الحقيقةتقديم عام إن مفهوم الحقيقة هو من أكثر المفاهيم الفلسفية التباسا وغموضا نظرا لتعدد مدلولاته عبر تاريخ الفلسفة؛ من مذهب لأخر، ومن سياق لآخر، ومن مجال لأخر، وحتى بين فيلسوف وفيلسوف ضمن نفس النسق أو المذهب. ففي الدلالات الشائعة غالبا ما يأتي مفهوم الحقيقة مرادفا للواقع أو الصدق أو الصحة أو اليقين أو ما هو نافع، وبالتالي يأتي نقيضا للخيال والوهم أو الكذب أو الخطأ أو الاعتقاد والظن. فنقول مثلا: فنقول مثلا ذهب حقيقي بمعنى أنه أصلي وخالص، في مقابل ذهب مزيف.هذا الالتباس هو ما يدفعنا إلى تقديم الدلالة المعجمية التي هي الأخرى لا تقل غموضا والتباسا؛ فبالعودة إلى معجم لالاند الفلسفي سنجد بأنه حدد المعنى الفلسفي لمفهوم الحقيقة في خمس معاني وهي : 1) الحقيقة هي خاصية ما هو حق.2) الحقيقة هي القضية الصادقة.3) الحقيقة هي ما تمت البرهنة عليه.4) الحقيقة هي شهادة الشاهد عما رآه أو سمعه.5) الحقيقة هي كل ما هو واقعي.لكن، يمكن أن نختزل هذه الدلالات جميعها في معنيين هما الأكثر تداولا في الأنساق الفلسفية، هما :1) المعنى الأول : الحقيقة هي مطابقة الفكر لموضوعه في الواقع الحسي.2) المعنى الثاني : الحقيقة هي مطابقة الفكر لنفسه ولمبادئه.هكذا يمكن أن نحدد التناول الفلسفي لمفهوم الحقيقة في مستويين، أحدهما ابستيمولوجي (معرفي)، وثانيهما أكسيولوجي (قيمي)1) المستوى الإبستيمولوجي يسمح لنا بالنظر إلى الحقيقة من حيث هي رهان وغاية كل ممارسة علمية وكل معرفة بشرية بشكل عام.2) المستوى الأكسيولوجي يسمح لنا بالنظر إلى الحقيقة من حيث هي ممارسة إنسانية تأخذ طابعا أخلاقيا واجتماعيا. المحور الأول : الحقيقة والرأي تأطير إشكالي :الرأي هو حالة ذهنية تتمثل في صدقية قول معين مع القبول بإمكان الخطأ أثناء الحكم. إنه اعتقاد أو تصديق بوقائع أو أفكار لم تخضع للفحص النقدي. ويرجع في معناه الأصلي إلى لفظة إغريقية Doxa التي كانت تعني لدى الفلاسفة اليونان “المعرفة العامية” في مقابل المعرفة العقلية. وقد شكلت هذه الدلالة محور وجوهر العلاقة الإشكالية بين الحقيقة والرأي. يمكن التعبير عنها من خلال مجموعة من التساؤلات :ما طبيعة العلاقة بين الحقيقة والرأي ؟ هل هي علاقة اتصال واستمرارية أم علاقة انفصال وقطيعة ؟ وهل يمكن أن يرقى الرأي إلى مستوى الحقيقة ؟ 1) العلاقة بين الحقيقة والرأي هي علاقة انفصال وقطيعة، ولا يمكن أن يرقى الرأي إلى مستوى الحقيقة. أفلاطون Platonبالعودة إلى تاريخ الفلسفة نجد أن الموقف الأكثر حضورا هو الموقف الذي يعتبر بأن العلاقة بين الحقيقة والرأي محكومة بمنطق الانفصال والقطيعة، ولا يمكن أبدا أن تتأسس الحقيقة على مجرد الرأي، لأن لكل منهما مجاله الخاص والمختلف، والذي يصل حد التناقض مع المجال الأخر. بمعنى أن الحقيقة تتعارض مع الرأي وتنفصل عنه. وهذا ما يؤكده الفيلسوف اليوناني أفلاطون Platonالذي ميّز بين العالم المحسوس الذي يسود فيه الرأي، عالم الدوكسا Doxa، والرأي عند أفلاطون يمثل مجموع الآراء والمعتقدات والانطباعات الحسية والأوهام الفطرية، التي تطبعها النسبية والقابلية للتغير. بين تسود الحقيقة في العالم المعقول الذي يتشكّل من مجموع البناءات العقلية التي تطبعها الانطلاقية والثبات. ولا يمكن الوصول إلى الحقيقة إلا بشرط التخلص من الآراء والانطباعات الحسية الأولية. لقد استدل أفلاطون على تصوره هذا لعلاقة الانفصال بين الحقيقة والرأي بالاستناد إلى أسطورة الكهف؛ فما يدركه أولئك الأشخاص من داخل الكهف من ظلال وانعكاسات مشوهة، إنما يمثّل الانطباعات الحسية والأوهام الفطرية (الرأي)، والانتقال إلى خارج الكهف وإدراك حقائق الأشياء كما هي، لا كما تبدو عليه، إنما يقتضي التخلص من القيود، أي التخلص من الرأي والقطع معه. بهذا المعنى نفهم أن العلاقة بين الحقيقة الرأي هي علاقة تجاوز محكومة بالانفصال والقطيعة . 2) العلاقة بين الحقيقة والرأي هي علاقة اتصال واستمرارية، بحيث إن الرأي القائم على الاحتمال يمكن أن يرقى إلى مستوى الحقيقة. ليبنيز Leibnizعلى الرغم من كون الأطروحات المعادية للرأي هي الأكثر حضورا في تاريخ الفلسفة، فإن هذا لم يمنع بعض الفلاسفة من تبني نظرة ايجابية اتجاه الرأي، واعتبروه مكملا للحقيقة، بل وأساسا يمكن أن تقوم عليه الحقيقة. ولعل من بين هؤلاء القلائل نذكر ليبنيز Leibniz الذي اعتبر أن الرأي القائم على الاحتمال يستحق اسم معرفة (حقيقة). ومعنى ذلك أن الرأي حينما يتضمن قدرا معينا من احتمالية صدقه، فيجب الأخذ به لأنه سرعان ما سيتحول إلى حقيقة. فكل الأفكار العلمية والمعرفية إنما كانت في بدايتها مجرد أراء يُنكرها الكثيرون، لكنها صارت حقائق. وهنا يستدل ليبنيز بتاريخ العلم ويستحضر مثال كوبرنيك الذي كان رأيه حول فكرة “لا مركزية الأرض وثباتها” رأيا وحيدا ومعزولا بين ما اعتبره الآخرون في عصره ((حقائق)).على الرغم من تبني ليبنيز لها الموقف القائل بإمكانية الاتصال والاستمرارية بين الحقيقة والرأي إلا أنه كان حذرا في تقديمه لخصائص وموصفات الرأي الذي يجب الأخذ به، إنه رأي من هم مؤهلون لإبداء الرأي في القضايا العلمية والفكرية وهو الفلاسفة والعلماء، وليس رأي عامة الناس. وإن الرأي يجب أن يكون فيه قدر محدد من إمكانية صدقه.خلاصة تركيبيةإن ما يمكن أن نخلص إليه في النهاية هو أن الفلسفة في مجملها كونت رؤية نقدية “مُعادية” للرأي وأدخلتها في خانة الأحكام المسبقة التي يجب أن التخلص منها، لأنها ان ظلت ستشكل عائقا أمام الحقيقة، وأمام كل ممارسة معرفية. والتقابل بين الحقيقة والرأي منذ الوهلة الأولى يفضي بنا إلى التعارض. لان السمة المميزة للحقيقة هي كونها علما أو معرفة مبنية، بينما الرأي يبقى انطباعا أوليا في الكثير من سياقات توظيفه نجده يفتقد إلى البرهان، وهذا ما يجعله أدنى مرتبطة وأقل شأنا وقيمة من الحقيقة.المحور الثاني : معايير الحقيقة تأطير إشكالي إذا كان مفهوم الحقيقة داخل المجال الفلسفي يُحيل على معنيين هما الأكثر شيوعا وتداولا؛ معنى أول يربط الحقيقة بالفكر، ومعنى ثان يربط الحقيقة بالواقع. فإن هذين المعنيين هما اللذان سيشكلان أرضية للنقاش حول واحدة من أهم قضايا مفهوم الحقيقة خاصة، والمعرفة بشكل عام، وهي قضية معايير الحقيقة. فما هي معايير الحقيقة ؟ هل هي تطابق الفكر مع مبادئه أم في تطابق الفكر مع الواقع ؟ وهل يمكن اعتبار التطابق مع الفكر معيار وحيدا للحقيقة ؟1) معيار الحقيقة هو مطابقة الفكر لنفسه ومبادئه. رينيه ديكارت Descartes R.يؤكد معظم الفلاسفة الذين ينتصرون للنزعة العقلانية أن العقل هو أساس بناء كل معرفة، وبالتالي فهو معيار الحكم عليها. وإذا كانت الحقيقة تشكل نمطا خاصا ومتميزا من المعرفة، فإن معيارها هو مدى تطابقها مع مبادئ الفكر. وفي هذا السياق يأتي قول ديكارت : “العمليات العقلية التي تمكّننا من الوصول إلى الحقيقة من دون خشية الوقوع في الخطأ، هما: الحدس والاستنباط”. إن معايير الحقيقة هي مبادئ عقلية تتجلى في كل من الحدس والاستنباط. فماذا يقصد بكل من الحدس والاستنباط ؟الحدس عند ديكارت هو العملية الفكرية التي يتم بها انتقال الذهن، انتقالا سريعا ومباشرا إلى معلوم يقيني وثابت. أي أنه تأمل عقلي مباشر لموضوع معرفة ما. وإدراكه إدراكا يقينيا من دون الحاجة إلى أية وسائط (الغير/الحواس). ويقود الحدس إلى معرفة يقينية لا تقبل الشك مطلقا مثل حقيقة ويقين “أنا أفكر”؛ فعندما بدأ ديكارت تأملاته العقلية بشك ممنهج أسقط فيه كل الآراء المسبقة، وشك في كل شيء، “حدس” بأن هناك حقيقة يقينية لا يمكن الشك فيها، وهي فكرة الشك نفسه، فحتى لو حاول أن يشك في أنه يشك، سيجد نفسه يشك. يقول ديكارت: “أنا أشك، هذا أمر ثابت”. إن الحدس عند ديكارت تقابله البداهة والوضوح.الاستنباط عند ديكارت هو العملية الفكرية التي يتم من خلالها استنتاج واستخراج معرفة من معرفة أخرى، تتسم باليقين والثبات. إن الاستنباط هو عملية عقلية تقوم على متوالية من القضايا تدعى إحداها مقدمات والأخرى، نتائج تربط بينهما روابط اللزوم والضرورة. فعبر الاستنباط الذي هو حركة فكرية يتم التوصل إلى مجموعة من القضايا والأحكام من خلال الربط المنطقي (الرياضي). وقد استلهم ديكارت هذا المبدأ من الرياضيات. واستخدمه للصول إلى مجمل الحقائق واليقينيات المرتبطة بالعالم والوجود،وكل ما هو موجود خارج الذات، ومنطلق هذه الحقائق هو يقين أنا أفكر. حقيقة أنا أفكر، نستنبط منها حقيقة أنا موجود.2) معيار الحقيقة هو مطابقة الفكر للواقع ومقتضياته. جون لوك J.Locke يؤكد معظم الفلاسفة الذين ينتصرون للنزعة التجريبية الواقعية أن التجربة والواقع الحسي هو أساس بناء كل معرفة، وبالتالي فهو معيار الحكم عليها. وإذا كانت تشكل الحقيقة نمطا خاصا ومتميزا من المعرفة، فإن معيارها هو مدى تطابقها مع مقتضيات الواقع الذي أنتجها. وفي هذا السياق يأتي موقف الفيلسوف الانجليزي جون لوك .إن الفكرة الحقيقية هي الفكرة التي تكون مطابِقة للواقع التجريبي مطابقة تامة؛ فمثلا عندما نصدر حكما على موضوعا ما كأن نقول “هذا كرسي”، فإننا نعود إلى الواقع لإثبات هذا الحكم أو نفيه. لان الإنسان بالنسبة لجون لوك يولد وهو عبارة عن “صفحة بيضاء”، بمعنى أنه يكون خال تماما من أية أفكار فطرية أو معارف أولية ـ وهنا يبرز وجه الاختلاف والتناقض مع موقف ديكارت الذي اعتبر أن منطلق أي معرفة ومعيار الحكم عليها هو الفكر الذي هو بمثابة “نور فطري” بمعنى أن مبادئه فطرية وليس مكتسبة ـ .إن كل ما لدينا من أفكار ومعارف، والتي نتخذها في المجمل معايير للحكم على صدقية وصحة أفكار ما، كلها اكتسبناها من الواقع التجريبي، عبر التجارب والملاحظات الحسية بحيث يصبح هذا الواقع هو المعيار لتمييز الحقيقة عن غيرها. خلاصة تركيبيةإن النقاش الفلسفي حول معايير الحقيقة، لا يقل سجالا واحتداما ـ شانه في ذلك شأن كل القضايا المتعلقة بهذا المفهوم الإشكالي (الحقيقة) ـ، ومردّ ذلك إلى تعدد معايير الحقيقة، وتنوعها لدى الفلاسفة، خاصة فلاسفة العصر الحديث الذي رُسمت أبرز ملامحه من خلال مذهبين رئيسيين هما المذهب العقلاني الذي يقول بأولية العقل في تشكل المعرفة والحكم عليها، والمذهب التجريبي الذي يقول بأولية الواقع في تشكل المعرفة والحكم عليها، وبينهما ظهرت مجموعة من المحاولات التركيبية تبقى محاولة كانط E. Kant أبرزها حينما اعتبر بأن معيار الحقيقة لا يمكن اختزاله في مجرد العقل ومبادئه، كما لا يمكن اختزاله في مجرد الواقع الحسي ومقتضياته، بل هو معيار نقدي تركيبي، وفي هذا الصدد يقول كانط : إن مبادئنا العقلية من دون ادراكات حسية تظل جوفاء، وإن إدراكاتنا الحسية من دون مبادئ عقلية تظل عمياء.المحور الثالث : الحقيقة بوصفها قيمة تأطير إشكالي إذا كانت القيمة تطلق على ما هو جدير باهتمام المرء وعنايته. وقيمة الشيء تجعله مطلوبا ومرغوبا فيه، ومستحقا للتقدير، فلا أحد سيشكك في أن للحقيقة قيمة تجعلها محط طلب وتقدير. لكن التنازع الفلسفي والفكري حول الأبعاد التي تؤطر هذه القيمة، وتنازعها بين البعد الأخلاقي والبعد الوظيفي، سيجعلها محط نقاش فلسفي يأخذ طابعا أكسيولوجيا (قيميا). وهو ما يطرحه هذا المحور الذي يمكن أن نصوغ أبرز إشكالاته من خلال التساؤلات التالية : من خلال بعض التساؤلات: أين تكمن قيمة الحقيقة ؟ هل في بعدها الأخلاقي أم في بعدها النفعي والوظيفي ؟ هل الحقيقة غاية أم وسيلة ؟1) البعد الأخلاقي لقيمة الحقيقة، الحقيقة غاية في ذاتها إمانويل كانط E.Kantلا احد سيجادل في أن الفيلسوف الألماني إمانويل كانط هو فيلسوف الأخلاق الأول من دون منازع، وذلك بالنظر الذي الطابع الأخلاقي الذي يضفيه على معظم مواقفه. ولا يخرج موقفه من قيمة الحقيقة عن نسقه الفلسفي الأخلاقي بشكل عام، بل إن موقفه هذا هو الذي يعكس نزعته الأخلاقية الأصيلة. فقد اعتبر أن الحقيقة قيمة أخلاقية عليا، مطلقة وغير مشروطة. وموقفه هذا هو اعتراض على كل من يُجيز الكذب في شروط وظروف معينة. إن الحقيقة عند كانط هي نقيض للكذب، ويجب الالتزام بقولها في كل المواقف والظروف ومهما كانت النتائج المتربة عنها. إن قول الحقيقة عند كانط هو أمر واجب، بل ويتعيّن اعتبارها أي الحقيقة، قاعدة لكل الواجبات الأخرى.إن كانط هو فيلسوف أخلاقي “مشتدد” في مسألة الحقيقة، وغير متساهل بتاتا في مسألة الكذب، لأن الكذب على فرد واحد، ولو لمرة واحدة يعد إخلالا بنظام العدالة والقوانين، لأن الكذب يجعل القانون مبتذلا وفاقدا للمصداقية والكونية. ويعزز كانط هذا الموقف بمثال الشخص الذي يأوي مجرما بنية القيام بعمل إنساني، مخفيا إياه عن الشرطة التي تبحث عنه، فيعد هذا الشخص مشاركا في الجريمة، ومتحملا للمسؤولية الأخلاقية والقانونية التي ترتبت عن الكذب سابقا، وما سيترتب عنه لاحقا. يقول كانط ” إن القانون إذا ما تسامحنا فيه ولو بأقل استثناء ممكن، سيصبح متذبذبا ومبتذلا [بلا قيمة].2) البعد النفعي الوظيفي لقيمة الحقيقة، الحقيقة مجرد وسيلة. وليام جيمس W.James لقد ارتبطت قيمة الحقيقة في الفلسفة المعاصرة بقيم العصر و”مصالحه” كالمنفعة والعمل والمردودية والإنتاج، وكل ما هو مرتبط بالواقع الإنساني. من هنا أصبحت المعرفة قيمة “عملية” واقعية من جهة، وقيمة نسبية ومتغيرة من جهة أخرى. وفي هذا الإطار يأتي التصور البراغماتي/النفعي الذي يعد وليام جيمس واحدا من مؤسسيه الأوائل.بالنسبة لوليام جيمس فقيمة الحقيقة تكمن في ما تقدمه أو يمكن أن تقدمه من منفعة ومصالحة، عملا بمبدأ: “كل ما هو حقيقي فهو نافع، وكل ما هو غير حقيقي فهو غير نافع”. من هنا فالحقيقة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي مجرد وسيلة للقيام بعمل ما أو تأدية وظيفة محددة؛ قد تكون هذه المنفعة أو الوظيفة مرتبطة بإشباع حاجيات حيوية أو اقتصادية. والأفكار الحقيقية التي نستطيع أن نستعملها وأن نتحقق منها واقعيا، أما الأفكار التي لا نستطيع أن نستعملها وأن نتأكد من صلاحيتها، فهي خاطئة بالنسبة لوليام جيمس وعموم المذهب النفعي، يقول وليام جيمس: “الأفكار التي ينبغي أن نعتبرها حقيقية. هي تلك التي تقول لنا أي نوع من الوقائع نافع وأيها ضار بالنسبة لنا”.هكذا يقدم لنا وليام جيمس تصورا نفعيا للحقيقة أصبحت معه قيمتها متغيرة بتغير المصالح والمنافع، وهذا ما يضفي عليها طابع النسبية. فلا قيمة للحقائق إلا إذا كانت تزيد من استفادة الإنسان من الوجود، يقول وليام جيمس: إذا كنا نخترع الأجهزة والآلات الصناعية لنستفيد من قوى ومعطيات الطبيعة، فإننا نخترع الحقائق لنستفيد من الوجود.خلاصة تركيبيةخارج البعدين الأخلاقي والنفعي الذين لكل منهما رؤيته المحكومة بالنسق النظري الذي ينتمي إليه الفيلسوف، فإن هذه القضية تحظى بأهمية فلسفية بالغة كونها تكشف بعض الجوانب التي يمكن من خلالها مقاربة قيمة الحقيقة، ولئن اكتفينا بعرض البعدين الأخلاقي والنفعي/ نظرا لألويتهما، فإن هناك بعض الجوانب التي يمكن أن تكون مجالا لفتح أفاق جديدة للتفكير في هذا الإشكال انطلاقا من التساؤل عن حقيقة الوجود، وعن حقيقة المعرفة، وعن حقيقة الجمال، وعن حقيقة الإنسان، وعن حقيقة الخير.

Design a site like this with WordPress.com
Get started