
اتصلت بي قريبة ستينية تطلب إسم دواء أو مرهم لأنها تعاني من البواسير, حسنا أنا كطبيبة أشعة لم أصف أدوية منذ حوالي ست سنوات لأن ذلك ليس من اختصاصي, ولكنني منحتها نصيحة ثمينة سأقولها لكم بدوركم بالمجان ولو لم تعجبها أو تعجبكم..
العثورعلى دم في البراز rectorragies عرض منتشر بكثرة, وفي غالب الأحيان يرجع لسبب بسيط, أي البواسير أو وجود جرح في الشرج fissure anale.. بالرغم من أن هذه الأمراض ليست باليسيرة فعلا, حيث قد تؤدي الأولى لنزيف حاد يوجب التدخل الفوري أحيانا, والثاني لاَلام حادة قد تستدعي في بعض الأوقات حقن المورفين كما قد تتعرض للتعفن بالبكتيريا وبالتالي تؤدي لتكوٌن خراجات ودمامل.. ولكن هاجس الأطباء عندما يكون هناك نزيف شرجي هو السرطان خاصة عند الفئة العمرية أكثر من 45 أو 50 سنة.. إما سرطان المعي الغليظ أو اَخر جزء منه والمدعو بle rectum وحتى القناة الشرجية canal anal.. وبالتالي فأي نزيف من المفترض أن يوجب فحصا طبيا للتأكد من مصدره (مركز صحي, gastrologue أو proctologue).. وهذا ماكنت أفعله حينما كنت طبيبة داخلية بتطوان حيث لاأتسرع بمنح دواء البواسير بل أبحث عن أعراض أخرى وأقوم بالفحص الشرجي أولا.
في دول أخرى, يتم القيام بفحص شامل للساكنة بعد سن الخمسين للبحث عن اَثار دم غير مرئي في البراز وأحيانا بالتنظير الباطني coloscopie (إما بأنبوب أو virtuel باستعمال السكانير حسب الحالة) للفئات الأكثر تعرضا للخطر, كمن لديه سوابق عائلية لسرطان القولون أو بعض الأمراض التي تصيب بطانة الأمعاء كالزوائد اللحمية polypes, وذلك في إطار مايعرف بle dépistage collectif.. قصد الكشف المبكر لهذا المرض في أطواره الأولى التي يمكن العلاج فيها, بينما يستعصي ذلك فيما بعد, أي بعدما ينتشر المرض في الكبد والصفاق وغيره.. وهكذا فقدنا زميلا من زملائنا الأطباء, الذي ذهب للمستعجلات إثر نزيف شرجي ظن أنه ناجم عن البواسير ليتبين أن الأمر يتعلق بسرطان متأخر كلفه حياته رحمه الله.. فقد أصابه هذا المرض في سن صغيرة, نظرا لكون أطبائنا المساكين أصبحوا يصابون بأمراض لانراها إلا عند الشيوخ بسبب الضغوط وقلة النوم واختلال النظام الغذائي..
عند الشباب والمراهقين أيضا, قد يكون النزيف الشرجي مرتبطا بوجود التهابات وتقرحات مزمنة في الأمعاء في إطار أمراض مناعتية من قبيل مرض كرون أو ال RCH.. وعليه فيجب الانتباه في حال وجود اضطرابات مزمنة في حركة الأمعاء من قبيل الإسهالات والإمساك أو هما معا والهزال, بالإضافة إلى أعراض أخرى متفرقة قد تصيب الجلد والعين وغير ذلك..
ولذلك أنبه المواطنين خاصة الذين يتجاوزون الخمسين, المرجو الاحتياط عند وجود دم في البراز أو إمساك مزمن, أو فترات من الإمساك يتبعها إسهال بشكل غير عادي, أو أنيميا (فقر دم) لدى الرجال أو النساء بعد سن اليأس, أو هزال وتدهور في الحالة الصحية العامة.. فنحن في الطب لانعالج حتى نتأكد من عدم وجود الأسوأ, أو هكذا يفترض بنا..
الهدف من البوسط ليس إخافتكم فنسبة الحالات الصعبة مقارنة مع مجمل الأسباب الحميدة تمثل استثناء (ولو أنها إحصائيا تعتبر مهمة) وإنما الهدف هو حثكم على أخذ الاحتياطات اللازمة .
