المحسنات البديعية..الطباق 1

دروس في البلاغة – علم البديع (1)
المحسنات المعنوية: 1 -الطباق
أقسام المحسنات البديعية
تنقسم المحسنات الى قسمين :
1 ـ محسنات معنوية ، وهي التي يكون التحسين بها راجعا الى المعنى أولا وبالذات ، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين اللفظ أيضا كالطباق بين يسرّ ويعلن في قوله تعالى : (يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) ، وعلامتها أنه لو غير اللفظ بما يرادفه فقيل مثله : يعلم ما يخفون وما يظهرون ، لم يتغير المحسن المذكور.
2 ـ محسنات لفظية ، وهي التي يكون التحسين بها راجعا الى اللفظ أصالة وإن حسنت المعنى أحيانا تبعا كالجناس في قوله تعالى : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ)(3) ، فالساعة الأولى يوم القيامة والساعة الثانية واحدة الساعات الزمنية ، وعلامتها أنه لو غير اللفظ الثاني الى ما يرادفه زال ذلك المحسن ، فلو قيل : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا إلا قليلا لضاع ذلك الحسن.
المحسنات المعنوية
المحسنات المعنوية كثيرة ، لكنا رأينا ألا نذكر منها إلا ما اشتهر أمره ، وأهم الناثر والشاعر علمه :
الطباق ـ المطابقة ـ التكافؤ ـ التضاد
هو لغة الجمع بين الشيئين ، واصطلاحا الجمع بين معنيين متقابلين ، سواء أكان ذلك التقابل تقابل التضاد أو الايجاب والسلب أو العدم والملكة أو التضايف ، أو ما شابه ذلك ، وسواء كان ذلك المعنى حقيقيا أو مجازيا (1).
وهي تنقسم أولا إلى :
(أ) مطابقة بلفظين من نوع واحد ، سواء أكانا اسمين ، نحو : (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ)(2) ، أم فعلين نحو : (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)(3) ، وقوله عليه‌السلام للأنصار : «إنكم لتكثرون عند الفزع وتلقون عند الطمع» ، أم حرفين نحو : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)(4) ، وقول القائل :
ركبنا في الهوى خطرا فإما
لنا ما قد ركبنا أو علينا

(ب) مطابقة بلفظين من نوعين نحو : وأحيي الموتى بإذن الله ، وقوله :
قد كان يدعى لابس الصبر حازما
فأصبح يدعى حازما حين يجزع

والتقابل إما ظاهر كما سبق وإما خفي نحو : أشداء على الكفار رحماء بينهم فإن الرحمة تستلزم اللين المقابل للشدة ، وقول أبي تمام :
ما الوحش إلا أن هاتا أو إنس
قنى الخط إلا أن تلك ذوابل

لما في هاتان من القرب وتلك من البعد.
ثانيا الى :
(أ) طباق الايجاب كما سلف لك من الأمثلة.
(ب) طباق السلب ، وهو أن يجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي ،
أو أمر ونهي ، كقوله تعالى : (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا)(1) ، وقوله تعالى : (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)(2).
ومن الطباق ما سماه بعضهم التدبيج من دبج الأرض زينها ، واصطلاحا أن يذكر في معنى كالمدح وغيره ألوان لقصد الكناية أو التورية.
فتدبيج الكناية كقول أبي تمام يرثي أبا نهشل محمد بن حميد :
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى
لها الليل إلا وهي من سندس خضر

فقد كنى عن القتل بلبس الثياب الحمر وعن دخول الجنة بخضر السندس ، إذ هو من شعار أهلها ، وجمع بين الحمرة والخضرة على سبيل الطباق.
وتدبيج التورية كقول الحريري : فمذ ازورّ المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر ، اسودّ يومي الأبيض وابيضّ فودي الأسود ، حتى رثى لي العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر ، فالمعنى القريب للمحبوب الأصفر إنسان ذو صفرة ، والبعيد الذهب ، وهو المراد هنا ، فيكون تورية ، وأما بقية العبارة فكناية (3) ويلحق بالطباق شيئان أحدهما ما يسمى : إيهام التضاد ، وهو الجمع بين معنيين غير متقابلين ، معبرا عنهما بلفظين متقابلين ، كقول دعبل الخزاعي :
لا تعجبي يا سلم من رجل
ضحك المشيب برأسه فبكى

فإن ضحك بمعنى ظهر ، وبكى بمعناه الحقيقي.
وثانيهما : الجمع بين معنيين يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق كالسببية واللزوم ، كقوله تعالى : (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)(4) فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون
من كتاب علوم البلاغة للمراغي

Design a site like this with WordPress.com
Get started