مسرحية أهل الكهف الثالثة ثانوي اعدادي

درس المؤلفات 2 : الفهم و تحليل الخطاطة السردية والقيم…

4- متن الأحداث:

الفتية الثلاثة يستيقظون من نومهم العميق فيئن جسدهم من التعب ويتبادلون الحديث حول مدة النوم فيحسون بالجوع فيرسلون الراعي يمليخا لإحضار الطعام فيلتقي صيادا في طريقه يتهيب من شكله المختلف ويتعجب من نقوده القديمة التي انتهى عهدها فيسرع لإخبار سكان المدينة الذين تفاجأوا بهيئة الفتية الثلاثة داخل كهفهم مما حدا بهم إلى إخبار ملكهم الذي أكد له مستشاره غالياس صدق النبأ . فاستقبل ثيودوسيوس الثاني القديسين الثلاثة في قصره بعدما استصحبهم أهالي طرسوس حيث رحب بهم ولبى جميع طلباتهم التي تعجب من طبيعتها وتيقن من استحالة تحقيقها بسبب الفاصل الزمني بين عهده وعهد الملك الطاغية دقيانوس. وأول من صدم بالحقيقة الراعي يمليخا فقد هدته حواسه الفطرية إلى الحقيقة حقيقة المعجزة الزمنية فبلغها بتلقائية إلى الوزير مرنوش الذي رفض التسليم بها بسبب تحرك نزعة التجمع العائلي في داخله لكن العودة إلى الواقع وملاحظة تكويناته الجديدة هديا عقله إلى التسليم من جديد بالحقيقة بعدما وقف بنفسه على الفرق بين عوالم الفتية الثلاثة وعلاقتهم بزمن دقيانوس وعالم أهل طرسوس تحت إمرة الملك الروماني المسيحي العادل ثيودوسيوس الثاني فزوجته ماتت وابنه تحول إلى بطل ثم مات وبيته صار سوقا فانصرمت جميع الوشائج بينه وبين واقع تغير فيقرر الالتحاق بيمليخا .وفي طريقه إلى الكهف يلتقي بمشلينيا فيبلغه بفجوة الزمن فيرفض التسليم بالمعجزة الزمنية ويستسلم لسلطة الرغبة ويتمسك بمقابلة بريسكا الأميرة الشابة ظانا أنها الجدة القديسة فيتهمه بالجنون ومجانبة الصواب والتعالي على الحقيقة ويعود بمفرده إلى المغارة. بينما ميشلينيا يحظى بمقابلة حبيبته الموهومة فتصدمه الأميرة الشابة بريسكا بالحقيقة وتصارحه بالموضوع والفاصل الزمني وتسلمه صليب جدتها الذي احتفظت به وتدعوه إلى مغادرة القصر. وبعد مضي شهر من عودة الفتية الثلاثة يستيقظ القديسون من نومهم ليتحاوروا حول الحلم الذي أصبح حقيقة صادمة تؤكدها هيئتهم وملابسهم والنقود التي كانت معهم فيقتنعوا جميعا ويسلموا أرواحهم إلى بارئها الواحد تلو الآخر كما دخلوا إلى الكهف بدءا من يمليخا ومرورا بمرنوش وانتهاء بمشلينيا الذي ظل متشبتا بالحياة ومتعلقا ببريسكا القديسة التي عوضتها الأميرة الشابة التي تبوح له بحبها له رغم فاصل الزمن لأن الحب لايعترف بقوانين الزمن ولا بالفناء ولأن القلب كذلك أقوى من الزمن فيلفظ أنفاسه بعدما غمرته السعادة ونعم باللقاء ويأمل بلقاء قريب هناك في الآخرة فتقرر بريسكا الحفيدة التخلي عن القداسة والبقاء في الكهف حية إلى جانب الحبيب /الوهم /الذي أصبح حقيقة فيودعها غلياس ويتركها في غفلة من الملك ويدع للفتية ثلاثة معاول ليفتحوا باب المغارة إذا بعثهم الله من جديد ثم يغلق الكهف ويأمر الملك بتحويله إلى مسجد ليكون آية للنفس البشرية .

5- البرنامج السردي

خضع متن الأحداث لبرنامج سردي دقيق اعتمد على اختيار فني ملائم لجنس المسرح وهو الحوار بأنواعه : التواصلي والدرامي كمظهر خارجي والصراع بين قوة الخير والشر والعدل والظلم والتواضع والتكبر والتعفف والرغبة والعقل والإيمان والحواس وفكرة التسيير والتخيير وفكرة الاتصال والانفصال كمظهر باطني للنص المسرحي. حيث تم تصريف الحدث : »بعث الله للفتية الثلاثة المؤمنين به ليبرهن على قدرته في اختراق قانون الزمان ويظهر مشيئته في الخلق ويكشف عن أوضاع إنسانية في الحكم والاعتقاد والرغبة والسلطة » عن طريق قناة لغة عربية فصيحة مألوفة وتصويرية و بواسطة جملة سردية نواة تنبثق عنها جملة سردية تفصيلية ضمن بنية حوارية درامية يتخللها الوصف السردي الذي يمرر عبره رسالة سامية مؤداها : » الإيمان بقدرة الله التي لاحدود لها والآجال بيده سبحانه » باَلإضافة إلى توجيه نقد مبطن لفترة تاريخية في عهد الملك فاروق سمتها الجمود والاستسلام للمستعمر الانجليزي وإقبار المقاومة والنضال من أجل المطالبة بالحرية من خلال مطابقته لأوضاع الفتية الثلاثة في عهد دقيانوس وثيودوسيوس الثاني بأوضاع مصر في الفترة الممتدة ما بين الثلاثينات والستينات يساعده في ذلك اعتقاده بقدرة الله وبإرادة الشعوب في التغيير وتعيقه مستلزمات التخييل والعرض المسرحي وتحويل الفكرة الدينية إلى حالة فنية.

6-الخطاطة السردية

خضع البناء الفني للمسرحية لمتوالية سردية مركبة يكشف عنها مسار الأحداث الممثل في الخطاطة السردية التالية :

1-حالة البداية

*-الفصل الأول : وهو عبارة عن مقدمة يسرد فيها الحكيم حدث الانبعاث في زمن النهوض داخل الكهف حيث يصنعه الفتية الثلاثة ويشاركهم الصياد وأهالي طرسوس.

2-التحولات

أ- الحدث المحرك

*-الفصل الثاني : وهو عبارة عن عرض أول لحدث الاندماج داخل القصر في زمن العودة يصنعه مرة أخرى الفتية الثلاثة وغالياس وثيو دسيوس الثاني وأهالي المدينة.

ب- العقدة

الفصل الثالث : وهو عبارة عن عرض ثان تتشابك فيه الأحداث وتتأزم العقد : العقدة الدينية والعقدة العاطفية والعقدة التاريخية وتبلغ الصدمة ذروتها داخل بهو القصر في زمن الاستعداد للرجوع الذي يصنعه الفتية الثلاثة وبريسكا الأميرة الشابة.

ج- الحل

الفصل الرابع : ويمثل لحظة الختم والتنوير ومدتها شهر لمعجزة الله ولقضية النوم الطويل الذي استغرق ثلاثمائة وتسع سنوات ولمسألة استسلام إخوة الايمان من جديد لقدر الموت بعد حوار تواصلي ودرامي استوعب بريسكا وغالياس والملك المسيحي العادل والفتية الثلاثة فيما بينهم.

تكشف الخطاطة السردية عن نمطين من التحول :

1- تحول الانفصال : ويتبدى في عزوف مرنوش ويمليخا عن سعيهما نحو استرجاع متاع الدنيا بسبب الإدراك الحسي عند الراعي أو العقلي عند الوزير لمعجزة الزمن مما أجبرهما على الاتصال بحياة الكهف.

2- تحول الاتصال : ويتجلى في ربط مشلينيا لاتصاله العاطفي الموهوم الذي سرعان ما استحال إلى حقيقة مع بريسكا الجدة في المرحلة الأولى وبريسكا الحفيدة في المرحة الثانية في محاولة لاسترداد وجوده الدنيوي وإثبات ذاته فوق أرض الحياة لكن إدراكه لحقيقة الفاصل الزمني بعد قياسه ثم معاينته للواقع الجديد فرض عليه الانفصال عن القداسة والإشراق الإيماني.

وتكشف هذه التحولات عن مربع القيم الذي يحكم العلاقات بين الشخوص :

1-الإيمان : ويتفاوت بين الفتية الثلاثة ويتلون بحسب منطلقات الشخوص ورؤاها : يمليخا الحسي الفطري ومرنوش العقلي التجريبي ومشلينيا العاطفي العلاقاتي.

2- الحب : ويتقاسمه الفتية الثلاثة بشكل متفاوت ومختلف فقد تدرج من الحب الحسي فالحب العذري العفيف ثم العشق الالاهي : حب مشلينيا لبريسكا وللبقاء والخلود وحب مرنوش لعائلته وتعلقه بربه وبالعالم السامي العلوي وحب يمليخا لممتلكاته من الأغنام وزهده فيه ولارتباطه بالله وبالآخرة.

3-الوفاء : ويتجلى في علاقة بريسكا الأميرة الحفيدة بمشلينيا ومشلينيا ببريسكا القديسة الجدة على شكل منحى تصاعدي بدءا من الوفاء العلائقي مرورا بالوفاء العقدي وانتهاء بالوفاء الرباني.

4-الانتقاد : ويستهدف مناقشة قضايا دينية وتاريخية أساسية كمسألة التخيير والتسيير وحرية المعتقد واتجاه القوة والنمو واتجاه السلبية والإقبار وكذا نقد الوضع السياسي المصري إبان حكم الملك فاروق والانتداب البريطاني.

أما الحالات : حالة البداية / الانبعاث وحالة النهاية / الاستسلام لقدر الموت فتنم عن وجود صراع باطني بين ثنايا واقع النص المسرحي وتكويناته وفي نفسية الشخوص وتوجهاتها وتفاعلها مع سياق الأحداث ومساقاتها يكشف عنه مربع الصراع :

1-الزمن : تصور المسرحية صراع الإنسان مع الزمن في مسعى لتحقيق الخلود وهذا شأن الفتية الثلاثة وخاصة ديدن مشلينيا وبريسكا لكن عبثا ما سعيا إليه إذ سرعان ما استسلما للمشيئة الإلاهية.

2-الحياة : لم يتوان الفتية لحظة عن التعلق بالحياة والسعي في استرداد وجودهم المفقود لكن الحياة تتأبى عن الامتلاك فتذهب مقاومتهم للفناء سدى.

3-العقل : تكشف مسارات الأحداث في المسرحية ووضعيات الشخوص وتقلباتها وثباتها على مواقفها عن وجود صراع قوي بين العقل والإيمان يفصح عنه موقف الوزير مرنوش من الغيب والمعجزة الزمنية وعدم تصديقه في بداية الأمرلوفاة زوجته وابنه وإنكاره للفاصل الزمني.

4- الرغبة : يظهر الحفر في أعماق المعنى وحواشيه عن وجود ثنائية الرغبة والسلطة داخل الخطاب المسرحي بحيث تسم العلاقات بين الشخوص الرئيسية بميسم التمزق والازدواجية : فمشلينيا ومرنوش هما من الوزراء في عهد الملك المستبد دقيانوس الذي استفرد بالسلطة كانت لهما نوايا إيجابية تجاه السلطة أثناء مرافقته في حكمه . وبحصول المعجزة الزمنية تحولت هذه النوايا إزاء السلطة إلى رغبة في الامتلاك امتلاك مفتاح القلوب كما حال مشلينيا مع بريسكا القديسة الجدة وبريسكا الأميرة الحفيدة وكما هو الشأن بالنسبة مرنوش الذي رغب في امتلاك زمن الزوجة والولد وهي من عناصر الفتنة في الدنيا التي تؤثر على درجة الإيمان بقدرة الخالق.

تتوخى مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم إيجاد مخرج لصراع الإنسان من أجل البقاء وتقديم صيغة فنية للتعايش بين الشأن الديني وشؤون الدنيا وتوليفة إبداعية للمصالحة بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية من خلال إشاعة وعي إيماني بالقدر وبقدرة الله وحده على التحكم في مصائر البشر وآجالهم. فما عليهم إلا الاعتبار وغنم أوقاتهم فالعمر قصير مهما كانت مدته . ثم تسعى المسرحية إلى نحت نموذج بشري يتفاعل إيجابيا مع الأحداث وسياقاتها ومساقاتها من خلال النقد المقنع للوضع السياسي السائد في عهد الملك فاروق الذي كبل الارادات وشل العزائم وأقبر الطموحات وأجهز على مقاومة الشعوب لكافة أنواع الاحتلال.

محمد ابراهيمي/من الموقع الإلكتروني وجدة سيتي.نت

Design a site like this with WordPress.com
Get started