صلة الأرحام

الناظِرُ في أحوالنا، معشرَ الإخوة الكرام، يَلْحَظُ ما تشهده العلاقاتُ بين ذوي الأرحام، بَيْنَ الأقارِبِ، من تَرَدِّي وخُصومات، ومن أحقادٍ وعداوات. مما يستدعي مِنا وقفةً نَطَّلِعُ من خلالها على ما أمر الله به سبحانه من الرحمة بذوي الأرحام، وفضْلِ صلتهم والإحسان إليهم، وخطَرِ مُقاطَعَتِهم…
هذا حالُ القاطع.
يكفي صلةَ الرّحم فضلا أنِ اعتبرَ الحقُّ سبحانه قطْعَهَا قرينَ الفسادِ في الأرض، قال عز وجل: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ محمد 22.
كما جعلَه سُبحانَه مِن صفاتِ الفاسقين، فقال: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً. وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ، الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ البقرة 26. 27.
فليس غريبا مِن ثَمَّ أن يَنُصّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أن قاطِعَ الرحم، المستحِلَّ له، المصِرَّ عليه عِنادا وكِبْرا، محرومٌ من رحمة الله وجَنّتِه يوم لقائه. عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَدْخُلُ الْجَنّةّ قَاطِعٌ» متفق عليه. قالَ ابن أبي عُمَرَ قالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِم.
وهذا حالُ الواصل
هذا عن قاطع الرحم، أما الواصِل فمشهودٌ له بالإيمان. ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ). فما كان للرحم أن تَرتبطَ بالإيمان إلاَّ لِمَا لَها مِن الشّأن، فهي من أبرز ثمراتِه وبركاته.
والواصِل موصولٌ بربه، موصولٌ بعون ربه ومَدَدِهِ في الدنيا ورحمته ومغفرته وجنته في الآخرة. ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنّ اللّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ. حَتّىَ إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ. أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَىَ. قَالَ: فَذَاكِ لَك). وفي جامع الترمذي وصححه عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الرّحِمُ شِجْنَةٌ(أي مشتقة) مِنَ الرحمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ الله وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ الله».
وصِلة الرحم بركةٌ في الرزقِ والعمر ففي الصحيحين عن أَنَسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَرّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ في رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ). وعند الطبراني في الأوسط وحسنه السيوطي عن عمرو بن سهيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: (صِلَةُ القَرَابَة مَثْرَاةٌ فِي المَال، مَحَبَّةٌ في الأهْلِ، مَنْسَأَةٌ فِي الأَجَل).
أخي الحبيب تأمل ما رواه الطبراني بإسناد حسن والحاكم مرفوعا: (إِنَّ اللَّهَ لَيُعَمِّرُ بِالْقَوْمِ الدِّيَارَ، وَيُثْمِرُ لَهُمُ الأَمْوَالَ، وَمَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ مُنْذُ خَلَقَهُمْ بُغْضًا لَهُمْ). قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (بِصِلَتِهِمْ أَرْحَامِهِمْ).

2 – معنى صلة الأرحام
وقد اتَّضحَ لك أخي الكريم أختي الكريمة فضلُ صلة الرحم، تعالوا معي نقف سَوِيًّا على جملة من الأعمال العظيمة الـمُعَبِّرَةِ عنها في واقعنا.

تعريفٌ جامع

لعل أجمعَ ما تُعَرَّف به صلةُ الرحم هو الإحسان. قال تعالى: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين،ِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا النساء 36.

فمن الصلة الزيارة

مِن ذلك زيارتهُم في الله ولمرضاته، لا مقاطعتُهم، فهذا الظاهرُ من لفْظِ الصِّلَةِ. عَنْ مُعَاذ بن جبل قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) أحمد في مسنده والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك.

من الصلة إكرامُهم والترحيب بهم

من ذلك خفضُ الجَنَاح لهم والترحيبُ بهم والبَشاشةُ في وجوههم.
من ذلك إكرامُهم والتوسِعَةُ عليهم، والسَّعْيُ في مصالحهِم، لا البُخْل عليهم وإسلامُهم إلى ضَيْقِ الحال وشِدَّتِه. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ). هذا مع كافّة المؤمنين، فكيف إذا كان الأمرُ يتعلق بذوي القُربى؟ ففي جامع الترمذي وحسنه عن سَلْمَانَ بنِ عامرٍ يَبْلُغُ بِهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الصّدَقَةُ على المسْكِينِ صَدَقَةٌ وهِيَ على ذِي الرّحِمِ ثِنْتَانِ: صدَقَةٌ وصِلَة.»

من الصلة نُصْحُهم

من ذلك نُصحُهم ودعوتُهم إلى الله سبحانه وتعالى، وتَرْغِيبُهُم في الاستقامة بمختلِف الوسائل والأساليب. فإن (الدِّين النَّصِيحَةُ) البخاري. والنصيحة من بُنُود بَيْعَةِ كُلِّ مُسلم لنبيه صلى الله عليه وسلم. ففي الصحيحين عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.)
إن ما سادَ من مُداهَنَةِ الأقربين والسكوت على انحرافاتهم من أجْلِ إرضائهم وعدمِ إقلاق راحتهم، ليس من أخلاق المؤمنين في شيء. نعم، على المسلم أن يَنْهَجَ السبيلَ التي هي أحسن لا الأخْشَن، وأن يختارَ ما يُناسِب من الأقوال والأفعال والأحوال، فكلُّ ذلك من الحِكمة التي أمر الله بها، لكن، أن يكون دأْبُهُ الإعراضَ عنِ النَّصيحَةِ، فهذا ما لا يليقُ به ولا بهم. قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌالتوبة71

3 – وأخيرا، ليس الواصل بالمكافئ

أيها الأحبة، سؤالٌ، كثيرا ما أُفاجأ به كُلَّما تحدثتُ عن أهمية صِلَةِ الرحم، وهو ما العملُ بالقَرابة التي تُقابِل وُصْلَكَ بالمقاطعَة، وإحسانَك بالإساءة؟
لقد وردت أحاديثُ أجابَ فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وبَيَّنَ وجهَ الحقِّ بِخُصُوصِه. من ذلك:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِن الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها) أخرجه البخاري
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ (الرماد الحار)، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِك) مسلم
بل صِلَةُ ذي الرحم الـمُتَحامِل المعَادِي، والتَّصدُّقُ عليه واللُّطْفُ بهِ أعْظمُ أجرا وأبلغُ أثرا. أخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أفضلُ الصَّدقة على ذِي الرَّحِم الكاشِح) الكاشح: العَدُوُّ الذي يُضْمِر عَداوَته ويَطْوي عليها كَشْحَه أي باطِنَه.
إن أخلاقَك أخي المسلم ليستْ مرتبطةً بغيرك من الناس، إنْ أحسنوا أحسَنْتَ، وإن أساءوا أسأت، وإن أعطوا أعطيْتَ وإن منعوا منعت… كلا، إن خُلُقَكَ مرتبطٌ بالله، مَصدرُهُ الله والغايَةُ منه مرضاتُه سبحانه. فأنت تُحْسِنُ لأن الله أمرَكَ بذلك، فَعَلَ الناس أو لم يفعلوا… إنها أخلاقٌ مُجَرَّدَةٌ عنِ الخَلْقِ مَوْصولَةٌ بالخالق جَلَّ جلالُه… عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي: (يَا عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ.) أخرجه أحمد.

Design a site like this with WordPress.com
Get started