نازلة دار الأكابر.. الأنثى والألم


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حفل تاريخ الأنثى بأشكال الاضطهاد والتهميش. فقد سجنها التّاريخ في زنزانة موحشة ووسم جسدها بسوط القهر والإذلال لأنها الشؤم والعار، لذلك وجب أن توأد وتموت. ومن هنا تشكّلت هذه الذّات المتألمة التي لعبت معاناتها دوراً كبيراً في رسم ملامح الأنوثة المشوّهة المتألمة داخل السّرد النّسائي، بحثاً عن هويتها داخل نصّها وجسدها ومجتمعها ووطنها. ومن هنا سعينا إلى تقصّي كيفية تشكّل هذه الذّات من جهة، وكيفيّة تعامل الرّوائيات التونسيات مع هذه الهويّة المغيّبة من جهة ثانية، وكيفيّة تناولها داخل نصوصهن السردية من جهة أخرى.

إنَّ الأنوثة المهمّشة المغيّبة المتألّمة بفعل النّموذج السوسيوثقافي المصطنع، والمتوغّل في التّاريخ، مستمرّة على مستوى الحياة بشكل عامّ. ولهذا سنسعى إلى الإجابة عن الإشكالية التّالية في مقالنا هذا والتي تتمثّل في كيف جُسّدت الهويّة الأنثوية المعذّبة في السرد النّسائي التّونسيّ انطلاقا من رواية “نازلة دار الأكابر” للأديبة أميرة غنيم.

الأنوثة / الذكورة
مثلت جملة الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (المرأة لا تولد إمرأة بل تصير كذلك)(1) نقطة عبور إلى وعي جديد مداره التّمييز الثّقافي بين الجنسين (مذكر/مؤنث) وهو ما يشير إلى دور الثقافة السوسيولوجية في تشكيل الذّات الأنثويّة، التي ترى أن الاختلافات بين الجنسين أساسها بيولوجي، فالطبيعة هي التي تملي أدوار النّساء والرّجال في المجتمع، أي أن الجندر عامل من عوامل الهيمنة المنتجة لممارسات ثقافية واجتماعية وسياسية(2). وهذا ما شرّع لجعل علاقة الأنثى بالذكر علاقة اضطهاد وهامش وتابع. فالمرأة هي الأدنى والرجل هو السلطة مما خلق رواسب وتشكّلات ثقافية، تعمد إلى ترسيخ الفروقات بين الجنسين في اللاشعور الجمعي، وجعل المرأة تعيش علاقة مشوّشة مع جسدها الأنثوي، أساسها الإقصاء والإذلال والتّرويض.

فالمرأة مقسّمة إلى جسدين لا يلتقيان، وعدم لقائهما مصدره الصّراع الدّائم بين جسدٍ طبيعيّ وجسدٍ له قيمة اجتماعية قابلة للمبادلة (3). ومن هنا سعت المرأة إلى تحرّرها من هذه الصّورة المشوّهة، التي عاشتها لقرون، والتي ساهمت هي نفسها في تكريسها، بوعيٍّ منها أو دون وعي.

وتأتي رواية (نازلة دار الأكابر) للأديبة أميرة غنيم لتسرد لنا ما تلقاه المرأة من عذابات، وتنقل لنا أشكال التسلّط عليها، مشكّلة مادّتها الحكائية من الذّاكرة المؤنّثة لتستنطق تاريخ التّهميش الذي طال تاريخ حضور المرأة/الأنثى الموسوم بوشم القهر، حيث “أسندت فعل القصّ إلى شخصيّاتها النسائية، وجعلت أصواتهن أعلى وأعلى، ليتمكنّ من أن يروين فصولاً من تاريخ معاناتهن السّرديّ(4) وقد منحت مشعل الحكي لنساء منسحقات (خدّوج، لويزة، ..) يروين فصولاً من مآسيهن الشخصيّة في خدمة دار الأكابر تعرية للعنصرية البغيضة والاستغلال الآثم(5)، فكانت النّساء في الرّواية” حافظات الذّاكرة الحقيقيّة وفاضحات الذكوريّة البائسة التي كانت سبباً في وقوع المصيبة بدار الأكابر(6).

لقد تزعّمت “هند” الحفيدة فعل الرواية لتنسيق الحكايات الكثيرة الفرعية إيذاناً بالبحث عن الذات ومعنى الوطن وتاريخه، فاستنطقت المكبوت العائليّ بمخازيه المخفية، وكشفت تاريخاَ ظاهره فضائل وباطنه رذائل ومعرّات ومثالب عششت في دهليز المجد العائلي الزّائف، مما جعل النّازلة نوازل، تكشف تنكيل الأكابر بنسائهنّ وعلى رأسهنّ “للاّ زبيدة”، التي تلقّت رسالة كانت فاتحة عذاب وألم عليها. وقد صاغت المؤلفة حكاياتها وحكاية غيرها من النّساء متّكئة على سحر “التّخييل الروائي وآياته البيّنات”(7) معتمدة على التقنيات السردية ونحت الشخصيّات النّسائية الموجوعة، وقد شكلت مادتها الحكائية من الذاكرة المونثة، لتستنطق تاريخ التهميش الذي طال حضور المرأة /الأنثى.

كما أوكلت أميرة غنيم إلى “هند” بنت مصطفى النّيفر حفيدة “للّا زبيدة” وهي آخر العنقود في شجرة العائلة، مهمّة الرّاوية انفتاحاً على الماضي وتشخيصاً للواقع واستشرافاً للمستقبل، فبدت المرأة في روايتها مقسّمة ومتشظية إلى جسدين متنافرين لا يلتقيان، يعيشان صراعاً دائماً، جسد طبيعي وجسد له قيمة اجتماعية قابلة للمبادلة(7).

تمثّلات الأنثى في رواية (نازلة دار الأكابر):

  • الأنثى المقهورة /الأنثى الهامش.
    تتشكّل الذّات الأنثوية داخل نازلة الأكابر ذاتاً متغيّرة متعالقة مع أطوار المعاناة، تخلق أزمتها، وتقودها إلى انعتاقها في مواجهة الانحطاط. فهذه “خدّوج” الخادمة السمراء للسيّدة “جنينة” تعرّي معاناة الذات ومكبوتاتها متوسّلة المونولوج لتقديم المحتوى النفسي وتحليل الذّاتي النّاتج عن النّظرة الدونيّة للسمر “النافسة منفوسة، وليس أفضل من صغار الوصفان لطرد الحسد، يجذب سوادهم بقدرة الله العين الحاسدة فترشق فيهم ولا تحوك فيسلم المحسود من الأذى”(8). وترصد الشائعات التي تقول إنّ ممارسة الجنس مع السّمراوات يُصَفِّي الدّم، فقد كان لياقوتة بدروشتها المضافة إلى سواد بشرتها حظوة مضاعفة عند من يطلب الفرج(9).
    ونبّهت الكاتبة إلى الوضع المتردّي الذي تعيشه الخادمات بسبب تسلّط سيّداتهن وغطرستهن، ممّا يجعل المرأة سبباً لألام المرأة نظيرتها، فخدوج تجرعت ويلات المرض في صمت، دون أن تلقى اهتماماً من أهل البيت الذي أفنت عمرها في خدمتهم، فهي في نظرهن جسد بلا روح، لا تختلف عن دوابّ الأرض “أمي أيضاً توفّيت من دمّل نبت في صدرها، لكن ما رأى أمي طبيب وما عادها من الزوّار أحد، ظلّت تئنّ فوق حصير بدار النّيفر أيّاماً، ثمّ انطفأت كأيّ أتان عجوز”(10).

تفنّنت أميرة غنيم في تعرية المعاملة البائسة فنقدت من خلالها وحشيّة الأكابر، وجعلت الخدم أكثر إنسانية من الأسياد. ولم يكن حظ لويزة أوفر من حظ خدوج فهي إحدى الشخصيّات الرئيسية في الرواية، وهي من خدم الأكابر، وشاركت في العديد من أحداث الرواية وساهمت في تطورها، تفننت في خدمة سيدتها بإخلاص ووفاء نادرين، كما تفانت في خدمة أمها قبلها دون شكوى أو تذمر “تحاملتُ على الجسد المكدود لأسرّع في طقوس الخدمة اليوميّة في بيت سيدي عثمان وأّوّلها تسخين الماء لوضوء المصلّين من أهل الدّار”(11). ولم تكن حياة الخادمة مع الأكابر سهلة، وإنما كانت حياة غارقة في الدّموع والألم “اندفعت في نحيب مقهور سأعرف منه كثيراً في دار للاّ بشيرة”.(12)

نزلت أميرة غنيم بدار الأكابر فكانت بمثابة الرّاصد “الرّادار” الذي يلتقط تعاسة المهمّشات من النّساء وقد فسحت منصّة السرد لصوت الخادمتين “خدوج ولويزة” لتعبّرا عن معانتيهما. فوجّهت بذلك رسالة ضمنيّة تؤكّد من خلالها رفضها واستنكارها لاستنزاف الأكابر لهذه الشريحة الاجتماعية من جهة وتعلن عن رفضها لكلّ أشكال الطبقيّة.

لم تسلم المرأة أيًّا كانت وضعيتها من أذى عائلات الأكابر. فها هي بهية اليهوديّة تلقى ما يشيب له الولدان من “محسن النيفر” وقد تعمّدت الكاتبة أن تجعلها خرساء “حتى لا ينطق لسانها بجرمه الذي ارتكبه في حقّها حين أجهض حملها في طبق لبلابي”(13)، وآثر أن يجعل منها زوجة ثانية يفرغ فيها نزواته، دون أن يعترف لها بحقوق. “أخفيتك عن العيون يا بهية، وحرمتك من الحقوق البسطى”(14). أخرست أميرةْ بهيّةَ ولكنها أنطقت محسن النيفر ليعترف بتسلط الأكابر على الذات الاأثوية سواء أكانوا مثقفين أو غير ذلك. إذ شهادة أهل البيت أكثر صدقاً من الرواية عنهم “كنت أضحكُ يا بهيّة، أضحك كثيراً إذ تنطقين من حنجرتك المعطّبة تلك الكلمات المبهمة نفسها، فسيّان في قاموسك المختصر أفرحت أم حزنت، أو رضيت أم غضبت … وما أقلّ ما كنت تغضبين”. يقر محسن النيفر صاحب الثقافة الإفرنجية بتفانيه في الإساءة إلى بهيّة الخرساء. “سامحيني ولم أعد إليك من يوم ألحدّتك بيدي”(15). صارت بهيّة المقدودة من نسج خيال الكاتبة غير بهيّة، فقد أفردت إفراد البعير المعبّد وعانت الويلات وحرمت الخلفة وأقبرت بأرض قصيّة ما رأتها عيناها، وكلّ ذنبها أنها أحسنت إلى محسن فأساء إليها أيما إساءة، ونكّل بها وهي العاجزة عن الكلام، وعن الإفصاح عمّا يختلج بداخلها. وما أكثر البهيّات وما أقلّ حظهن عند المحسنين!!

تستمّر “نازلة دار الأكابر” في رحلتها الاستقصائية لتكشف ما تلقاه المرأة في دهاليز البيوت الموصدة، حتى ولو كانت فرداً من هذه العائلات المترفة المنعّمة. فتلتقي بفوزية، التي ليس لها من الفوز إلاَّ إسمها، فقد عبث بها إبن الأكابر “محمد النيفر” إذ كان يعاشرها معاشرةً تأباها الطبيعة البشرية النّسوية، وهو ما صرّحت به في مرحلة أولى لـ”سيدي محرز”. “جئتك لتجد لي حلاّ مع زوجي المايلي ما والله يا سيدي محرز، كلمة جديدة تعلمتها يوم فسّرت لي زبيدة منزلة زوجي المفدى من منازل الرّجال الأسوياء”(16)، وتضاعف وجعها “لمّا غضب سيدي محمّد كثيراً حين ذكرتُ أمامه الكلمة، نلت منه الطريحة الشّنيعة التي بدأت معها في التخطيط الجدّي للهرب إليك”(17). وكانت نتيجة هذا الكلام، عمليّة اغتصاب بشعة، فقد تعامل معها بوحشية منقطعة النظير من أجل إثبات فحولته المهدورة. “ألحقني ليلتها بصفوف النّساء، كما يقال، استفرغ فحولته للمرّة الأولى كما يجب، وحيث يجب ولكن بعنفٍ اغتصابي لا يوصف”(18)، إضافة إلى ما عاشته معه طيلة فترة زواجها، من تحرّش أثّر في نفسيتها، خاصّة مع طلبه منها الحمل، رغم حسمه أمر الطلاق منها، غايته إثبات فحولته في مجتمع ذكوري بائس. لم تكن فوزيّة قادرة على مواجهة دار الأكابر وهي منهم بما تلقاه من شذوذ ابنهم وانحرافه، فلاذت ب”سيدي محرز ” تبثه لواعج قلبها وتشكوه ألمها ووجعها في نحيب ونشيج. فمن سيصغي إلى صوت إمرأة تطعن في شرف رجل من عائلة الأكابر “دار النيفر” “سأحدّثك بكلّ شيء، يا سيدي محرز(….) يمكنني أن أخرج من مكمني في الظّلام وألقي عليك بحملي الثّقيل”(19).

وهكذا نزلت أميرة بديارهم فحوّلت هدوءها الوهميّ إلى صيحات فزع تطلقها نساء محبوسات وراء عقول ظلاميّة وسلوكيات رجعيّة من المرأة قبل الرجل، فتحوّل بذلك العالم المرجعيّ الواقعيّ الغامض إلى عالم سرديّ روائيّ تخييليّ متاح لمن يروم فكّ أسراره، متوسّلا القراءة وسيطاً بينه وبين هذه العوالم المحظورة، لتتواصل رحلة الغوص في عالم الذوات الأنثوية، فلم تقف أميرة غنيم عند المرأة المهمّشة طبقياً والمضطهدة اجتماعيّاً والمفقّرة معرفياً بل تجاوزت ذلك لتعرية ما تعانيه المرأة المثقفة المناضلة من اضطهاد.

  • المرأة المناضلة / المرأة المثقفة.
    تتخذ الذات الأنثوية في رواية “نازلة دار الأكابر” تشكّلات عدّة بدءاً بالذات الأنثوية الخاضعة لمفاهيم المجتمع ولوائحه الظالمة المتجنّية، التي لا تعي قيمتها ولا كينونتها، مروراً بذاتٍ تمرّ بأطوار من المعاناة لتتحوّل إلى ذات أكثر وعياً وتيقّظاً. “أفليس النساء حافظات الذّاكرة الحقيقيّة وفاضحات الذكوريّة البائسة”. وما للّا زبيدة إلاَّ أمرأة مثقّفة ممزّقة بين الفكر والممارسة، والوعي والواقع، القيم القديمة والقيم الجديدة، ذات متغيّرة متعالقة مع أطوار من المعاناة، تخلق أزمنتها وتقود إلى انعتاقها. لم تفرد لها الكاتبة فصلاً بصوتها كما صنعت مع بقيّة النّساء فهي المتشظيّة المتعددة الحالّة بكل النّساء. جعلتها الكاتبة تتجمّل بالصمت لكي تبقى جذوةً تتقد بأعماق القارئ يبحث عنها في منطوق الأخرين وعلى شفاههم مما يمنح شهادتهم حولها مصداقية أكبر. فزبيدة “تسمع عنها ولا تسمع منها”، تزوجت قهراً وقضّت عمرها كظيمة مسلوبة المشاعر، مغتصبة الحواسّ، مشلولة في النّهاية، وذنبها أنّها جسّدت مع الطّاهر الحدّاد الثّنائي الغراميّ الممنوع في المجتمع الذي يدّعي المحافظة فيما يعيش سدنتُها مغامراتهم وشذوذهم في ظلمة الليل. “كانت للاّ زبيدة عروساُ دامعة العينين في دار النّيفر” رغم تميّزها بالطموح والاختلاف،ف هي الثائرة على المتوارث من العادات البالية، التي ألقت بظلالها على دار الأكابر، وهي المتعلّمة المتنوّرة المزروعة ظلما وسط محيط آسن، تضوع من دهاليزه روائح التخلف والدكتاتوريّة، يهمش المرأة سواء كانت متعلّمة أو غير متعلّمة، لذلك كانت أشبه ب”تمثال حجريّ أصابته لعنة ميدوزا” فتحجّر وفقد الحياة . أما اللعنة التي أصابتها فتمثّلت في قلبها النّابض الذي يروم الانعتاق والتحرر، وهي التي كانت “طريفة مرحة، لينة، شيّقة الحديث، متى ما أفاضت لم تُملَل فإذا بها تتحوّل إلى كيان مشلول عاجز عن الحركة والتّفكير، محاطة بالحزن والألم. “ثلاثة عشر عاماً من الحزن الجاثم على القلب من دموع زبيدة وآهاتها وأنينها” بل هي أشبه بالمعصية منبوذة ،متروكة. “ترقد زوجتي قيد ذراعين منّي ولا أقربها كأنها معصية، كأنها دم أو ميّتة أو لحم خنزير”(20). لاقت زبيدة جرأء حلمها المغاير لأحلام دار الأكابر ويلات الألام، وتقطّعت بها السبل. “ويخطر ببالي من حين إلى آخر، وأنا الآن في نهاية العمر بأن أطلب العفو من زبيدة على ما لاقته منّي من ألوان التعذيب الصّامت”(21). ولكنّ زبيدة ينتهي بها المطاف مشلولة، عاجزة عن الفعل، ضحيّة عقليّات ترى الرأي لغيرها ولا تراه لنفسها “خرجنا أنا وهي مشلولين من الحادثة، هي مشلولة القدمين وأنا مشلول الرّجولة والعزم”(22). وهي التي آمنت بأن الحبّ الحقيقيّ مواقف ثابتة في الأرض ولا كلام يطير مع الرّيح(23). ويستمر حلول أميرة بديار الأكابر ويتواصل نبشها في أعماق النّساء فيشقّ عليها أن تشقى بنات جنسها في حضرتها وهي المرأة، فتبعث من حطامهن “هند” الحفيدة فترجّح كفة النساء على الرجال بـ(6) أصوات للنساء مع صوت الكاتبة، في مقابل (5) أصواتٍ للرجال.
  • المرأة النّموذج / المرأة الحالمة
    تعمّدت الكاتبة من خلال شخصيّة “هند” هدم الحدود الفاصلة بين الواقع والحلم، بين الموجود والمنشود، من أجل خلق عالمها الروائيّ الذي يتقاطع مع العالم الواقعي دون أن يكون نفسه، فتحوّلت الرواية إلى محاولة لتقويم ما اختلّ من أمرها، فزجّت ب”هند” في رحلة البحث، في دار النيفر المهجورة، عن لوح الحكاية المحفوظ بعيداً عن تناول الزمن، بعد أن أكدت لها لويزة أن ثمّة صندوق تركته في إحدى أدراج البيت، يحوي ما خفيَ عن مدارك الجميع، فتتسلل “هند” باحثة عن أصل الحكاية وأدلة ثبوتها أو نفيها، فتتعثّر في الكثير من عراقيل الماضي، وتصوغ الكثير من خواتيم الحكايات المنثورة، فإذا بالحقيقة أشبه بفسيفساء متدرّج في خضمّ الصّراعات. فتتحوّل “٠٠٠هند” إلى باحثة عن مواثيق الحرّية، التي تناثرت بين أطراف النّازلة وسحقتها عقول ظلاميّة تعبث في مجتمعاتنا حتّى اليوم. “فأعداء المرأة حداثيون يشاركون زوجاتهم الإحتفال بالعيد الوطنيّ للمرأة ويحاضرون في المؤتمرات العلميّة وعلى المنابر الإعلامية عن حقوق المرأة وتكافؤ الفرص بين الجنسين، متى دخلوا إلى بيوتهم ونزعوا أربطة العنق، أبانوا عن جلدهم الحقيقيّ، جلد الذّكورة المليء بعقد التّفوّق وأوهام الفحولة ومعناها الجنسيّ السّاذج(24).
    لكنّ هند الحفيدة التي ولدت في رحم مأزوم وتربّت في دار الأكابر سوف لن يكون طريقها ممهداً، خالياً من الأشواك، ويؤكّد ما ذهبنا إليه المكالمة الأخيرة بينها وبين زوجها، عندما كانت تخوض رحلة بحثها في الدّار المهجورة، وما اشتملت عليه من عصبيّة وسباب وألفاظ نابية تؤكد أن المسافة بين طموح الحدّاد وبين أشباه المثقفين، أعداء المرأة ما تزال شاسعة، تحتاج منّا وعياً مضاعفاً لكي لا تقبر مبادى الحدّاد كما أقبر هو سابقاً. لكن الأمل يبقى قائماً مادامت هناك إرادة في التّغيير ومادامت أصوات النّساء قد تجاوزت الدهاليز المظلمة، واقتحمت أعماقها الآسنة عبر صوت أميرة غنيم وغيرها ممن آمن بحق المرأة في الحياة . “ولكن يبقى الأمل قائماً لا يموت، وقريباً … قريباً جدّاً تفتح الأقفال “وها هو رجع الصدى يأتي على لسان هند” مايزال الأمل قائماً يا هند .. السرّ هاهنا في المحفظة المقفلة، وقريباً.. قريباً .. تفتح الأقفال.
    من هنا نخلص إلى أن أميرة غنيم قد جاست في مختلف عوالم المرأة، فهي القابعة وراء كل صوت أنثويّ مظلوم، وهي الساعية إلى استبطان عوالمهنّ النّفسية في مجتمع آسن غدت فيه المرأة الضحية والجلاد. فالمرأة هي التي تدجن المرأة وتؤذيها أكثر أحياناً من الرجل نفسه، فانتصرت لهن عن طريق التكاثف الأنثوي سواء من جهة مدار الحدث الذي يتالق فيه صوت النّساء حتى في الأحاديث الّجالية وقد انفردن بحمل لواء الأفعال الثلاثة: الحوار والوصف والسرد، أو من جهة اقتسام فعل الاضطلاع بالرواية مناصفة مع الصّوت الذكوريّ، ولكنّها في الأخير تُغلّب الصوت النّسائيّ الموجوع المكلوم حيث تعود “هند” راوية حديث البدايات وهو ما جعل من روايتها رواية الشخصيّة السّاردة الموّنّثة “أنا”.

“نازلة دار الأكابر” في تنقّلها بين الشخصيّات وبين الأوقات تكتسب حضوراً رمزيّاً، تنكشف من خلاله خبايا الرواية ووقائعها، وقائع روائيّة تتشّكل في نوع من الإحتفاليّة بعوالم روائيّة حالمة رغم ما حاط بسرادقها من ألم وأوجاع. وقد تعمّدت الكاتبة هدم الحدود الفاصلة بين عوالم متباعدة، كما تعمّدت المزج بينها من أجل خلق عالمها الرّوائيّ الذي يتقاطع مع العالم الواقعيّ دون أن يكون هو نفسه. وليست الرواية إلاّ تعرية لكذب مجتمع بأكمله، همّش المرأة وسجنها في دهليز سحيق إرضاءً للأكابر، وإمعاناُ في إقصاء المرأة وتهميشها.
وتنتهي أميرة غنيم إلى أنّ المرأة كما الرّجل ضحيتان لثقافة تارخيّة واجتماعيّة متجذّرة كرّست التباين والتّمايز بينهما. ولتجاوز المشكلة ترى أنّه على الطّرفين نقد الثّقافة الذّكورية المتغلغلة، والحرص على خلق ثقافة جديدة تقوم على المساواة شأناً أنثويّاً بحتاً بل تراه همّاً مشتركاً، يستهدف تصحيح مسيرة الإنسان، وهي في كل ذلك تؤمن بالكتابة أداة خلاّقة تسهم في انعتاق الإنسان ومحاربة العقول الظلاميّة، التي تتفنّن في إيذاء المرأة وجعلها محاصرة في محرقة الألم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:

  • نازلة دار الأكابر، أميرة غنيم، دار مسكلياني للنشر والتوزيع، ط 5، افريل2021م.
    الهوامش:
    1 – سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر، تر. محمد على شرف الدّين، المكتبة الحديثة للطّباعة والنّشر، بيروت، د. ط، 1997، ص 7.
    2 – سلسلة ترجمات نسوية، (نحو دراسات النوع في العلوم السياسية) ترجمة شهرت العالم: مؤسسة المرأة والذّاكرة، ط2010، ص55.
    3 – محمد نور الدين افاية، (الهويّة والاختلاف، المرأة، الهامش والكتابة)، أفريقيا الشرق، المغرب، ط،1988 ، ص:55
    4 – نازلة دار الأكابر، ص:9
    5 – المصدر نفسه، ص:9،10
    6 – م نفسه،ص:10
    7 – م نفسه،ص:9
    8 – م نفسه،ص: 183
    9 – م نفسه،ص:116
    10 – م ن،ص:407
    -11 م ن،ص:315
    12 – م ن،ص:382
    13 – م ن،ص:260
    14 – م ن،ص:183
    15 – م ن،ص:201
    16 – م ن،ص:116
    17 – م ن، ص :260
    18 – م ن،ص:260
    19 – م ن،ص:265
    20 – م ن،ص،:240
    21 – م ن،ص:105
    22 – م ن،ص:457
Design a site like this with WordPress.com
Get started