في انتظار البدر
أطالعُ بعينيّ الذابلتينِ رعشةَ الضوء الصادر من مصباحي، تقودني روح جونثان العجوز الفظ التى تزاحمُ أناي اللا متناهية، أتسكعُ على ذاتُ الرصيفِ الذي لا تمسّهُ قدمي أنا ماري، كفي اليمنى التي تعانقُ قطع الحلوى، ترتجفُ هذا المساء مستثقلةً هذا المصباح البغيض، وبيسراي أستندُ على عكازي الخشبي، أخشى أن تصحو ماري وأنا هنا.
أحني ظهري المتخشب وأسنده على ذاك المقعد المغبر، وأنتظر أن يطلّ البدرُ كما اعتدتُ منتصفَ كلِّ ليلة…
فتحت عينيّ فجأة، لأجدني على هذا المقعد الخشبي من جديد، ضفيرتاي معقودتانِ إلى الخلف، وخُصلتي البيضاءُ تتدلى قرب عيني، تتكىء بقربي عصاةٌ خشبية…جونثان!
أخرج من داخلي، لا أريدُ رؤيةَ ذاك البدرِ اللعين، أُخرج!
اهدئي يا ماري، ها هو يطل، انظري إلى وجهه المستدير وجماله، وتلك الهالة المحيطة به، كأنه يحاول أن يضيء حتى تريه، ألا تشتاقينَ له؟ =لستُ ابنة البدر أيها العجوز الخَرِف، دعني وشأني. أتذكرينَ حينَ كنتِ تسألينني متى سيعود؟
=كُفّ عن هذا، أنا أكرهك، أكرهُ هذا المكان وذلك البدر اللعين!
ألم تخبرني أنه ذهب في رحلةٍ إلى السماء وسيعود، إذاً لمَ لمْ يعد، لماذا يحدقُ بي من الأفق فقط؟
فليبقَ هناك أو ليذهب إلى الجحيم لا يهم.
كلّ هذا قاله لكِ الجد جونثان، لم أقله أنا. =أنت الجد جونثان. ماري، أنا أنتِ.
=اللعنة عليكم جميعا.
_لا تلعني نفسك يا صغيرتي، لم لا ننتظر هُنا على هذا الرصيف حتى يأتي البقية؟
في صدرِ ماري كانت مقبرة، الميتُ الوحيد فيها جدها جونثان، ذاك العجوز الذي رباها بعد وفاةِ والدها، ثم ماتَ فجأة هو الآخر، ومنذ ذاك اليوم أصبحت الحفيدة والجد، ثم بدأ الغرباءُ باقتحامِ ذاتها لتصير جميعهم.
ولكنها أيضاً ماتت قبلَ أن تولد؛ فهي مجردُ اسمٍ ابتلعته ألسنةُ اللهب، في مذكراتِ كاتبٍ محروقة.
مبدعون
