البعد النضالي في أرض المدامع

البُعد النضالي لرواية ( أرض المدامع ) للروائي المغربي البشير الدامون. #كتابقريتو #قراءةمدى_الحياة

القصة القصيرة حدث يتطور، بينما الرواية هي مجموعة أحداث تتطور وتتشابك، تشتبك لدرجة الفوضى، مهمة القارئ ليس أن ينتظر كيف تنتهي فحسب وإنما أن يرتب فوضى تلك الأحداث، أن يفض الصراع الحكائي “فما الحكايات سوى صراع” رواية أرض المدامع، ص187.
القراءة هي محاولة ترتيب الأحداث، بعد أن تفككها، لا أن تفكك مفرداتها بل أحداثها الكبرى المؤثرة في سيرورة السرد أو المؤثرة في نفسية المتلقي. هنا مع رواية ( أرض المدامع ) للكاتب الروائي المغربي البشير الدامون وفي محاولة البحث عن الهوية الثقافية للرواية سنقتحم إمكانية التفكيك والترتيب لورشات البناء الحكائي للنص حسب تذوقنا لجمالياته.
وإذا كانت الرواية تبدأ قصة أو حكاية ثم تتدفق حكائيا، فإننا في ( أرض المدامع ) نعثر على ملامح هذه التدفق الحكائي، إنها تنطلق حَلَقة ثم تتشكل سلسلة، بحيث تبدأ من قصة فتاة في بداية مرحلتها الجامعية تقدمها لنا الرواية “عاشقة لأمير ومعجبة بثائر” ص 178 وهو توصيف دقيق يمثل حالة انفصام وتوزع الإنسان بين خيارات متناقضة في منطلقاته الإيديولوجية، تكتشف فضاء الجامعة النضالي لأول مرة. نعيش التدفق الحكائي لنجد أنفسنا فارّين رفقتها من القمع والإعتقال على خلفية حركة احتجاجية مناهضة قامت بسبب غلاء الأسعار في تطوان، نفر معها إلى سراديب قصر للبحث عن كنز مفقود من آلاف السنين، بعدها ستجرنا إلى المعتقل لنجد أنفسنا مشاركين لها زنزانة التعذيب والاعتقال بسبب طموحاتها النضالية التمردية.
هي إذن حكاية البحث عن الكنز التي يتنازعها عبيد كناوة وحقهم التاريخي في ملكيته، دلاليا تدخلنا هوة النزاع حول الثروة والنفوذ، النضال والبحث عن الانعتاق من سلطة السادة والتحرر من وضعية العبيد.
رمزية البحث عن الكنز وسط كهف في الرواية يحيل إلى ضرورة المخاطرة من أجل الظفر والفوز والنجاة، إنها تعكس وضعا واقعيا باتت تتأسس عليه كل اتجاهات الوجود. يقول الراوي: “ماقيمة الحياة بدون مغامرة” ص143.
بالنهاية سنكتشف أن الكنز عبارة عن قارورات مزهرية تجمع فيها دموع امرأة ملك مغتال (مدامع رومانية كانت تملأ في عهد الرومان بالدموع عند وفاة قريب أو حبيب” ص161.
كمنطلق، الرواية تقدم لنا بديلا مشروعا لوضعية غير مشروعة.
فالساردة أو بطلة الرواية في النص فتاة لقيطة ابنة زنا تحاول أن تخرج عن نظام القذارة والبؤس إلى بديل مختلف متمثل في خطاب نضالي ابتداءا من خروجها من تطوان وانتقالها إلى جامعة ظهر المهراس بفاس بعيدا عن فضاء (الدار الكبيرة) الماخور الذي تملكه والدتها والذي ولدت فيه “ابنة زنا لا تعرف أبويها تعيش بين أناس يمارسون الزنا، ثم يلعنون من ينتج عنها” ص193.
مع توالي الاحداث يتسلل التاريخ، يحتل مساحة مهمة في رقعة الرواية، لعل الكاتب يدفعنا إلى أن نتعرف على أشياء لم نكن نعرف قصتها، أو أنه يستعمل التاريخ كخلفية فانطازيا لأحداث جديدة راهنية وهذا مهم نظريا.

  • يمكن تفسير انتقال الساردة إلى المرحلة الجامعية وما يواكبها من تحولات معرفية عاينتها الشخصية المغربية حين كانت الجامعة مؤثرا فاعلا في بنية الفكر وبداية اكتشاف والوعي بمحركات العالم، إنها توثيق لذلك التحول الفكري وما يحمله من دهشة وتجربة جديدة، الساردة تتحدث عن نفسها، بطبيعة الحال أي شخصية تحب أن تتحدث عن نفسها، أي شخصية تدعونا لننصت إليها، في (أرض المدامع) سننصت عبرها لصوت الثقافة، صوت الواقع، صوت الذاكرة، صوت الثورة والاحتجاج، صوت الوعي، الوعي الشقي كما تصفه الرواية.
  • تتحدث الرواية، كما لو كانت تدربنا على التفلسف، عن مرحلة أخرى من مراحل بناء الشخصية ثقافيا ومعرفيا وفلسفيا وحضور التساؤل الذي يتجاوز التساؤل إلى اعتباره كآلية لاكتشاف أشياء صادمة وحقائق قاتلة، نقرأ : “يحلو التساؤل، لكن للتساؤل حدود وإلا أصبح نارا يكتوي بها المتسائل” ص16.
    في اعتقادي أن الرواية بهذه التساؤلات تأخذ خطا فانطازيا منطقيا وليس غرائبيا يمثل علاقتنا بالكنوز، وعلاقتنا بوهم الكنوز، أو بالبحث عن الوهم، أو الإنزلاق وراء طموحات ثورة قد نفقد فيها كل شيء دون أن نحصل على طائل.
    لاشيء يأتي صدفة في النص. أعتقد أن عملية إنتاج السرد كما تحتاج إلى ممارسة وتدريب فهي تحتاج إلى عقيدة، إلى توجيه، الكاتب ليس مجرد ممثل سينمائي أو مجرد ساعي بريد، أو ناسخ صور، إنه مقبرة للكثير من شطحات الصياغة وإلغازية الكتابة، حين تتعرف البطلة على أحمد الطالب في جامعة ظهر المهراس، المتأثر بأفكار التغيير، تغيير الواقع، النظام، النضال ضد الرأسمالية وقوى الظلام، المتأثر بافكار التحرر من الرجعية.. إننا هنا أمام انتقاد لواقع نعرف ماهو لكننا نختلف في آلية هدمه وإعادة تشييده.
    نحن هنا في فضاء أمام شخصيات تظهر فجأة في حياتنا، تحمل نفس أسئلتنا أو تعمقها، الجامعة هي مركز الاسئلة، الأسئلة الكبرى، التحولات المعرفية، والصداقات المعرفية الثقافية الفكرية والإنسانية.
    نستطيع تصنيف التوجه الثوري لشخصية الساردة عندما تتأثر بأول شخصية تصادفها أحمد الذي يعتبر “الأنظمة الطاغية والأمبريالية قوى فتك وتدمير. إنها رمز الشر الذي يعبر عن قوى لا عقلانية في الوجود ومن الواجب على أمثالنا اعتناق الفكر الذي يعيد للوجود عقلانيته” ص20. موقف يمكن أن نعتبره محفزا لبداية نضال يُحَدَّد في الرواية كفكرة، كتوجه:
    “النضال من أجل أن يشع البياض هو طريقنا” ص21.
    من أجل ذلك شاركت الساردة في النضال الجامعي معتبرة إياه “نبراس التغيير”ص23.؟
  • الرواية تضمنت مجموعة من المشاكل: العنف الثوري لإزاحة ما أسمته الرواية بالمنافس المُعرقل، ومنها ما بات يعرف راهنا بالجنس مقابل النقط، الصراع الطلابي الفصائلي، الثورة الدموية، ضحايا الثورة “للثورات ضحايا،هؤلاء الذين يرتدون زي العساكر وأولئك الذين يرتدون زي الفقر والجهل هم أول ضحاياها “ص41، الأثر النفسي الذي يخلفه الاعتقال والتعذيب: “وحوش جعلوا مني إنسانة تعشق الموت” ص191. الجنون وفقدان الثقة من كل شيء متمثلا في ما آلت إليه حالة جنون أحمد الطالب الثوري المحكوم بخمس سنوات وشروعه في الهذيان. تضمنت تبعات الحمل غير المرغوب فيه، حمل الزنا وظاهرة رضع المزابل، جحود الرجال “مخلوقات تولي ظهرها بمجرد ارتوائها” بحسب الرواية ص 178، نجد كذلك التفسيرات الخرافية التي تفسر بها فئة البؤساء من ذوي التعليم المحدود (العبيد) للاحداث والظواهر، متمثلة في النص بشيخ عبيد كناوة الذي يعتقد أن الجن اختطف مرجانة زوجة سيد القصر أثناء التنقيب عن الكنز “رحلة انتهت بخطف مرجانة من طرف جند الجني” ص 183. لا يمكن أن نتقبل هذا الموقف إلا خارج التحليل المادي المعتمد على المعرفة العلمية. تضمنت أيضا مواضيع إشكالية بحاجة إلى وقفات مطولة، فالرواية كما أشرتُ تهتم أكثر بتقديم السؤال أكثر من تقديم إجابات كما في موقف إحدى الشخصيات “كيف نروض أنفسنا على الخير حول هؤلاء البرجوازيين ونحن نحيا في مستنقعات الرذيلة والتهميش وهؤلاء يحيون في النعيم؟”ص 55. نتحدث هنا عن جدلية الخير والشر. الرواية تسائلنا ؛ هل نستطيع أن نكون أصحاء صحة نفسية وعقلية بدون إثارة تلك أسئلة كما تقول: “الرجات النفسية والصدمات المرضية لا تأتينا إلا عند التساؤل والبحث عن كل ماهو عظيم ” ص140.
  • نعيش داخل الرواية مأزق التفريق الطبقي الاجتماعي وتأثيره في قوة حركة الاحتجاج، فحدث وجود “أشخاص تظهر عليهم علامات الثراء والدعة يشاركون البؤساء همهم وحلمهم” ص33. يجعلنا نتساءل لماذا تفشل المظاهرات، لماذا تخفق الثورات، كأن النص يوحي لنا بالسبب في غياب دعم الأثرياء إنهم لا يدعمونها لأنهم لا يريدون أن ترتقي أوضاع البؤساء وأن يلتحقوا بهم.
  • دلالة القصر داخل النص:
    إن الفضاء والشخصيات في النص الإبداعي عند النقاد بمثابة وعاء فني يحتوي على فكرة النص.
    هكذا يضعنا الروائي البشير الدامون أمام وضعية الخطر، الخطر في إدارة النقيض، أو ما أسماه البعض باكتشاف المأزق، مأزق المواجهة بين السادة سكان القصر وبين العبيد وهو يجسد لنا الفعل السردي مترافقا مع ثلاثة شخصيات أساسية، الساردة الجامعية ابنة الزنا، الطالب المعتقل أحمد، وسيد القصر لتطوف بنا الرواية في عوالم التاريخ، تاريخ الكنز المدفون تحت القصر، الزواج اللامتوقع بين مرجانة المنتمية لطبقة العبيد ( عبيد كناوة) وبين سيد من سادات القصر، بهذا بقي الحدث السردي أكثر قربا من الصراع مع السلطة، وهي منطقة مكهربة سياسيا في الواقع، على أننا نسجل بروز المعطى الإجتماعي، وهو حضور أعتقد أنه بات جزءا من التقاليد الروائي والتي منحت النص زمنا أطول للحكي، ومنحت الشخصيات انحيازا إلى التصادم وهو العامل الذي منحنا نحن فرصة للتعرف على حيثيات التصادم، مؤثراته، أسبابه، ظلاله وامتداداته، على اعتبار أن الرواية يجب أن تكون منفذا للنقد الاجتماعي والسياسي وليس للتفكه والمتعة فحسب.
    يزدهر الموقف الشخوصي بتناول البعد النقدي على شكل مواجهة ومناقشة حادة أو مجادلة حوارية لنجد أنفسنا مقتنعين بلاضرورية أن نكون فقراء لنبحث عن تغيير أوضاعنا المتأزمة، بل نفعل ذلك حتى ولو كنا أثرياء كما نوهنا إلى ذلك سابقا، نتجه إلى الاعتقاد بأن المسألة متعلقة بإرادة القوة والرفاه الاجتماعي للكل. نقرأ: “نعم لم لا أساعد طائفة (العبيد) في تحسين مستوى عيشها.. مرجانة حين علمت بنيتي توسلت أمامي أرجوك تخل عن هذه الرغبة أي نعيم ينقصنا” ص135.
  • الأساس الفكري التأملي مهم جدا ونحن نقرأ الرواية. على هذا الأساس نرى أن (أرض المدامع) تطرح رمزية المخاطرة، ورمزية الغرق في الوحل والصراع للفكاك من الموت بتسخير الأسطورة كضرورة سردية. الروائي البشير الدامون كان بارعا في استعمال طاقتها الترميزية تحديدا عندما كانت زوجة الراوي تغرق بينما كان سيد القصر يتشبث بالصندوق الكنز، هنا تضعنا الرواية بين خيارين هل ينقذ الإنسان محبوبه والحب هنا متعدد أم ينقذ الصندوق الثروة المال عندما يقول الرواي”لو مددت يدي إليها وهي تغرق فحتما سأرخي الصندوق” ص151.
    للكنز ضحايا، و”للنضال ثمن” ص 184.

على سبيل الختم،
إن ما أسميناه في البداية بالتدفق الحكائي، هو ما ضمِن لنا لذة النص في (أرض المدامع) ولو أننا عشنا نهاية مأساوية من خلال تصوير مؤلم بجودة فنية مؤثرة لما يتعرض له المناضلون من تعذيب في المعتقلات السرية لدرجة تمني الموت حيث تنتهي الشخصيات في الرواية بغير ما بدأت به، تتحول وتتشكل من جديد وفق واقع كفيف لم تتحقق به شروط النضال، أو هو الوضع الطبيعي لنضال سابق على زمانه ولم تتهيأ شروطه. فأحمد المناضل ينتهي إلى الجنون، والساردة ينتهي بها المطاف من النضال الجمعي إلى الانكفاء الذاتي، وإلى حالة اليأس والعزلة التيه في البرية.
خلف طبيعة التحولات تمة رموز واسقاطات هي بمثابة استفزاز للضمير وتحفيزا لتفكير المتلقي. إننا نتحدث هنا عن رواية يمكن أن نعتبرها نوعا من أنواع النضال والمقاومة الذكية بالأدب وفق ما يتصوره الحالمون بالتغيير، وتلك، ربما، هي الهوية الثقافية لرواية (أرض المدامع).

Design a site like this with WordPress.com
Get started