عن الصداقات النادرة ،غيوم نموذجا:
من أجمل الأوقات التي قضيتها في حياتي تلك التي جمعتني بغيوم . إن هذا الرجل الذي ترعرع في نفس الأجواء التي ترعرع فيها شي غيفارا و فيديل كاسترو، لم يكن البتة شخصا عاديا ،بل كان حكيما بكل ما تحمله الكلمة من معنى .لذلك و غيره ، ما يزال خياله يحضرني مرفوقا بتلك الحوارات التي كانت تمتد بنا أحيانا لساعات طوال دون أن ينتابنا الملل أو نحس بثقالة الزمان. و للذكرى يمكنني أن أضيف أنني الوحيد عندها الذي يسمح له غيوم بأن يكسر طقوس العزلة التي كان مستميثا في التشبث بها بشكل غريب و مدهش .إذ لم يكن يخفى على ساكنة المنطقة التي عاش بها حينئذ ،مدى عشق الرجل للعزلة حتى النخاع و انغماسه في تأملاته منذ مطلع الشمس حتى غروبها،غير آبه بتفاهات السوسيال و وقاحة الجموع .لعل ما يهم بنظره في التأمل إنما هو الحالة التي يكون عليها العقل و القلب معا.حيث أن ما كان يعنيه و الحالة هاته إنما هو حالة البراءة و الطمأنينة التي يبلغها عقل المتأمل ما أن ينخرط في طقوسه طالما أنه لا يبغي من وراء ما يقدم عليه غاية محددة و لا يتوخى هذفا ما. إن التأمل بحسبه ليس أداة ترمي إلى تحقيق غاية معينة أكثر مما هو الوسيلة و الغاية في نفس الوقت. لذلك يغوص المتأمل في فعل التأمل على نحو يعفيه كليا من أدنى تشويش فكري .ذلك أن الفكر إن كان دوما هو ما يجيء مربكا لصاحبه و مشوشا له فالتأمل هو ما يضع حدا للفكر جراء فحسب انغماس المتأمل في تأمله حد استحالة التمييز بينه و التأمل ذاته. لهذا و سواه ربما كان صديقي غيوم يؤكد لي مرارا على أن كل عزوف عن التأمل و كل تقاعس عن التعاطي مع هذا الطقس هو ما يجعلك أشبه ماتكون بأعمى يتخبط خبط عشواء وسط عالم بهي و رائع ،عالم مزركش بالألوان و الأضواء المثيرة .
