كنت مستلقية على السرير داخل ما يشبه كوة أعددتها تحت 5 بطانيات لديها منفذ تهوية صغير، فغدت كرحم اصطناعي لذت به من البرد ووددت أن أحتمي به من هذا العالم..
عالم مخيف قد تدك فيه مدن بأكملها دكا في أقل من دقيقة ليجد الإنسان نفسه مردوما تحت أطنان من الإسمنت والفولاذ المسلح بعيدا عن مسامع المنقذين، أو ينجو فلا يعثر على حبيب أو قريب بعدما هلك الكل..
عالم غير منطقي، قد ينقذ فيه رضع بعد عدة أيام من تحت الأنقاض، أو يولد فيه الحي من الميت.. بينما يتوفى الرجال الشداد في لمح البصر ويتم سحقهم سحقا فتنقطع سيرتهم وكأنهم لم يعيشوا أبدا..
عالم قاس، يبدو أشد قسوة من الأقمار الصناعية وهي ترصد معالم الدمار الشامل للزلزال فكأن قدما عملاقة سحقت كل مظاهر الحياة في المناطق المنكوبة..

ولكن لله في خلقه شؤونا وهو الذي يبلونا بشيء من الخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس والثمرات لكي نعلم أن الأمر لله جميعا فنسأله اللطف في المقادير ولا نلوذ إلا به، ولا نستمسك إلا بعروته الوثقى.. فطوبى للصابرين !
على أي، بينما كنت غارقة في أفكاري كالعادة، شممت رائحة حريق خفيفة كدت لا ألتفت لها.. ولكن تحرك الإنسان البدائي الذي في داخلي والذي تجعله غريزة البقاء يطلع على محيطه استباقا لأي خطر كامن.. فهالني أن رأيت من النافذة محلا قريبا يحترق بينما تخرج منه شرارات اللهب..
“حانوت” كنت أبتاع من صاحبه أحيانا فيما مضى رغم أن السلع لديه شحيحة كطريقة للمساعدة ومؤازة جار بعيد، والذي بدا لي يمشي متوترا بالقرب من محله المشتعل.. فطلبت من الله السلامة واللطف للجميع..
ثم انتبهت بغتة لكون سيارتي مركونة بجوار المحل مباشرة، وأنا التي كنت أظن أنني قمت بذلك في مكان آخر.. يا إلهي !
ارتديت معطفا فوق بيجامتي وهرولت نحو الزقاق، بينما تكاثف الدخان وتصاعد حتى تعسرت الرؤية وأصبح التنفس مستعصيا في كافة الدرب..
كانت سيارتي على بعد مترين أو ثلاثة من ألسنة النار البرتقالية المتطاولة فترددت، خاصة وأن هناك مخزونا كبيرا لقنينات الغاز في الداخل، رغم أن بعض المتطوعين أبعدوا تلك الموجودة في الخارج..
استجمعت شجاعتي وفتحت السيارة.. دمعت عيناي وامتلأ أنفي ورئتاي بالدخان، في حين كان هناك شرطي يشير لي بالإسراع في الابتعاد، بينما احتفظ المارة المتجمهرون بمسافة أمان (غير كافية) مخافة وقوع انفجار..
رفضت العربة أن تنطلق لأنها لم “تسخن”.. ولكنني ضغطت على دواساتها غير آبهة، وكنت لأصدم سيارة المطافئ التي كانت قادمة للتو لولا أضوائها وصوتها المجلجل، وذلك جراء الدخان الكثيف الذي حجب الرؤية تماما.. ثم ابتعدت بسيارتي عن الحي بعجالة كما لو كنت تاجر مخدرات يهرب من قبضة العدالة..
العبرة هي أننا ربما نكون قريبين في أي وقت من اللحد دون أن ندري.. حيث قد نتواجد في السرير الآن لنقضي في انفجار بعد دقائق لا قدر الله.. وعليه يجب أن نكون جاهزين لملاقاة ربنا في كل وقت وحين فعلا… فلا وجود لشيء اسمه “الأمان” في الحياة الدنيا فهو مفهوم نسبي جدا..
أستغل الفرصة لشكر رجال الإطفاء الشجعان الذين أخرجوا السكان العالقين عبر نوافذ الطابق الأول بالاستعانة بالسلالم بما فيهم شيخ تم مده بالأكسجين، كما تمكنوا من إطفاء الحريق..
لطف الله بالجميع ورزقنا حسن الخاتمة..
الصورة بعد انتهاء عملية الإنقاذ وإطفاء الحريق وانقشاع الرؤية..
