الشعور بالأنا والشعور بالغير

لبسم الله الرحمن الرحيم
“مقالة الشعور بالأنا والشعور بالغير”(جدلية)
هي مقالة جد سهلة وبسيطة تحتاج منكم فهم معمق للموضوع فقط،وإحاطة عامة بالموضوع،إن موضوع الشعور بالأنا والشعور بالغير هو موضوع نفساني وإجتماعي،يدور الجدل فيه حول قدرة الذات والإنسان على معرفة نفسه وذاته وشخصه،من تلقاء نفسه بواسطة الشعور والتفكير والبداهة واليقين العقلي أو الحدس النفسي الشعوري الوجداني أو المعرفة الذاتية الشعورية إزاء ظواهر النفس العميقة،أم أن هاته المعرفة ترتكز بالأساس حول العوامل الخارجية الموضوعية الإجتماعية وفق جدل حياتي وشعوري خارجي لا علاقة للذات به مطلقا،وبمعنى آخر هل نحن نعرف أنفسنا من خلال أنفسنا،أم من خلال الغير والآخر والمجتمع؟وفي الأخير ركزوا على “الفهم” ثم “الفهم” ثم “الفهم”،آمل في الأخير أن تستفيدوا من هاته المقالة وأن تعينكم على فهم أوسع وأعمق لهذا الموضوع،مع تمنياتي لكم بالتوفيق،والآن أترككم مع المقالة.

الموضوع الأول:(هل معرفة الذات لذاتها متوقف على الذات نفسها؟)(هل الشعور بالذات دليل على معرفتنا بذواتنا؟)(هل الإنسان قادر على معرفة ذاته من خلال ذاته،أم من خلال الغير والآخر؟)(هل التفكير وحده قادر على تعريفنا بذواتنا؟)(هل نحن بحاجة إلى الغير والآخر لنعرف ونشعر بذواتنا؟)(هل معرفتنا النفسية قائمة على الإدراك والبداهة واليقين العقلاني؟)(يقول ديكارت:”إن الشي الذي جعلني أعتقد أن النفس دائما تفكر هو نفس الشيء الذي جعلني أعتقد أن الضوء دائما يضيء.حلل وناقش؟)(يقول جون بول سارتر”:إن الغير يمثل النقيض الجدلي لنا،إنه هو من تنعكس صورتنا عليه.حلل وناقش؟)…..،هذه الأسئلة وفي معناها كلها أسئلة تصب في موضوع جدلي حول قدرة الإنسان على معرفة نفسه من خلال ذاته أم من خلال الغير.

الإجابة.
الموضوع الأول الطريقة المناسبة للتحليل”جدلية”
المقدمة وطرح الإشكالية.
إن إدراكنا ومعرفتنا للعالم الخارجي وسائر قضايا الحياة وظواهر العالم يتوقف بالأساس حول قدرتنا على معرفة ذواتنا وفي توازننا النفسي،فلئن كان الشعور-بصفته وعي الذات لذاتها بدون وسائط،أو كما جاء على لسان المعجمي العربي جميل صليبا-“أحد خصائص هذا الإدراك،فعن قدرته الكلية على الإحاطة بظواهر النفس،تولد جدل فلسفي حاد بين العلماء والفلاسفة النفسانيين والإجتماعيين منهم بالخصوص،بين تصور يربط هاته المعرفة بالذات،ومنظور يؤكد أنها مستمدة من الخارج،وهذا التضارب في الآراء ولد لدينا جملة من التساؤلات:”مامدى قدرتنا ومعرفتنا إزاء ذواتنا وأنفسنا؟هل هي معرفة خاصة وفردية شعورية وحدسية بديهية وعقلانية؟أم أنها معرفة خارجية موضوعية وإجتماعية وإنعكاس لجدلية الأنا مع الآخر والغير؟وكيف يمكن الخروج من هذا الجدل والتعارض برأي علمي حول المعرفة النفسية والذات بالأخير؟

العرض ومحاولة حل الإشكالية.
(“الأطروحة الأولى”)
إن الذات قادرة على معرفة ذاتها من خلال ذاتها فحسب،إننا نعي أنفسنا وعيا مباشرا ببداهة ووضوح وبتميز كبيرين من خلال وعينا العقلاني ووعينا الشعوري والوجداني وكذا الحدسي الظواهري النفسي العميق،ووفق ديمومة حيوية وشعور متصل ومتواصل في النفس لا ينقطع على الإطلاق،إلا بموت وإنقطاع الذات نفسها،ولسنا بحاجة إلى براهين أو شواهد من العالم الخارجي لتؤكد على أننا دائما نعي ونشعر ونحس ونفقه كل مايجري في ذواتنا أو من حولنا،وهو الرأي الذي آمن به العديد من العلماء والفلاسفة على مر التاريخ الإنساني بداية،”مع الفيلسوف اليوناني العقلاني والمنطقي أرسطو طاليس”ووصولا إلى العقلاني الفرنسي روني ديكارت”،إلى” مين دوبيران”فألان”،إلى مالبرانش”فالفلسفة الظواهرية الشعورية الألمانية الحديثة مع أدموند هوسرل”،فالفلسفة الحدسية الشعورية مع الفرنسي”هنري برغسون”وغيرهم العديد.

“(الأدلة والبراهين الخاصة بالموقف الأول”)
“التأملات”ومقالة الطريقة”هي جملة المؤلفات التي أبرز فيها ديكارت”منظوره الفلسفي حول قدرة الذات على معرفة نفسها من تلقاء ذاتها وفق مبادئ نفسانية خالصة عقلانية وشعورية تمثلت في البداهة واليقين والوضوح”،إن الوقفة الديكارتية التي قام بها ديكارت-عندما قام بالشك في العالم الخارجي والطبيعي،فتوصل إلى أن معرفتنا بهذا العالم ترتبط بالحواس،لكن الحواس خداعة ونسبية وقاصرة بأن تمدنا بالمعرفة اليقينية،لذا يجب إستبعادهامن المعرفة كليةيقول ديكارت”(ومن لم تخدعه حواسه ولو مرة واحدة؟)،ويقول كذلك”(لا أثق فيمن خدعني ولو مرة واحدة”)،وفي موضع آخر يصرح( وهكذا فإني،لمارأيت أن حواسنا تخدعنا،فرضت أن لاشيء هو في الواقع على الوجه الذي تنقله لنا حواسنا).
يواصل ديكارت وقفته التأملية ولكن هذه المرة يوجهها إلى داخل نفسه،لقد توصل ديكارت إلى حقيقة النفس وإلى معنى الذات عندما لم يستطع أن يشك في الشك نفسه؟وبما أن الشك تفكير فالذات لا تنقطع عن التفكير والتأمل في ذاتها من خلال ذاتها،أو لا تستطيع أن تشك بأنها تشك؟ومعنى ذلك أن ماهية التفكير والشعور هي ماهية الروح نفسها،وهذا بالتحديد ما أوصل ديكارت إلى كوجته المشهور”(أنا أفكر ،إذن أنا موجود،هاته الحقيقة خرجت لي من ذات الفكر نفسها،….إن السبب الذي جعلني أعتقد أن النفس دائما تفكر هو نفس السبب الذي جعلني أجزم بأن الضوء دائما يضيء”)وفي موضع آخر يؤكد أن الحياة الوحيدة الغير قابلة للتفكير والشعور هي الحياة الفيزيولوجية والجسمية فقط،أما كل مواضيع الإدراك النفسي والشعوري والوعي فيرتبط إرتباطا مطلقا بالعقل والفكر.
إن التفكير ميزة إنسانية خالصة هي ماتميز الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى،وهي ماتعطيه القدرة على التقدم المعرفي سواء في النفس،أو ما يختص بالعالم الموضوعي،بل إن الحياة بكاملها تغدوا بلا معنى إذا فقد الإنسان وعيه الذاتي وشعوره الخاص بنفسه،فالأمور الأخلاقية كالمسؤولية والإرادة والحرية تغدوا موضوعات فارغة المحتوى إذا ما فقدت الدلالة العقلية والشعورية.وهذا التفكير والشعور وفق تصور روني ديكارت هو نور طبيعي مستمد من كائن مطلق هو” الله”لذا لا عجب أن يكون التفكير ذا ميزة مطلقة وثابتة في الزمان والمكان.
الأمر الآخر الذي يؤكدد عليه ديكارت ومن يوافقه في الرأي هذا أن خاصية التفكير والفكر كلية ومطلقة موجودة عند جميع البشر،فلا عجب من بعد ذلك أن نعلم أن كل الناس لديهم وعي بذواتهم وإدراك يقيني بأنفسهم،يقول ديكارت”(إن العقل أعدل قسمة بين البشر”).

وقفت العديد من المدارس الفلسفية والنفسية نفس الموقف الدكارتي وأكدت على منظوره الشعوري والعقلاني،يرى الفيلسوف الفرنسي مين دو بيران”أن وعينا بأنفسنا يتحقق وفق وجود النفس أولا،فالوجود ضروري لأجل أن تدرك الذات نفسها،وما دام لدينا وعي بأننا موجودين،فهذا دليل كاف على أننا ندرك ذواتنا إدراكا مباشرا ووجوديا،إننا نستطيع أن نغوص في أعماق ذواتنا،ونعلم مايحدث فيها من تغيرات وحوادث ونعيها وعيا مطلقا وفردانيا خالصا،يقول الفيلسوف الفرنسي روييه كولارد في هذا المعنى”(إن لذاتنا وآلامنا،وآمالنا،ومخاوفنا وكا إحساساتنا وأفعالنا وأفكارنا تجري أمام الشعور كما تجري مياه النهر أمام عيني المشاهد الواقف على الشاطئ”)،ويقول آلان”:(أن نعرف هو أننا نعرف بأننا نعرف”)يقول مالبرانش كذلك”(لا أحد يستطيع الإحساس بألمي”).

أما الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس فيؤكد هو الآخر أن الإنسان قادر على معرفة نفسه معرفة واضحة وعقلية إذا ماهو وقف متأملا في ذاته ومستبطنا لها ولأحوالها الداخلية والشعورية،فكل إنسان له القدرة على معرفة من يكون أو لديه سر ذاته الذي هو موجود في قدرته على التعمق والغوص في نفسه الخاصة والفىدية،فلا عجب بعد كل هذا أن ينصح مريديه وطلبته بقوله “:(إعرف نفسك بنفسك”)

هذا المنظور يؤكده الفيلسوف الظواهري والشعوري الألماني مؤسس علم الظواهر وفلسفة الشعور،أن الذات قادرة على وعي ذاتها والشعور بها من تلقاء نفسها وفق مايعرف بالشعور بالظاهرة ومن ثم لها القدرة على تحليل وتفكيك كل الظواهر والحكم عليها حكما ذاتيا،وما يقصده “هوسرل”أن الذات العارفة والواعية وعيا شعوريا هي مركز العملية المعرفية سواء كانت معرفة موضوعية أو داخلية متعلقة بالنفس،إن العوامل النفسانية التي تتمتاز بها الذات كالإرادة والقصدية والحرية والإنتباه والتركيز والشعور النفسي العميق يخولها أن تعي وتحكم على ذاتها وعلى ظواهر العالم الخارجي،يقول هوسرل في كتابه تأملات ديكارتية”إن الشعور هو دائما شعور بشيء ما”ويقول أيضا (“إن الذات قادرة على تحليل ظواهرها النفسية والموضوعية،الأمر كله مرتبط بقدرتها على الشعور بهذه الظواهر،أو فيما معنى قوله”).

أما برغسون ونزعته الحدسية-التي هي إمتداد طبيعي للفلسفة الهوسرلية-فيعتقد برغسون في فلسفته المبينية على قدرة الذات على حدس ومعرفة ظواهر نفسها العميقة،لأن الحدوس-هي أعمق المشاعر والوجدانات والعواطف الحسية المرتبطة بالأنسان-قادرة وفق ديمومة حيوية متواصلة المدة في الزمان والمكان على كنه ذاتها،يقول برغسون في هذه المعاني:”(إن الوجود الذي نتيقنه لأكثر من أي وجود آخر،هو بلا ريب وجودنا،لأننا نشعر به في داخلنا وبكل شعورنا”)ويقول أيضا:”(إن الشعور هو همزة الوصل أو حلقة الإتصال بين ماكان وما سوف يكون،أو هو الجسر الذي يربط الماضي بالحاضر”)،ومعنى هذا كله:”أنه إذا كان المرء يشعر بالحزن أو الفرح أو غيرها من المشاعر والإدراكات النفسية فالأنه حقيقة يشعر بها ويحدسها في نفسه حدسا مباشرا وتلقائيا،لا يحتاج إلى برهان من العالم الخارجي على أحواله هذه

أما فلسفة علم النفس الإستبطانية فتعتقد أن العلاج النفساني للمريض يحصل عن طريق إستبطان الدوافع النفسية والمشاعر وكذا الرواسب العقدية لدى المريض،عن طريق فكها وتحليلها وإخراجها من نفسية وعقلية وشعور المريض،ويكمن دور المحلل النفساني في قدرته على الوصول إلى هاته العقد،قياسا على إستبطانه الشخصي نفسه،ومثال ذلك عندما يعالج محلل نفساني شخصا مريضا نفسانيا كمرض الخوف الشديد أو الفوبيا أو النرجسية،على الطبيب أن يكون شاعرا ومحسا بهاته الأمراض في نفسه،لكي يستطيع تشخيص العلاج النفساني والإكلينيكي وإقتراح الحلول المناسبة للمريض كي يتخلص منها،فالعملية هي إسقاطية وإستبطانية بين المريض والمعالج النفساني،وعلى العموم خلص أنصار النزعة التحليلية والإستبطانية إلى نتيجة مفادها،أن المرء يدرك نفسه إدراكا مباشرا وشعوريا وفق إستبطان وتعمق نفساني وذاتي خالص.

إن الشعور والوعي والإدراك الذاتي أساس لكل أفعالنا وسلوكاتنا الأخلاقية والعلمية والمعرفية وكذا النفسية وبدونه لا يمكن الحديث عن أي معرفة أو حقيقة أو إرادة أو حرية أو مسؤولية ولا عن أي علم أو إنسان بالمجمل.

(“نقد الموقف الأول”)
على الرغم من وجاهة بعض الأدلة المقدمة من قبل هاته التصورات والآراء الفلسفية لا سيم من قبل الفلسفة العقلانية إلا أنها تحمل مغالطات كبيرة لا يمكن الإيمان أو التصديق بهامن ذلك”:إن ثمة العديد من الحوادث والسلوكات النفسانية التي تصيبنا أثناء وعينا ولا نجد لها تفسيرات شعورية مقنعة،كزلات الأقلام وفلتات اللسان،والشرود الذهني،والنسيان وأحلام اليقضة،وتغيرات الشعور المفاجئة من الفرح إلى الكآبة،ومن الكآبة إلى الهيجان فالهدوء وغيرها فإلى ماترجع هاته العوارض النفسية ولما لا نجد لها تفسيرا علميا ونفسيا وشعوريا مقنعا؟،الأمر الآخر إن مقياس الوضوح والبداهة مقياس نسبي،فما يبدوا لشخص ما أنه واضح قد يبدوا لشخص آخر أنه غير واضح وبديهي،والعكس صحيح؟!إن مقياس البداهة مقياس متعارض منطقيا مع الواقع الحياتي،يضاف إلى كل ذلك كيف يمكن التصديق بأن الذات تستطيع أن تعي ذاتها شعوريا وعقليا من خلال ذاتها نفسها وفق الوقفة التأملية الديكارتية،إن الذات لا تستطيع أن تفكر في تفكيرها؟!وليس بمقدورها كذلك أن تنفصل عن نفسها لتعرف نفسها،الأمر الآخر من هو هذا الإنسان المدروس هنا،هل هو إنسان منعزل ومنفصل عن العالم الخارجي والموضوعي والإجتماعي،يعيش في ذاته ولذاته؟أم أنه كائن طبيعي يعيش في مجموع إجتماعي؟إن دراسة الإنسان بمعزل عن طبيعته الحقيقية وعالمه الإجتماعي،تعد من أكبر الأخطاء العلمية لا يمكن القبول والتسليم بنتائجها على الإطلاق.

(“عرض الموقف الثاني”)
إن معرفتنا بذواتنا تتوقف بالأصل حول مايمدنا به العالم الإجتماعي والموضوعي والخارجي من معطيات ومفاهيم حول أنفسنا،إننا نعي ونعرف ونعقل ونشعر بذواتنا من خلال المقارنة الجدلية بيننا وبين مايحيط بنا من ظواهر،فالمجتمع مثلما يمدنا بلغتنا وثقافتنا وشخصيتنا،يمدنا كذلك بوعينا النفساني والشعوري،وعليه يكون الآخر والغير هو المرآة التي تنعكس عليها صورتنا الحية فيه،وإن أفعاله بالنسبة لنا مثلما أفعالنا له هي الرابط والمقياس والأساس الذي نحكم به على سلوكنا وقيمنا ومبادئنا وهو التعريف الشخصي والنفسي والوجودي بالنسبة لنا،وإنه من الخطأ بمكان دراسة ومعرفة الذات من خلال ذاتها،لأن في ذلك تجاوز لكل القيم والمبادئ العلمية والإخلاقية والسلوكية والإنسانية،وهوالرأي الذي آمنت به العديد من الفلسفات الإجتماعية والوضعية بقيادة كل من الإجتماعي الفرنسي” إميل دوركايم”،”موريس هالفاكس”والفلسفة الجشطلتية الألمانية مع كوفكا،كوهلر فرتهايمر “،وحتى الوجودية مع الفرنسي جون بول سارتر”والفيلسوف الميثالي الألماني فريدريك هيجل” والسلوكية والإخلاقية منها،وحتى النفسانية منها مع الفيلسوف سيغموند فرويد النمساوي،وغيرهم العديد.

“(الأدلة والبراهين الخاصة بالمذهب الثاني”)
يعد هذا الطرح أكثر واقعية وأكثر قربا للواقع العلمي والحداثي في ميدان علم النفس المعرفي،والبداية الفيلسوف الألماني العقلاني والميثالي غولفريد لايبنتز”-وعلى الرغم من عقلانيته وميثاليته المذهبية-إلا أنه لم يوافق النزعة الديكارتية فيما ذهبت إليه من حقيقة أن النفس دائما تفكر وتعي نفسها من تلقاء نفسها يقول لا يبنتز”:(إني أعقد للديكارتيين أن النفس دائما تفكر،ولكنها لا تشعر بأفكارها دوما،لأن الحاضر مثقل بالماضي ومتعلق بالمستقبل”)ومعنى هذا أن الذات تعيش تعيش توترا وضغطا مستمر يجعل من التفكير نسبي في معرفتها لأحوالها النفسية والشخصية،ولقد تطور هذا المنظور مع سيغموند فرويد”مؤسس نظرية اللاشعور العلمية،فمن ضمن ماجاء في كتابه النفسي المشهور-“مدخل إلى علم النفس-أن حياتنا الإنسانية حياة غير شعورية وغير واعية،فنحن وفق -تصوره نعيش مابين ثلاثة قوى نفسانية متصارعة فيما بينها ضمن النفس،وأن مانعيه من جانبنا النفساني هو جزء ضئيل وبسيط من حياتنا النفسية اللاشعورية،إن الأعراض والسلوكات النفسية والحوادث التي تطرء على الإنسان في وعيه ولا يجد لها تفسيرا هي تعبير عن تلك الكوامن والدوافع والغرائز والصراع الحاصل في النفس،بين هاته القوى المختلفة في الغاية والعمل،وإذا سلمنا بنظرية اللاشعور أمكننا أن نعي تلك الدوافع اللاشعورية،التي هي عبارات عن مكبوتات لا شعورية ترتبط بالحاجات المادية والمعنوية للإنسان إزاء علاقته بالغير،وعلى سبيل المثال،إن الشخص الذي يتمنى لباسا ما،ولا يستطيع شرائه لأنه معدوم أو قليل المال،لا يستطيع أن يسرقه،لأن الضمير والمجتمع والغير ينظر إليه نظرة قبح وأستزراء فيضطر إلى كتم هاته الرغبة التي تعاود الظهور له في أحلام اليقظة وغيرها،إن نظرية الإستبطان النفساني نظرية بدائية وغير علمية على الإطلاق،فكيف بالإنسان الذي لا يدرك حقيقة نفسه الخاص،أن يستبطن نفوس الغير؟!الأمر شبه مستحيل ويكون من السخافة الإيمان به،إن البديل النفساني على الإستبطان يكمن في التحليل النفسي القائم على إستظهار الدوافع والكوامن النفسية في ذات الإنسان المريض لا شعوريا،يقول فرويد”:(إذا رأينا أن ثمة أمراض تسري في الشعور وتؤثر على السلوك أوجب إرجاعها إلى اللاشعور وعلاجها يتطلب فك الإرتباط بها وإخراجها لا شعورية من نفس المريض،أو كما جاء على لسانه”).

تعتقد الفلسفة الإجتماعية والوضعية والفلسفة الجشطلتية مع كل من” إميل دوركايم وأوغست كونت”أن الحياة الإجتماعية هي الحياة الوحيدة التي يمكن للإنسان أن يجد فيها طابعه الحقيقي والفرداني،فذاكرة الفرد ولغته وقدرته على التفكير وعاداته وتقاليده وشخصيته وسائر حياته النفسية والعلمية والأخلاقية والسلوكية لا تجد لها معنى خارج الإطار الإجتماعي والموضوعي،وكما أن المجتمع سابق بالضرورة على وجود الفرد فإن الفرد يجد كل ما يحتاجه في الطابع الموضوعي والخارجي عنه يقول دوركايم”:(إن ضروب السلوك والتفكير الإجتماعيين أشياء حقيقية توجد خارج ضمائر الأفراد،الذين يجبرون على الخضوع لها في كل لحظة مز لحظات حياتهم،فهذه الضروب أشياء ذات وجود مستقل قائم بذاته يجدها الأفراد تامة التكوينمنذ ولادته،وهو لا يستطيع القضاء عليها أو تغيير طبيعتها،ولذا يجبر على أن يحسب لها حسابها”)ويقول أيضا”(إن مجموعة الأفكار التي أستخدمها للتعبير عن أفكاري،ومجموعة النقود التي أستعين بها على قضاء ديوني،والوسائل الإقتصادية التي أستخدمها في علاقاتي التجارية والتقاليد التي يجري بها العرف في مهمتي،كل هذه الظواهر الإجتماعية تؤدي وظيفة مستقلة عن طريق إستخدامي إياها”)أما أوغست كونت فله رأي آخر وفق التصور الإجتماعي والوضعي،يقول في هذا(“من البين في الحقيقة أن الذهن البشري،بمقتضى ضرورة لامرد لها،يستطيع أن يلاحظ مباشرة جميع الظواهر باستثناء ظواهره هو،إذ من ذا الذي يقوم بالملاحظة؟”) ويقول في موضع آخر “(إن أفضل وسيلة لمعرفة الأهواء هي دائما ملاحظتها من الخارج”)ويقول كذلك مشككا في الطريقة الإستبطانية(“كيف يمكنك أن تصف وصفا موضوعيا مالاتراه إلا أنت،وخصوصا إذا كان ذلك بواسطة الذهن؟فالتعريف الإستبطاني يثبت في بداية الأمر وجودا عليه أن يبرهنه،وبهذا يقع في الدور ،ويفلت من كل إختبار تجريبي”)،وهذا كله يتخذ له صورة إذا مانحن علمنا بالمبادئ الإجتماعية،إننا نعي أننا على صواب أو خطأ لأننا ننظر إلى ذواتنا من خلال نظرة الغير بالنسبة لنا،فمثلا إن خجلنا أو فرحنا وسائر أحوالنا النفسية يستمد معناه من خلال المقارنة التي نجريها على ذواتنا وفق قاعدة إجتماعية عامة.

أما فلسفة الجشطلت الألمانية فتعتقد أن إدراكنا للعالم الخارجي أو النفسي لا يرتبط بالذات بل هو إمتداد لقوانين عامة وشكلية وصورية معطاة من العالم الخارجي والموضوعي،سواء كان هذا العالم الخارجي طبيعي أو إجتماعي،إن إدراك وشعور الذات تتوقف على البنية الخارجية والشكلية الموجودة فيها ونتيجة لتأثيرات الزمان والمكان والبيئة،فالشخص البدائي يختلف إدراكه لنفسه وللعالم من حوله،عن الإنسان المدني،منه إلى الإنسان القاطن بالريف،وعليه إن العوامل الخارجية والجشطلتية هي التي تشكل بنيات الإدراك الفعلية والعلمية وبدونها لا يمكن أن تحصل أي معرفة أو إدراك أو شعور،أو بالأحرى ستبقى الذات فارغة من أي دلالة معرفية.

يرى الفيلسوف الوجودي الفرنسي جون بول سارتر في كتابه “الوجود والعدم”،أن معرفتنا بأنفسنا تتأسس وفق علاقة جدلية قائمة على الصراع الحاصل بين الذات والغير،فالغير وفق تصور سارتر هو النقيض الجدلي بالنسبة للذات،إنه يدفعنا وفق هذه العلاقة الجدلية إلى إكتشاف ذواتنا ومعرفتها من خلال التحدي الحاصل بيننا وبينه لأجل إثبات وجودنا وتحققنا الفعلي،ومثال ذلك إذا كان ثمة تلميذين يسعيان إلى النجاح فيستطيع أحدهما أن يدرك مدى إستعداده الفعلي عن طريق الموازنة والمقارنة أو من خلال التحدي الحاصل بينهما لبلوغ النجاح وأعلى المستويات،ومن هذا كله إن الغير هو المرآة التي تنعكس فيها صورتنا وحقيقتنا وكياننا الوجودي والذاتي.

إن هاته النظرة الجدلية التي من خلالها بنى سارتر مفهومه الفلسفي حول الذات إستمدها هو الآخر من الفلسفة الهيجلية،مع “فريدريك هيجل”يرى هذا الفيلسوف الميثالي أن المعرفة عموما والإدراك الذاتي خصوصا -فيما يتعلق بالنفس-أنها خاضعة لمبدء جدلي قائمة على الفكرة ونقيض الفكرة،أو بمعنى آخر قائم على أساس الصورة والتمثل المخالف للصورة،أو بمعنى أدق قائم على أساس الذات ونقيض الذات ضمن العلاقة الإجتماعية،ولفهم التصور الهيجلي”يقدم هيجل ميثالا واقعيا تمثل في صورة العلاقة التي تربط العبد والسيد،يرى هيجل”أن السيد لا يستطيع أن يتخلى عن العبد لأنه بخدمه دوما فهو يقوم بأعمال شاقة ومتعبة،ويرى العبد أنه لا يمكنه فراق سيده فهو مصدر رزقه ومعاشه،لذا لا يستطيع أحدهما التخلي عن الآخر فيدرك كلاهما نفسه وفق جدلية الذات والغير،ووفق العلاقة الحتمية التي تربطهما ببعضهما البعض،ومن هذا ندرك أن الذات في علاقة جدلية مع الغير لمعرفة ذاتها ولتطوير ذاتهاكذلك.

(“نقد الموقف الثاني”)
إن هاته الإدعاءات هي الأخرىوعلى-الرغم مما تحتويه من أدلة وبراهين-لا تخلوا من عدة إعتبارات ولم تسلم هي الأخرى من موجة النقد التي وجهت إليها،من داخل المذهب ومن خارجه،والبداية مع التصور البرغسوني،إن هذا التصور لا يخلوا من الآراء والإعتقادات الفلسفية والميتافيزيقة،فأين توجد هاته القوى التي يتكلم عنها فرويد في النفس؟وكيف يمكن البرهنة عليها علميا وتجريبيا وسلوكيا،لقد تصدى لفرويد جورج واطسون والسلوكيون عموما الذين لا يؤمنون بالتفسيرات الميتافيزيقة والماورائية في تفسير الحياة النفسانية،وحتى كارل آدلر وهو من طلبة فرويد لم يقتنع هو الآخر بماقدمه فرويد،ولقد صرح بقوله”:بعد دراستي التي دامت أكثر من ثلاثين عاما وجدت أن المظاهر اللاشعورية تجري تحت الشعور،وأن المرضى يخافون من رؤية الحقيقة فقط”)،أما بالنسبة للمنظور الإجتماعي والوضعي والجشطلتي فلقد أهمل هذا الطرح الذات مطلقا وألغاها في سبيل تحقيق الكيان الإجتماعي والموضوعي،المجتمع قد يسهم في بناء شخصية الفرد ويساعده على إدراك ذاته،ولكنه ليس هو الذات أو الشخص،ثم هل يكون للعالم الخارجي أي معنى إذالم تكن ثمة ذات تشعر وتعي وتعرف ذاتها أولا؟وعليه إن الفلسفة الإجتماعية قد بالغت كثيرا في تقديس المجتمع والغير والآخر على حساب الأنا العارفة ذات الإرادة والحرية والقصدية في الفعل والسلوك والمعرفة،أما بالنسبة للفلسفة الوجودية والهيجلية،إن تصور الصراع والجدل القائم بين الذات والغير لهو تصور يقلل وينقص ويحط من قيمة وإنسانية الإنسان،فهو مبدء حيواني وبهيمي وليس مبدء أخلاقي وإنساني على الإطلاق،لأنه يصور الإنسان في صراع وتوتر وضغط دائم إزاء نفسه وإزاء الغير والآخر،وبالمجمل إن هاته التفسيرات لم تجانب الصواب تبقى نسبية وقاصرة وعاجزة في فهم الذات الإنسانية والنفس البشرية،والآراء المقدمة لاتمثل الموضوعية العلمية إنما هي آراء تبقى تمثل توجهات أصحابها وقائليها لا غير

“(التركيب مابين الأطروحتين”)
للخروج من الجدل الحاصل حول قدرة المرء على معرفة ذاته من خلال ذاته أم من خلال الغير،نجد أنه من الموضوعية بمكان أن نقر وفق آخر التصورات النقدية والعلمية في ميدان علم النفس ووفق تصور الفيلسوف الإجتماعي الألماني “يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت”أن المعرفة الحقيقة للذات تكمن في العلاقة الحوارية والتبادلية البنائة المبنية على أساس الإحترام بين الذات والذات،إنه لا يمكن على الإطلاق أن تقوم هاته المعرفة على تصور واحد وعلى فكرة واحدةإن الإدراك والعقل والشعور الحدسي والوجداني ضروري لكي تعرف الذات ذاتها،ولكن ليس بمعزل عن محيطها الموضوعي والإجتماعي والخارجي،فهذا المحيط يمثل الإمتداد الطبيعي لها وعامل بناء تقدمي لها،كما أن العوامل الخارجية والموضوعية للغير والآخر ليست القاعدة الوحيدة للمعرفة النفسية إذا لم تكن ثمة إستقلالية وتحرر للذات العارفة التي تتميز بالإرادة والقصدية والشعور،ومن هذا كله لا يجب أن نفهم الموضوع من طابعه الجدلي والنظري والصراعي،بل يجب فهمه وفق العلاقة التكاملية البنائية التقدمية الحوارية وفق تصور هابرماس ومدرسة فرانكفورت”الأقرب للواقع العلمي والإنساني والنفساني.

الخاتمة وحل الإشكالية
مانخلص إليه من خلال تحليلنا وعرضنا ودراستنا لظاهرة وموضوع وقضية النفس والذات الإنسانية -حول قدرتها على معرفة ذاتها من خلال ذاتها أم من خلال الغير-وبعيدا عن الجدل الفلسفي والنظري الحاصل حولها،نجد أن المعرفة الحقيقية تتمثل في مدى التكامل الحاصل مابين الذات العارفة وبين محيطها الخارجي،وإن هاته العلاقة هي علاقة مبنية على اللحظة الزمنية والشعورية الواحدة،والتصورات الحاصلة التي تقضي بالفصل هي تصورات منطقية ونظرية لاغير،وبالمجمل إن تصور هابرماس الفلسفي له تصور قادر على فك هذا الجدل الحاصل لأنه يحول مسار الموضوع من هل تستطيع الذات معرفة ذاتها؟إلى مسار آخر أخلاقي وعلمي يتمثل في مامدى قدرة الذات على كشف حقيقتها في عالمها الإجتماعي وفق حوار بناء وتقدمي بين الذات ومحيطها؟

ختاما:”لقد أسهمت كل هاته النظريات النفسية والإجتماعية في تطور ميدان علم النفس المعرفي والسلوكي والتجريبي،وأبانت كذلك عن تطور كبير في أقل من ألفية واحدة من زمن نشوء علم النفس كتخصص مستقل عن الفلسفة واللاهوت،وعليه إن الفتوحات العملاقة والجبارة في ميدان علم النفس،لهي دليل أكيد على أن هذا التخصص له أهمية كبيرة على الصعيدين العلمي والإنساني،كيف لا وهو التخصص الوحيد القادر على صبر وكشف أسرار الإنسان في بعده الخاص والنفساني.

Design a site like this with WordPress.com
Get started