“أريدُ أن آكُلَ و أشرَب، أُريدُ أنْ أعيش”.


كانَت هَذه هي الجُملة التي خَرجَت مِن ذاكَ الشاب الذي زَينَت عيناهُ هالاتٍ مِن السَواد، اكتسَت سبائبُ شَعرِه بعضاً مِن البياض، و نبتَت شُعيراتٌ لا تَدُلُّ سوى على البؤس في ذقنه، كانَ مُجَعّد الشَعر، بالِيَ المَنظَر، نالَ مِنهُ الهزال ما نال.
لا لومَ عَليه ولا عِتاب، فَما مَرّ بِه كَفيلٌ بإسقاطِ أشَدّ النجوم سطوعاً، قد كانَ آملاً حالِماً، متفائلاً و قويّاً، لَم يَكُن هَكذا.
مُنذُ طفولَتِه تَنبأ لَه الجَميع بمُستَقبلٍ باهِر، نَبغَ في المَرحِلَة الأساسية، حقق التوقعاتِ و تخطى بعضاً مِنها، زادَت طُموحاته و كَبرت مَعه.
دخل المرحلة الثانوية، باتَ يحلُمُ بأشياءٍ أكثر، أَضافَ إلى لَائِحَةِ أحلامِه أسمى الأحلامَ و أقساها، أصبَح يَحلُم بِوَطَنٍ أجمَل، لكنَّهُ فِي عُمرِه ذاكَ لَم يَكُن يُدرك ثَمَن الحُلمَ الذي هُو بِصَدَدِ دَفعه.

دخل المجَالَ الذي يُحبه في الجامعةِ التي تمنَّاها، و حَدثَ بعدَ ذلكِ شيءٌ لطالما تمناه، إنهُ يرى الضوءَ في نهايَةِ المسِير، ذاكَ الضوء الذي سَيَتَكفَّل بِإضاءَةِ الحُلمِ الأسمَى، إقترَب الضوء، مع كل خُطوَةٍ يزدادُ الضوء و تزدادُ الإنارة، فجأةً تحطّم النفق، تهدَّم حاملاً مَعه أرواحاً و آمالاً عَدِيدة، و من ضِمنها آمالُ ذاكَ الشاب.
قرَّر التخلي عن حُلمه القديم، إختَزلَ أحلامَهُ على أطفالٍ و زَوجَةٍ تَبتَسِمُ لَه حينَ عَودَتِه من العَمل، و لَكِن حتى هَذا لَم يتَسنّى لَهُ إدراكُه، فَقبلَ أن يُدرِكَ عامَهُ الأخير سآءت الأوضاعُ السياسية، و اشتعلَت الحربُ مُتَّقِدَةً على أرضِ بِلادِه لِتُدَمِّرَ جامِعَتَهُ و تأخُذَ ثلاثَةً مِن أصدقاءه المَدنِيِّينَ ضَحايا، حتى مَنزِلَهُم المُتواضِع لَم يَسلَم مِن المدافِع.
نَزحوا، هو و أهلَهُ و ما تَبقى له من أصدقاء، تفرّقوا أشتاتاً يَصعُبُ لَمُّها في القريبِ العاجل.
في تلكَ القرية التي لَم يَزُرها مِن قَبل إلّا عندما كانَ في السابِعَةِ مِن عُمرِه، مَضى عشرونَ عاماً عَلى تِلكَ الزِيارَة، مِن الجَيِّد أنَّهُ مَا يزال يَتذَكُر ذلكَ، قابَلَهُ طِفلٌ فِي العاشِرَة، طِفلٌ يَحمِلُ في عيناهُ مِن البريقِ ما يَكفي لإضاءَةِ أشدّ الأنفاقِ ظُلمة، طفلٌ حالمٍ آمِلٌ مُتفائِلٌ و قَوي، سألَهُ الطفلُ عَن أقصى أحلامِه، رَمَقَهُ الشابُ بِنَظَرةٍ يَملؤها الأسى، نظرَةٌ تَحمِلُ فِي مَعناها خَوفٌ على الطفل مِن المستقبل الذي يَنتَظِرُه، نَظرَةٌ تَقولُ بأنّي كُنتُ مِثلكَ يوماً ما، رَدّ الشابُّ بِصوتٍ مُتعَب: “أريدُ أن آكُلَ و أشرَب، أُريدُ أنْ أعيش”.

Design a site like this with WordPress.com
Get started