
- الرواية من إبداع الروائي الطنجي الموهوب “محمد طه الحيرش”، وفي تقديري أن التحَدّي الأكبرَ الذي خاضه المبدعُ؛ ليس هو كتابةُ روايةٍ. بل كتابةُ روايةٍ بوليسيّةٍ، فمن المعروف أن الأدب العربي يكاد يخلو من هذا الجنس الروائي، الذي يعرفُ ازدهارا كبيرا في الغرب، كما أن نظْرتنا إلى هذه الفن؛ تنطوي على إعاقةٍ تكوينيّة، إذ يُنْظر إليه عادةً بحِسْبانه ضربا من أدب اللهو والتّسْلية، والحقيقة خلاف ذلك فالرواية البوليسية مسكونة كغيرها من الروايات بهم المعرفة وبالتأمل في الأسئلة الكبرى المتصلة بالإنسان والوجود أي الأسئلة المشؤومة كما أسماها دوستويفسكي.
- تنْطوي الرّوايةُ على حِبْكةٍ عالية، وفنيّة رفيعة: جريمة سرقة محترفة تتعرض لها فيلا القنصل الأمريكي بمدينة طنجة، تضع الجهاز الأمني الطنجي والمغربي أمام وضع شديد الحراجة، خاصة أمام غطرسة القنصل الذي يتهم الشرطة القضائية بالتقصير والعجز والفشل. يتصدى للموضوع الضابط “عمر” وهو محقق شهير، يكثف تحرياته بمهارة وعبقرية فتدور الدائرة على القنصل، وتنكشفُ أمورٌ كان يحاول إخفاءها، فيضغط على النيابة العامة من أجل وقف التحقيق وإغلاق الموضوع. لكن الضابط بالرغم من إعفائه لم يستسلم فقد أكمل التحقيق سرا يحركه دافعان: الحقيقة المعبودة لذاتها، والثأر لكرامة الجهاز الأمني وكرامته من إهانات القنصل. تتطور الأحداث ويكشفُ الضابط مرتكبة الجريمة وشريكها، وتصل خيوط الاتهام لزوج القنصل نفسه. تتأزم الأحداث ويُقْتلُ “نعمان” الشريك في عملية السرقة ويترك وراءه رسالة مشفرة، يسعى الضابط لفك شفرتها.. وتنتهي الرواية داخل مغارة هرقل ويتقابل الضابط عمر والوكيل العام ممتاز وجها لوجه مع القنصل ورجاله، لتتكشف الأحداث المثيرة عن عصابة دولية في تهريب السلاح، يمثل القنصل أحد أطرافها.
- الرواية مكتوبة باحترافية كبيرة، وبلغة نقية صافية، والأحداث متسلسلة مترابطة، تحبس الأنفاس، وتصل الحبكة ذروتها بتوظيف بعض الأساطير التي تنتمي إلى تاريخ مدينة طنجة، وتغدو هذه الأساطير جزءا من شفرة الجريمة.. كما وظف الروائي تقنية “الميتاسرد” وترتبط برواية “ما بعد الحداثة” حيث يوظف شخصيات حقيقية وأسماء واقعية ويدمجها في بنية الرواية، على طريقة رواية جون فاولز في “امرأة الضابط الفرنسي” من ذلك أن أحد أبطال الرواية كان يحمل في يده كتاب “شجرة التفاح”، ومن ذلك الإشارة إلى جمعية “بصمات كم”..
- تتطلب الرواية البوليسية ذكاء حادا ودقة شديدة، إذ يجب أن يتمتع الروائي بذكاء المجرم ليحكم جريمته، وذكاء المحقق ليكشف الجريمة ويفك عقدها عروة عروة، وذكاء الروائي في الحبكة والبناء وعدم كشف أوراقه إلا في الوقت المناسب.. وقد تمتع صاحبنا بهذه الخصال جميعها.. ورد على بعض النقاد الذين أكدوا بصلافة أن الرواية البوليسية غير ممكنة عربيا، لأنها رواية تتطلب مجتمعات متطورة..
- واخيرا أجيب الروائي والصديق محمد طه الحيرش عن سؤال سأله بطريقة غير مباشرة، وأقول له بدون أدنى مجاملة: نعم وجدت في شجرة التفاح من لذ وطاب؛ ليس فقط من تفاحها بل من كل زوج بهيج..
