها وهيمنتها، وهناك في مواجهة هجومها مقاومة شعبية واجتماعية تقوم بها الشعوب وقوى اليسار، وهناك انتقال من الأحاديّة القطبيّة نحو تعدد القطبيّة …
ففي عرف الرأسمالية لا تعتبر الفائدة ربوية الا اذا تجاوزت النسب القانونية، لان القوانين المالية للبنوك المركزية الرأسمالية وللمؤسسات البنكية الدولية تعين للمال حدا معينا لا يجوز لنسبة الفائدة تجاوزه، حتى تحقق توازن الموازين الاقتصادية الكلية، لذلك يضطر العامل والمقاول الى الكدح والعمل المضني لاداء الفائدة وتحمل كل خسارة محتملة أو متوقعة.
ويبرز أمامنا ثالثاً اشتداد الميل في الاندفاع نحو العدوانية والحروب والعسكرة …
وتبرز أمامنا رابعاً تحديات ذات طابع دولي تتمثّل في الفقر والتفاوت الطبقي وتغير المناخ والأوبئة والتغذية وإمدادات المياه وأمن الطاقة والعولمة الرأسمالية  المتوحشة …
في المقابل نرى التوازن في المبادئ من خلال الإسلام، من خلال قيم البذل والعطاء،، والعدل والمساواة، والتضامن والزكاة والانفاق بشعبه المختلفة المتنوعة،
ف‏العطاء يجلب العطاء
حيث أوصت التعاليم بعدم ترك الإنفاق في سبيل الله حتى لو كان يُنفق عليك
في الحديث القدسي قال الله تعالى:
“يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك”
والإنفاقُ في سَبيلِ اللهِ مِن أَفضلِ وُجوهِ البِرِّ، ولِهذا الإنفاقِ وُجوهٌ كثيرةٌ تُقدَّرُ بقَدْرِها، ويُفاضَلُ بيْنها بحَسَبِ الحالِ والظُّروفِ، ومِن أفضَلِ النَّفقاتِ النَّفقةُ على الأهلِ والعيالِ والأقرَبين.
ولما نزلت الآية: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة)، سمعها أبو الدحداح، فجاء إلى النبي ﷺ، وقال متعجبا: آالله يريد منا القرض؟ قال النبي ﷺ: نعم، قال أبو الدحداح: أرني يدك يا رسول الله، فأخذها وقال مغتبطاً بهذه الصفقة: أُشهدك أن لي حائطاً (بستانا) به ستمائة نخلة هو في سبيل الله. ثم وقف أبو الدحداح بباب الحائط ونادى: يا أم الدحداح اخْرجي وأَخْرجي الأولاد، فإني أقرضت ربي حائطي! فقال النبي ﷺ: كم من عِذْق ردَّاح (أي عرجون ثقيل)، ودار فواح في الجنة لأبي الدحداح!
قالت أم الدحداح: ربح البيع!
ولعلها ثقافة إسلامية منضبطة ضابطة ورعة، تلبي حاجات الانسان، وتخرجه من مأزق الرأسمالية.

Design a site like this with WordPress.com
Get started