جنتي التي استحالت جحيما!!
___________________________
نعم أنا هنا.. في مكان استحوذ على مساحة كل الأمكنة في ذاكرتي، فبات هو الأصل، وكل الأمكنة ما هي إلا ظلال وأطياف تتفرع منه.. وجودي في هذا المكان بالذات حلم طالما راودني، وتاقت نفسي إلى الانغمار فيه والتماهي معه. تشرب جسمي أشياءه وكل ذرة فيه، وتوحدت روحي مع عبق روائحه وروعة أصواته وجميل ألحانه، فانتابني إحساس عال بالامتلاء لفرادة اللحظة وسموها، لحظة ذابت فيها الحدود الفاصلة بين ذاتي والمكان، فصرنا كيانا واحدا. وأنا في قمة النشوة والاستمتاع بما جادت به اللحظة، لا يجديني الخوض في كل الحيثيات المحيطة بالمكان وكيفية وصولي إليه، يكفيني منه الآن انصهارنا في بعضنا، أنا والمكان، فتخلق منا كائن جديد، فيه من سمات الإنسان القدرة على المعرفة والاحساس الرهيف بالمحيط، ومن سمات المكان القدرة على العطاء بلا حدود، وتوفير الملاذ الآمن. هذه الحالة الطارئة ربما هي التي صيغت، بعد اجتهاد طويل، تحت مسمى الجنة. ولترسيخ صورة الجنة، كان لزاما خلق نقيضها وهي الجحيم. ما أنا فيه الآن هي جنتي الخاصة، لا يشاركني فيها أحد، ولا يستطيع. إن حدث وشاركني فيها غيري، استحالت جحيما…
كل أبعاد جنتي موشومة في ذاكرتي منذ ظلمة البدايات.. أعرف كل ركن منها وزاوية. وأعرف حقولها وأشجارها شجرة شجرة. أعرف حيواناتها دابة دابة.. أعرف كل طرقاتها ومن يعبر منها، وإلى أين تفضي كل سبيل… في جنتي تخلصت من شكلي/ سجني، وبت حرا طليقا، بإمكاني أن أتحول إلى أي شكل يخطر على بالي.. وهكذا أصير فراشة، نحلة، عصفورا، فاكهة…
سعدت في جنتي دهرا، لكن، في لحظة متناهية في الضآلة، ساورني الشك في أني لم أعد وحدي، هناك من يراقبني عن كثب. رفعت درجة التأهب إلى أقصاها، واتخذت الاحتياطات اللازمة… لم أصدق ما رأيت، إنها موجودة إلى جانبي. وقد اعتقدت أني فقدت آثارها ونحن نعبر متاهات رحلتنا الطويلة معا.. كنت أقتفي خطواتها، أتعقب آثارها.. وفي لحظة غابت عني، اقتنعت بعد لأي أن من حتميات الرحلة الطويلة، أن يتساقط المسافرون في الطريق كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف، لكن الرحلة تبقى مستمرة، يصحبنا فيها رفاق طريق آخرون… لا محالة سقوطنا حتم لا مفر منه…
وقفت قبالتي، ابتسامتها تذكرني أنها هي من تنتصر في كل محطة، وأنا ما علي إلا الخضوع لها… مستحيل أن تكون هي من تقف قبالتي.. رأيتها تذوي بين يدي، كنبتة في صحراء قاحلة. ضممتها إلى صدري بقوة، صرختي نبهت بعض من كانوا معنا في رحلتنا.. انسل من بينهم رجل بلحية مخضبة تجثم على صدره، جلبابه ناصع البياض، لا تظهر عليه أمارات السفر، توجست منه خيفة. خاطبني بجفاء:
– ألا ترى أنها قد فارقت الحياة!!
– هي كل حياتي يا سيدي، ليس لي سواها..
اكفهر وجه الرجل، أومأ إلى ثلاث نسوة بأبدان رجال، فانتزعنها مني بغلظة. وما هي إلا لحظات حتى كانت هي وكل ما يدل عليها في جوف الثرى، كل ذلك حدث بأمر من صاحب الجلباب الأبيض الذي لا يخفي حرصه على أن تكون الجريمة كاملة. نكاية به، قلت بشماتة حاولت إخفاءها:- إنك تحاول عبثا يا سيدي، لن تستطيع محو آثارها من ذاكرتي ومن قلبي!!
أردف بلغة الواثق من نفسه:- ذاكرتك غورها سحيق، لن تستطيع له طلبا..
انفجرت محتجا:- يستحيل أن أنساها، أو أتناساها!!
تابع حديثه بالنبرة الواثقة ذاتها: قلبك سيصبح مرعى للغزلان…
عقبت محتجا عليه:- لن أحب أحدا غيرها !!
لم يرد على احتجاجي، اكتفى بإشارة من يده إلى غزالة تتطلع إلي، ما إن استقر بصري عليها، حتى شعرت برعشة هزت قلبي وسائر كياني.
نبهني الرجل بلهجة آمرة، وعلامة النصر بادية عليه في صورة ابتسامة ماكرة لا يداريها:- التحق بالركب، لقد ضاع منا وقت ثمين بسببك !!
كان الرجل محقا في كل ما قال. غارت ذكراها في متاهات النسيان، وقلبي شغله الجمال…
وجودها أمامي يضايقني.
قالت، وقد أحست بما ينتابني:- أنت أعمى بدوني، جئت لأقود خطاك !!
استجمعت قواي، لا مناص من مواجهتها، قلت وقد كست وجهي جهامة الرجال:- لم يعد لك أي دور في حياتي، أنت من الماضي.. أنا ابن اللحظة…
قاطعتني غاضبة: أنا من صنعتك، لا وجود لك خارج خيالي.. أنا ماضيك، وحاضرك ومستقبلك…
قلت محتدا على ادعائها: – لا أنكر أنك جدتي، لك فضل كبير علي.. كنت أمي وأبي وحبيبتي، لكن دورك انتهى..
رأيت في عينيها بريقا، كأنه نار محرقة، وهي تصرخ في وجهي:- كلا لم ينته دوري بعد.. أنت على بعد خطوة من المهمة التي هيأتك لها، في هذا المكان بالذات…
– ما هي هذه المهمة التي تنتظرني؟ !
– أنت ميمون الناجي، عليك إحياء ما بقي من تراث أجدادك… أبي، جدك (أنظام) شاعر كبير، اغتاله الأعداء لكن كلمته لم تمت، ظلت راسخة في ذاكرة الزمن تتناقلها الأجيال، دورك هو أن تعيد له الحياة.. (…)
