


روايات تستمدّ حوادثها من وقع المأساة
تؤرق حكايانت الكوارث الطبيعية، وصورها المثقلة بالموت والدمار، أرواح كل من عايشها. تنشب أظافرها في ذاكرتنا الفردية والجماعية، لتترك مكاناً مزمناً لها، منه قد تنسلّ إلى مخيلتنا، تظللها حيناً ولربما تشحذها أحياناً أخرى.
ولأنّ الأدب وليد واقعنا وخيالنا معاً، اختار روائيون حدثاً كارثياً جللاً ليكون بمثابة العمود الفقري لنتاجهم الأدبي، يبنون حوله سرداً درامياً للمأساة قد يحاكي مخاوفنا وطرق تعافينا منها، أو حتى تعاطينا مع ارتدادات الحدث وآثاره على المدى البعيد.
فعلياً، تكاد لا تحصى الروايات والنصوص الأدبية التي كانت مسرحاً لإعادة توثيق الكوارث الطبيعية أو تخيلها. وللزلازل نصيب منها. الكاتبة التركية أليف شافاك، على سبيل المثال، تستعيد في نص حمل عنوان “صيف في المدينة”، تفاصيل حقيقية لليلة كارثية حلت على اسطنبول عام 1999، “كانت ذروة الصيف في اسطنبول، مزيجاً من الحرارة والرطوبة، خانقاً جداً، حتى أننا أصبحنا جميعاً عرضة للأرق: القطط في الشوارع، والناس في منازلهم، وطيور النورس تطفو على سطوح المنازل”.
تضيف: “في الليلة نفسها، لفحنا نسيم عذب كما لو أنه هدية غير متوقعة من السماء. أخيراً تمكنّا من النوم، القطط والبشر وطيور النورس. ولكن في تمام الساعة الثالثة صباحاً، بدأت. هزة في البداية، ثم قعقعة مروعة تتصاعد من باطن الأرض، ليحدث الزلزال (…) قضينا تلك الليلة في الشوارع، نستمع إلى الراديو ونحاول فهم حجم الكارثة. لم نكن نعرف آنذاك أن أكثر من 17000 شخص قد لقوا حتفهم في تلك الثواني القليلة، وأن ما يصل إلى 50 ألفاً قد أصيبوا”.
تستمر شافاك في توثيق مشاعرها في خضم الكارثة، لكن الأكيد أنها لا تتحدث عن حالها فقط، “لن أنسى أبداً صيف 1999 في اسطنبول. المعاناة الإنسانية الهائلة. مشاعر التعاضد والصداقة غير المتوقعة في مواجهة الموت والدمار. استغرق الأمر بضعة أيام فقط للعودة إلى “الوضع الطبيعي”، العودة إلى طرقنا القديمة وتحيزاتنا، واستمرت المدينة في النمو والنمو كأنها لم تتعلم شيئاً”.
كذلك، يبرز الزلزال كمحرك رمزي وحسي في رواية أخرى بعنوان “في حالة الطوارئ”، للكاتبة الإيرانية مهسا محب علي، تروي فيها الأخيرة تداعيات زلزال ضرب طهران حسبما عايشته بطلة روايتها. تستيقظ شادية، الشابة المدمنة على الأفيون، على اهتزاز سريرها بقوة. لا تدري ما إذا كان الارتعاش بداخلها فسيولوجياً أم أنه جيولوجي، أو لعله كلاهما. تقوم بوصف دقيق لكل ما ومن حولها. في المنزل، عائلتها مفككة: أمها تبكي بحرقة أثناء التسبيح والصلاة، بينما يحاول شقيقها إيجاد سيارة لنقل العائلة إلى مكان آمن. فيما اختفت جدتها المسنة فجأة، ولم تنفع محاولات الاتصال بوالدها الغائب كالعادة. تغلق شادية عينيها وتمتص بشدة الأفيون المتبقي في مخبئها السري. لا يمضي وقت طويل قبل أن تغافل الفتاة عائلتها لتخرج إلى الشارع متنكرة بزي رجل.
هناك، وإثر سلسلة من الزلازل المروعة وارتداداتها، تشهد شادية الضرر الذي أحدثته الكارثة الطبيعية التي حلت من دون سابق إنذار. تراقب محاولات السكان الفرار من المدينة، فيما حركة المرور غير المسبوقة تعيق الطرق. تتعالى الصرخات وتندلع المعارك الكلامية، كل على أعصابه. تنطفئ خدمة الهاتف ويتحرك الجميع بخوف. تشاهد مجموعة نساء قرب صراف آلي وهن يتناوبن على سحب المال استعداداً للمجهول بعيداً من بيوتهن ومدينتهن، بينما يدخل أطفالهن في نوبة بكاء.
تستحوذ الشابة على المدينة وكأنها ملك لها. تلتقط أصواتها كاملة، وتقول “ألصق أذنك بالأرض واستمع مثلي. استمع إلى الشوارع تتحدث. أستطيع سماع تصدع الرصيف وهو يفرقع ويتمطى، كما لو أنه يطقطق مفاصل أصابعه بعد يوم طويل”.وفيما نقلت الكاتبة بدقة الهلع الجماعي عند حلول الكارثة، لا يخفى على أحد البعد السياسي للرواية، واستخدام الزلزال كرمز للتبدلات التي طرأت على الساحة الإيرانية إثر الثورة الشبابية الأخيرة.ــ
