في بيتنا مسؤول..
تثقل شبكات العلاقات الاجتماعية كاهل كل منا حسب درجة المسؤولية التي يتقلدها. وبقدر ما تكبر هذه المسؤولية بقدر ما يزداد ثقل تلك العلاقات ضغطا. من المنتخب الجماعي الذي يتحول إلى وسيط لقضاء الحاجيات البسيطة لأصدقاء الحي أو الدوار (الضيعة)، أو مدير المدرسة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية، الذي تعقد عليه آمال كبيرة لتسجيل أو نقل هذا التلميذ او ذاك، إلى القايد أو رئيس الجماعة أو االمدير الإقليمي للتعليم أو رئيس المؤسسة الجامعية الذين تتقاطع عندهم عدة مصالح وانتظارات تهم زملاءهم أو أقرانهم في المسؤولية أو رؤساءهم أو أصدقاء الطفولة والجيران وأعضاء الحزب وأعضاء جمعية المحسنين…. فهذا يريد تعيينا لزوجته في مكان قريب من سكناه، وهذا يريد تسهيلات لتسجيل ابنه أو ابن أخته في هذه الشعبة أو التخصص، برغم ما ترسمه شروط القبول المعلنة من حدود. وذاك يريد رخصة بناء تتغاضى قليلا عن الضوابط، والآخر يريد فقط تسهيل قضاء غرض مستحق..
كل من جرب المسؤولية يكون قد جرب هذا النوع من الضغوط، التي تضع قيمة التجرد عن الزبونية والمحسوبية على المحك باستمرار. قليلون هم الذين ينجحون في التوفيق بين التجرد ومتطلبات الحفاظ على العلاقات. لا يتعلق الأمر دائما – كما يتصور الكثيرون – بهوى الانغماس في تبادل المصالح وتفضيل الزبائن والمحاسيب، لكن كثيرا من القرارات التي يتخذها المسؤول في تجاوبه مع الطلبات التي قد ترد عليه تأخذ بعين الاعتبار مآل العلاقة بين المسؤول وطالب الخدمة، وانعكاس ذلك على حسن الجوار (إذا صح التعبير) بين مختلف المسؤولين. أما في واجهة العلاقة مع الأسرة والعشيرة والقبيلة فالأمر لا يقل تعقيدا. ليس هنك من يستسيغ أن يرفض المسؤول (إذا كان أحد معارفه أو أفراد أسرته أو قبيلته) طلبا بالتدخل لصالحه. وربما تسبب ذلك الرفض في كسر العلاقات الأسرية أو إصابتها بالفتور.
لكن، لماذا توجد أصلا مثل هذه الحاجة لتدخل هذا المسؤول أو ذاك؟ في كثير من حالات طلب التدخل، يكون الموضوع بسيطا ولا يقتضي أي إجراء استثنائي؛ سوى أن الرغبة في توفير الوقت والجهد واختزال الإجراءات تكون هي الدافع إلى اللجوء إلى خدمات المسؤول. ومثل هذه التدخلات من المفترض أن تختفي من تلقاء نفسها بتحسين خدمات الإدارة وتبسيط إجراءاتها أو بوجود وسائط بديلة للقيام بهذه الإجراءات، مما أصبحت تتيحه التطبيقات الإلكترونية أو بعض شركات الخدمات.
أما التدخلات التي تطلب من أجل تجاوز بعض الشروط الإدارية أو الاستفادة من امتيازات لا تتيحها اللوائح الجاري بها العمل، وتؤدي في مداها النهائي إلى الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، فإن منشأها متعدد المنابع، أولها أن هناك ثقافة مشتركة تنظر إلى المرفق العام باعتباره محصلة لإرادات أفراد قد نكون محظوظين بمعرفتهم، وأن اللوائح ما هي إلى صيغ شكلية لا يضرنا في كل مرة أن نقفز عليها، وأن المسؤول تربطه علاقة شخصية بمجال مسؤوليته تجعل الآخرين يطالبونه بضرورة تلبية طلباتهم بلا حد ولا مراعاة للضوابط.
علاقتنا بالضوابط مطبوعة بالمفارقات: لا نجد غضاضة في خرق قانون السير باستمرار وسهولة، وحين يتم ضبطنا متلبسين بمخالفة، نستنجد بأوضاعنا الاعتبارية أو بأخد معارفنا المسؤولين عبر الهاتف النقال. هذه المفارقة يمكن لكل منا أن يرى يوميا مشهدا منها عند مفترقات الطرق: شرطي يمسك بأوراق السيارة لتسجيل محضر المخالفة وسائق يتصل بهاتفه النقال مع أحد المسؤولين ذوي الكلمة المسموعة. ومع ذلك نصرخ يوميا مستنكرين: لماذا لا يتدخل المسؤولون لإحقاق القانون ووقف التسيب: تشيب الآخرين طبعا.
مع مرور الوقت ترسَّخ لدى الجميع اعتقاد بأننا دائما بحاجة إلى تدخل استثنائي من مسؤول ما أو من وسيط ذي حظوة، لكي نقضي حاجاتنا أو لنرى أمورنا اليومية تسير بشكل طبيعي. حتى أن الإدارة في بعض حلقاتها اكتسبت عادات تدعو للسخرية. فكثيرا ما صادفت موظفين كسالى فكريا وفعليا يصرحون بكل بساطة أن هذا الإجراء أو ذاك، ممنوع!! ويعتبرون أن الأصل في الأفعال هو المنع وليس الإباحة. وكثيرا ما صادفت بعض التصرفات الروتينية التي لا سند لها سوى أن الموظف وجد من قبله يقوم بها. بل إنني في إحدى المرات وجدت من يرفض وثيقة عبارة عن تصريح شخصي لمجرد أنني وجدت في نموذجها المقترح عبارات ركيكة فاستبدلتها.
مرة اتصل بي صديق قديم طالبا مني التدخل ليتم قبول ابنه (أو ابنته، لا أذكر) في أحد التكوينات، وحين اعتذرت له عن ذلك أقسم بأيمان مغلظة أن هناك من أخبره أن الأستاذ الفلاني يتقاضى الرشاوى من أجل تسهيل هذه العملية؛ وأنه هو مستعد لدفع ما يلزم ولا يحتاج سوى إلى وساطتي في الموضوع حتى يضمن نجاعة رشوته. وعبثا حاولت إقناعه، إلى أن اضطررت إلى زجره عن الكلام في الموضوع.
في مثل هذا الجو ينتعش السماسرة والوسطاء الوهميون أو الحقيقيون، ويهون على الجميع تفكيك النزاهة ومحاصرتها، ويعم الاعتقاد بأن لا شيء يسير بدون تدخل ما.
الدكتور عز الدين بونيت
