تتمة الحوار مع أدونيس…
أجرته الشاعرة الروائية سوزان إبراهيم 2010/ سورية
___________________________________________
موت المؤلف
قالوا عن نظرية موت المؤلف، لكن ثمة من يقول بانبعاث ظلاله كالقارئ والناقد والمترجم والمعلّق!
** موت المؤلف أطروحة، تقول إن الإنسان أو الكاتب ليس هو من يفكر، وإنما اللغة التي يتكلمها هي التي تفكر، وهو مجرد حامل وناقل، وما تنقله اللغة تنقله عن كتاب آخرين. وصلت الأمور مع بورخيس للقول: ليس هناك مؤلفون ولا كتاب! هناك كتاب واحد يعيد كل واحد من الكتاب كتابته على طريقته إلى ما لانهاية، وهو ما يسمونه التناص، فالعالم عالم تناص، وإذاً هناك نص واحد يتناصّ مع جميع النصوص التي تخرج منه، وبهذا المعنى قالوا بموت المؤلف، وقد اختبرته بنفسي، وسأروي لك القصة: دعيت مرة إلى جامعة السوربون لإلقاء دروس لمدة سنة، وكانت موضة (موت المؤلف) سائدة، فخطر لي أن أقدم عدة نصوص عن ” محمد بن عبد الوهاب”. لماذا؟! لأن محمد بن عبد الوهاب ظاهرة أدت إلى قيام دولة (الوهابية) وكان لها تأثير مباشر وفعال في جميع الدول العربية والإسلامية، وهي بذلك تمسنا جميعاً، ولابد من دراستها لنعرف ماهية هذه الظاهرة! لم يكن لدي أي كتاب عن الوهابية، فاتصلت بأحد الأصدقاء حيث أرسل لي جميع الكتب الوهابية من السعودية (60 – 70 كتاباً) من كتب بن عبد الوهاب بين رسالة وشرح وتعليق وغير ذلك. قرأت هذه الكتب، وتبين لي أن أطروحة موت المؤلف قائمة فعلياً لديه، فلم يكن لدى عبد الوهاب في ال 70 كتاباً جملة واحدة له هو! إذ يبدأ كتبه بمثل: قال رسول الله (ص) أن…. أو: جاء في كتابه العزيز أن: ……، ثم يسرد ما قيل ويعيد تأليفه، ويعيد كتابة الموضوع بجمع ما قيل وتصنيفه وتبويبه! إذاً ليس هناك مؤلف! فالتاريخ أو الدين هو المؤلف، أو أن اللغة هي المؤلف! فقلت لدينا مثال حي على موت المؤلف في كل الفكر الإسلامي، فهو في كليته إعادة كتابة لما كتب سابقاً. ينطبق هذا قليلاً أو كثيراً على الكتابات الإبداعية، لأن الكتابة لا تخلق من عدم، فكل كاتب مختَرق بكتّاب آخرين سبقوه، أو يعاصرونه، لكن لا أحد يبدع شيئاً من العدم أبداً! لا أحد يستطيع أن يبدع الحب، أو الموت، أو البطولة، أو الحزن، أو أي شيء آخر، فكل هذا موجود وكتبت فيه آلاف الكتب، لكن الكاتب الحقيقي هو من يخترق هذه النصوص كلها، ويعطي لكل موضوع أو قضية مساراً أو سياقاً آخر مستنداً إلى تجربته هو، وهذا سر المؤلف! ليس المهم أن يكتب الكاتب عن الحب، المهم كيف يكتب عنه! حين يكتب أحدنا عن الحب، عليه أن يصف تحولاته هو، لا أن يحدثنا عن الحب في الكتب، بل عن تحولات حياته هو في تجربة الحب، وعندها يضيف لمعلوماتنا شيئاً! في جميع الحالات إذاً ليس هناك مؤلف. المؤلف مات، لكن هناك موتاً وموتاً آخر، لا موت بالمطلق، كيف يموت المؤلف وكيف يعيش وكيف يخلق لموته سياقاً مختلفاً عن موت الآخرين.
فماذا عن الناقد؟
** أتمنى من الناقد أن يكون مبدعاً أو خلاقاً آخر، فيكتب نصاً كبيراً على نص كبير، لكن الواقع للأسف ليس كذلك. النقد الموجود هو نوع من الشرح للموضوعات التي كتب عنها الشاعر أو الروائي، لكنه لا يدخل في تفاصيل العملية الجمالية التي نقلت ما يتحدث عنه، لا يدخل في بناء الصورة، والعلاقات بين الكلمة والكلمة، باختصار لا يدخل إلى جمالية النص، وهي ما يجعل النص نصاً!
أدونيس والحب
يتكرر الحب في كلامك، فهل يختصر الحب الوجود؟
** ما معنى الوجود بلا حب! قولي لي ما معناه!
ثمة قول لابن عربي عن دائرة الحق التي تبدأ بالحب وتنتهي بالفراق. هل الحب بداية؟
** الحب بداية، لكن ولأنه هش وجميل لا يدوم، لكنه يتجدد. كل ما هو عظيم وجميل، سريع الزوال إنما يتجدد ويتجلى بأشكال أخرى.
هل صرحت ذات لقاء تلفزيوني أنك تحب فتاة في العشرين من عمرها؟
** لم أصرح بذلك، لكن أنا لا أمانع ذلك، فالحب لا عمر له، لعلي رويت رواية في ذلك الحديث عن صبية أو طالبة في العشرين جاءتني – وكنت في محاضرة أو أمسية، وكان عمري حينها خمسين عاماً، فقلت لها: بيننا مسافة كبيرة وصعبة، فأجابت: أنت شاعر وتتحدث عن العمر في الحب! أجبت: معك حق وسأطيعك (هكذا بهذا المعنى قلت) فانظري كيف تحور الكلام!
ما قولك بنموذج حب قيس وليلى الذي عبر التاريخ. ماذا لو تزوجا؟
** هذه أسطورة ومع ذلك تبقى جميلة، أن ينذر شخص عمره كله، وشعره كله لامرأة، أو لكائن يحبه. هذا جميل بحد ذاته بغض النظر عن النتائج.
ثمة ثنائيات حب في الغرب مثل سيمون دوبوفوار وسارتر، أو أراغون وإلزا, أثرت في الحياة الأدبية هل انتهت مثل هذه الثنائيات وكان لها عصرها فحسب؟
** لا أعرف. هذه الثنائيات نظرية أكثر منها عملية، تعرفين أن دو بوفوار كانت تحب بالطريقة التي تريدها، ولها عشاقها، كما كان لسارتر عشيقاته، فكان ما بينهما رفقة ثقافية، أو رفقة (صداقية) والأمر ذاته عن أراغون وإلزا، كل ما كتبه أراغون عن إلزا هو كتابة نظرية بحتة لا علاقة لها بالواقع.
كل ذلك الحب نظري!!
** كله نظري، كل ذلك كان ليكمل تجربته هو كإنسان، أما في الواقع فكان ثمة شيء آخر! (أراغون كان مثلياً) وفي آخر حياته وهب كل كتبه وثروته لرجل أحبه واسمه (جان ريستا)!
أي كذبة كبيرة تلك! أتعلم كم من الأجيال تأثروا بعيون إلزا، ومجنون إلزا؟!
** هذه ليست كذبة! هذا هو الفن القائم بذاته، ولا علاقة له بالواقع حتى يعطي صورة أخرى للعالم الذي نعيشه، صورة كانت في كل الأحوال ليست بشعة، إنه يوسع حدود المخيلة، والتجارب واللغة الجمالية أيضاً وهذا مهم جداً بحد ذاته.
هل كتبت قصائد في المرأة؟
**المرأة بالنسبة لي ليست موضع إنشاء! المرأة كالهواء، والضوء. هي حياة كاملة، لذلك تذوب (ليس بمعنى الذوبان) إنها حاضرة في كتابتي كلها باستمرار، لكنها ليست موضوعاً أنظر إليه وأصفه، وأكتبه.
بين اللغة العربية والفرنسية
تتقن الفرنسية إلى جانب اللغة العربية بالطبع، هل تفكر بطريقة فرنسية؟
** لا. إلا في النثر.
حتى وأنت هناك في باريس؟
** حتى هناك! وذلك لسبب أساسي هو أن اللغة العربية تملّكتني وهي تغار فعلاً! ولا أستطيع تعلم وإتقان لغة أخرى، فكل اللغات التي نقرأ بها وخاصة الفرنسية هي لغة الأب الثقافي، أما اللغة العربية فهي لغة الأم، وللإنسان أم واحدة فقط! حين تريد الوصول إلى نفسك، أو تحاول السفر نحو نفسك، وتخرج منها، فلابد أن تستخدم لغة رحم الأمومة، وهي بالنسبة لي اللغة العربية!
ألم تحلم بالفرنسية أيضاً؟
** لا أبداً. هناك شعراء حاولوا الكتابة بلغتين شعراً، لكن تجربتهم فشلت، كتبت النثر بالفرنسية فقط!
فلماذا صدر كتابك (غابة الحب) بالفرنسية؟
** هذا الكتاب كتبته بالعربية أولاً، ثم ترجم إلى الفرنسية. لا أكتب الشعر إلا بالعربية. وهذا الكتاب نشر بالفرنسية قبل نشره بالعربية فقط؟
ما قولك في ترجمة الشعر؟
** ثمة مثل شائع يقول الترجمة خيانة! والكتابة كلها ترجمة بمعنى ما، فالكاتب يترجم مشاعره والعالم والطبيعة. لكن نقل لغة بعلاقاتها وتراكيبها وصورها وإيقاعاتها إلى لغة ثانية غير ممكن ومستحيل! الترجمة تفكيك لبيت اللغة الأصلي، لأن بناء اللغة المنقول إليها مختلف كلياً، بناء الجملة، وعلاقة الكلمة بالكلمة، وعلاقة الكلمة بالعالم. لكل لغة قوانينها وعبقريتها، وإذاً يستحيل نقل لغة إلى لغة بهذا المعنى! بالنسبة للعربية أول ما تخسره في الترجمة هو الموسيقا، فمن المستحيل نقلها إلى لغة أخرى، ولا يمكن نقل علاقة الكلمة بالكلمة لأن مثل هذه العلاقة تشكل جزء من جمالية اللغة العربية، وعلاقة الكلمة العربية بالعالم مختلفة كلياً عن علاقة الفرنسية أو غيرها بالعالم والاشياء!
أنت ترى أن جامعاتنا مقصرة في علم فقه اللغة
** بلى. اللغة العربية في جامعاتنا تتراجع كما تتراجع في الحياة.
ما السبب؟ وهل تشعر بمسؤولية تجاه ذلك؟
** لا أعرف ما السبب. السبب هو حياتنا، واللغة لا ذنب لها، إنه ذنب العقل الذي يستخدمها. العقل العربي السائد عقل غير خلّاق، ولذا لابد أن تكون اللغة التي يستخدمها لغة غير خلاقة! هذا ليس ذنب اللغة، فاللغة العربية لغة هائلة جداً بل هو ذنب أبنائها؟
الثابت والمتحول
ثمة من يقول: الثوابت في هذه الأمة أقوى من المتغيرات في العالم، ما قولك؟
** ما هي الثوابت؟ هل هناك في تاريخ إنساني حي ثابت! الثابت وحده هو الإنسان وليست الأفكار، إن كانت الأفكار ثابتة فهي أفكار جامدة، فلا ثابت غير الحجر! أما الآراء والنظريات وحتى الإيمانات، فهذه كلها متغيرة باستمرار، وتغيرها هو سر حيويتها! هناك ثوابت في الرياضيات (2+ 2 = 4) هذا ثابت علمي، أما المعرفة فلا ثبات فيها، المعرفة اليوم غيرها في الماضي، وغداً ستكون غيرها اليوم.
فما هو الثابت وما هو المتحول عند أدونيس؟
** الثابت والمتحول عندي مجرد مصطلحين، لدراسة الثقافة العربية خارج الأطر الإيديولوجية التي كانت سائدة (الماركسية، الليبرالية، البنيوية…) حتى أدرس التراث العربي بأدواته ومن داخله، حتى أفهمه بشكل موضوعي أكبر، لأن الإيديولوجية هي كمن يضع على عينيه (غماشّة) ويمشي في خط مستقيم ويرى العالم كله من خلالها. أنا أحببت أن أكون كما شجرة ترى العالم من جميع الجهات ومفتوحة على جميع الأنحاء، ومع ذلك لم يكن الثابت إلا مصطلحاً وكذلك المتحول، وما أسميته الثابت، هو ما كان بعض المسلمين يسميه ثابتاً، أنا لم أخترعه إذاً! والمتحول هو ما كان يجري في الحياة العربية معارضاً للثابت أو متحاوراً معه، لكي يعدّله أو يغيره هنا وهناك، لكن تاريخياً حتى الثابت لم يكن ثابتاً في كل الأحيان، وحتى المتحول لم يكن متحولاً دائماً حسب التطورات التاريخية.
بعضهم يقول: إن التجربة الكتابية الإبداعية عند أدونيس اكتملت وأغلق الدائرة!؟
** لكل إنسان الحق بأن يقول ما يشاء، لكن ضمن هذه الدائرة، أدونيس ينوّع ويعيد ويكرر. الكتابة عندنا سجينة تقليدين: إذا كتبت شيئاً يجب ألا تغيّره، وإذا قلت شيئاً يجب ألا تتراجع عنه! في ذهننا الثقافة النبوية، وعلى كل إنسان أن يكون صورة عن النبوة، النبوة التي تقول شيئاً وهو ثابت ولا تراجع عنه، ويتناسون أن هناك ناسخاً ومنسوخاً، والكلام النبوي نسخ بعضه أيضاً، ولدينا علم كامل اسمه (الناسخ والمنسوخ) وإذاً فالتغيير ممكن، أما الشيء الثاني فهو التنويعات والفروقات، بمعنى إذا صنعت كرسياً، فإن الآخر لا يرى إلا الكرسي ككل، ولا يرى شكلها الجديد المختلف عن شكلها السابق، ويقول: ما زال يصنع كراسٍ! ثمة فنانون كبار في العالم رسموا وجهاً واحداً. (ديا كومتي) لديه تمثال واحد ينوعه إلى ما لانهاية. إن حس الفروقات لدينا غائب والشيء العميق في الكتابة يتجلى في هذه الفروقات، لو نظرنا إلى البحر الطويل الذي كتب به امرؤ القيس، والذي كتب به أبو نواس، والذي كتب به المتنبي سنرى أن الموسيقا – في البحر الطويل الواحد – والجو الذي خلقه كل شاعر منهم، مختلف كلياً عن بعضه. الناس لا يرون هذه الفروقات!العولمة والقومية
يبشر بعضهم بانتهاء عصر القومية، لكن الانتماء لأمة ما زال يحظى بشرعية كبيرة في عصرنا، كيف تنظر إلى التناقض بين العولمة التي توحد كل شيء، وبين النكوص إلى القوميات والهويات الوطنية؟
** القومية مفهوم جديد وحديث في التاريخ العربي، والقومية نظرية إيديولوجية، وإذا كان هناك تحول عنها، فهذا لا يعني عدم الانتماء إلى الشعب، وإلى لغة معينة. لنأخذ القومية العربية، القومية السورية، القومية الفرعونية…. هذه نظريات إيديولوجية لا يعتد بها إلا بقدر تطابقها مع الواقع المتحرك، وذلك بوصفها نظريات يجب أن تتطور أيضاً. القومية العربية في مرحلة من مراحل الراهن وكما طرحت، كانت قومية عنصرية لأنها إيديولوجياً كانت كذلك، فالعرب شيء، والقومية العربية شيء آخر، هما منفصلان عن بعضهما، وهكذا إذا تغيرت النظريات القومية، فالشعب باقٍ وحياته وتراثه وتاريخه باقِ، وهذا هو المهم وليس النظريات.
وماذا عن العولمة والهويات الوطنية!
** من بدأ العولمة أساساً هم العرب، الأندلس كانت عولمة، وبغداد كانت عاصمة عولمة. العولمة هي جعل العالم كله ميداناً واحداً، وهكذا يجب ألا نخاف منها، ولا يخافها إلا الشعب الذي ليس لديه ما يقوله! هل يخاف المتنبي أو المعري أو أبو نواس من العولمة؟! العظام لا يخافونها بل يسعون إليها، أما من لا يملك نتاجاً، والمتقوقع على ذاته، والثابت الذي يكره التغيير هو من يخاف العولمة لأنه يتزعزع، وتجرفه التيارات، لا يخشى العولمة إلا الشعوب الضعيفة، وأصحاب النظريات القومية العنصرية ليبقوا على سلطتهم!
لكن فرنسا ابتدعت الاستثناء الثقافي رداً على العولمة!
** لا، هناك صراع أمريكي فرنسي وصراع فرنسي أوربي، ليس ضد العولمة، بل هناك تيار كبير ضد التأثير الأمريكي في فرنسا، ففرنسا تتأمرك، وثمة من يقول (لا) لذلك، وأنا معهم، وهذا لا علاقة له بالقومية والعنصرية، له علاقة بفرنسا الثقافية. نحن لا نرد على العولمة بسورية الثقافة، أو بمصر الثقافة، بل نرد بسورية القومية العربية! ثمة تناقضات كبيرة في ذلك، كيف نقول بقومية عربية ونصف الشعب من إثنيات غير عربية! في هذا المجال وفي سورية كان أفضل شيء هو القومية السورية. لقد ابتكر أنطون سعادة مفهوم السلالة التاريخية، وقال إن من نسميهم العرب والسريان والآشورين والأكراد و…. ويعيشون على هذه الأرض الواحدة، هم شعب واحد ولذلك نسميهم سوريين، وهكذا حلّ مشكلة الإثنيات والصراع بينها، أما الأطروحات القومية العربية فلا تزال تلغي كل هذه العناصر فيها.
لكن أنطون سعادة قال بالسوريين لا بالعرب!
** لا، قال إن السورية أمة عربية ولكن لا يقرؤونها! لكن بالمعنى القومي لا أفهم ذلك أبداً! العرب قوميات، وليسوا قومية واحدة، ففي المغرب مثلاً نصف المغربيين من الأمازيغ، وفي مصر ملايين من الأقباط وغيرهم في سورية، في العراق. النزعات القومية القائمة على العنصرية، هي أحد العناصر التي دمرت حياتنا الاجتماعية. قلت مرة للأستاذ أنطون مقدسي وكان أستاذي، كيف يمكنكم أن تقولوا الشعب العربي في سورية؟! سورية بالنسبة لكم ما هي إلا إناء، وهذا يعني بشكل أكبر أنكم تلغون الشعوب الأخرى؟! ثم هناك بعض العرب ممن يعيدون النظر في موروثاتهم، ويكتسبون آفاقاً أخرى للتفكير! لو قلتم نعني بالعروبة اللغة والثقافة لكان ذلك ممكناً، لكنكم قلتم ذلك بالمعنى القومي العنصري! فقال لي: أرأيت كم كنا مجانين ولا نفهم!
أنا مع القومية العربية بمعنى اللغة والثقافة العربية، وآنذاك لا نسميها قومية، أما فيما يتعلق بإقامة وحدة مركزية، ودولة مركزية واحدة، فأنا ضد هذه الوحدة، وبهذا المعنى أنا ضد القومية التي تقوم على مفهوم كهذا، هذا شيء والعروبة واللغة والثقافة شيء آخر.
أدب المرأة
هل تقرأ لأديبات أجنبيات؟
** أحب بين الروائيات الأجنبيات فيرجينيا وولف، لأن كتابتها قائمة أولاً على تجربة شخصية عظيمة وعالمها شعري.
هل ثمة تمييز بين ما يكتبه الرجل وما تكتبه المرأة؟
** لا. المرأة كالرجل، الكتابة واحدة، وكما يتواجد الفرق بين كاتب وكاتب، هكذا يكون الفرق بين الكاتب والكاتبة، لا وجود لكتابة نسوية!
هل ثمة فرق بين ما تكتبه المرأة العربية والمرأة الأجنبية؟
** المقارنة تكون بين كاتب وآخر، وليس بين أدب عربي وأدب فرنسي!
أقصد نحن نتاج مجتمع له قيم محددة، والمرأة عندنا هي نتاج كل هذا الوضع، أما المرأة الغربية فهي نتاج مجتمع آخر وقيم أخرى؟!
** إذا كان لدى المرأة أدب من الممكن أن يكون نتاج وضع اجتماعي، فهذا الأدب غير جيد، ولا يقارن بغيره، وهو بحد ذاته لا يساوي شيئاً! هذا لا يكون أدباً بل ظاهرة اجتماعية! الأدب هو الذي يخترق المجتمع، ويبني عالماً آخر! سمّ لي كاتبة من هذا النوع اخترقت المجتمع وبنت عالماً آخر!
ماذا عن نوال السعداوي، غادة السمان، سعاد الصباح، ليلى العثمان….
**هنا أنا لا أريد الانتقاد، فالنقد لا قيمة ولا معنى له، ثمة أديبتان عربيتان ذكرتهما في مقالة لي هما رجاء عالم وسلوى بكر (وهي من أهم الروائيات ولا أحد يذكرها!) هاتان تنجزان بحثاً في عالم الرواية، وليس مجرد سرد حكائي لقصة، وبهذا المعنى هما تخترقان المجتمع وعاداته وتقاليده، وتحاولان إنجاز شيء مختلف. القصة السردية أو السرد القصصي الحكائي، أنا شخصياً لا يستهويني. إنها مسألة ذوق! لا يمكنني أن أقرأ قصة بالمعنى القصصي لأنها تدخلني فوراً في زمن رخو لا أطيقه، فأنا أبحث عن زمن متوتر انفجاري. لا أستطيع المشي على خيط!قبل النهاية
وأنت الباحث دوماً عن الأسئلة، قل لي أيهما قبل: العقل أم السؤال؟
** العقل طبعاً، دون العقل لا وجود لسؤال، والأسئلة وعظمتها تابعة لعظمة العقل!
ألا يمكن أن يكون السؤال قبل العقل؟ أقصد في المطلق؟
** هناك قبول به أولاً. السؤال يأتي نتيجة تأمل في العالم، هذا هو السؤال، والتأمل يلزمه وحي. أي عقل! وإذاً الأسئلة يطرحها العقل!
هناك من يبشر بموت القصيدة وبولادة كتابة هي أقرب إلى الكتابة الأدبية الصحفية؟!
** هناك دوماً أشكال جديدة وباستمرار، كل التاريخ العربي محاولات لتغييرات متواصلة، أول من كتب عن أشياء الحياة اليومية ومفرداتها هم العرب، وهم أول من استخدم اللغة الدارجة وكتب بها. هناك ما هو مكتوب باللغة الدارجة بديع جداً، لكن العرب لا يتحدثون عنه، ثمة شعراء من حماه وحلب ودمشق كتبوا باللغة الدارجة (الموالية والموشح والزجل) وهذه كلها رأيتها في مخطوطات منذ زمن، لكن لا أحد ينتبه إليها باعتبارها ضد اللغة العربية، واللغة العربية تموت يومياً في الجامعات والمدارس.
لن تموت القصيدة إذاً!
** لا أظن. لا أظن.
لماذا تكتب؟!
**لأزداد فهماً لنفسي وللعالم. لا أكتب للعالم. لا أكتب للآخر. إذا تقاطع معي الآخر فهذا جيد، وإن لم يفعل لا أحزن. لا أنتظر من الكتابة شيئاً خارجياً. أكتب – أكرر-لكي أزداد فهماً لنفسي ولوجودي في العالم، وللعالم!
أخيراً
سألت أدونيس عن ذكرياته مع بردى، فقال: وقفت على جسر قبل أن يغطوا بردى -نسيت اسمه -قلت له: لعله جسر فكتوريا قرب المرجة! قال: نعم. وقفت على ذلك الجسر، ومزقت رسالة حب، ورميتها في ماء بردى!
والآن أدونيس، ممن كانت رسالة الحب تلك؟ أي رسالة حب تعني؟ لماذا مزقتها؟ لماذا رميتها في بردى؟ حشد من ال (لماذا؟) بقي مستنفراً في عقلي وروحي ونفسي، رغم أربع ساعات متواصلة من الحديث معك! قل لي أدونيس: أي رسالة تريد توجيهها الآن من سرد تلك الذكرى مع بردى، ولمن توجهها! آمل أن يكون لحديثنا دوماً بقية!
أجريتُ الحوار مع أدونيس في بيته في بيروت ربيع عام 2010

