الرجال لا يبكون

شِهَاب وَسط الصحراء

“وأعرفُ أن هذا الحُزن
يقتُلُ كُلّنا حيناً…
ويَصرعُ جَذوةَ الأشواق
يَقتُلُها وَيُحْيينَا!”

لطالما كنت مبتسماً في وجه كل شيء، لفرشاة أسناني في الصباح، للحيارى في الليل، لمن تركني عند حافة الذكرى أسيراً، هأنذا ألملم ما تبقى مني وأقفز من على الحافة.
لقد كنت اختبىء خلف نوافذ التَرَقُّب، كطائرٌ يتمسك بهمهمة الرياح على غصون الصمت، لم اِعتد أن أبكي، أو أن يُسمع صوتي من الأساس!.
ولكن الأمر يختلف عندما أكون لوحدي، أربعة جدارن، سريرٌ يتسع لي ولخيباتي كلها، درجٌ يحوي الكثير من الابتسامات، أكره أن أقول عليها مزيفة، ألجأ إليها عندما تتحرك المدامع وتُود الخَلاص نهاراً، قفي قليلاً وأخرجي ليلاً أسفل وسادتي، مكاني المفضل بغرفتي، عندما تُراودني كوابيس الذكريات وطَيف المحبوبة، وحدها من يقف بجانبي، كادت وسادتي أن تقتلني ذات مرةٍ، ولكن لا ضغينة، ما يُهم هو أن لا يخرج صوتي من غرفتي، لا أتذكر يوماً صحوت فيه ولم تكن وسادتي مُبتلة.
وبعد حين تعلم بأنه يمكنك أن تقول”لا”، أن تزمجر ويعلو صوتك، تقفز وترقص على قبور الذكرى، وعندما تعلم ذلك لن يكون هنالك أحد بجوارك، لوحدك فقط!.
عند نقطة الوصول ولدت من جديد، شخصٌ آخر لربما وعالمٌ جديد، أو أنه اِنسلخ مني شخصي القديم، وتساقطت أوراق الخريف من على أغصاني وقَدِمَ الصيف، ومع ذلك تظلّ هنالك ثغرات يتعرج فيها ظِلي أو شكلي أمام المرآة، أعود لشخصي القديم، أبتسم للشمس وأصرخ في وجة القمر؛ لأنه يُشبهها حقاً، ثم أهرب كعادتي، أحب ما أصبحت عليه، يمكنني البكاء في وجه أبي الآن، لطالما كان يقول لي أن الرجال لا يبكون، فأجيبهُ بابتسامة، عندما ماتت أمي لم أرى سوى صورة كلما اقتربت من مقلتيّ غرقت، وطُمست ملامحها، تجرعت طعم الغياب المُر، لقد كان أبي صامداً حينها، حتى يدخل غرفته فيبكي كغيمة أثقلتها أشعة الشمس بماء الأرض حتى فاضت، أخبرتني الجدران بذلك ولم أصدق، حتى أتاني يوماً يبكي وضمنيّ، كنت أود أن أقول له: أ

ما قلت أن الرجال لا يبكون؟.


Design a site like this with WordPress.com
Get started