١١ اليتيم (موضوع)
ولم يزل هذا شأني وشأنها، حتى نزلت بعمي نازلةٌ من المرض لم تنشب أن ذهبت به إلى جوار ربه، وكان آخر ما نطق به في آخر ساعات حياته أن قال لزوجته، وكان يُحسِن بها ظنًّا: لقد أعجلني الموت عن النظر في شأن هذا الغلام، فكوني له أمًّا كما كنتُ له أبًا، وأوصيك ألا يفقد مني بعد موتي إلا شخصي.
فما مرت أيام الحداد حتى رأيت وجوهًا غير الوجوه، ونظراتٍ غير النظرات، وحالًا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فتَداخَلَني الهمُّ واليأس، ووقع في نفسي للمرة الأولى في حياتي أنني قد أصبحت في هذا المنزل غريبًا، وفي هذا العالم طريدًا.
فإني لجالسٌ في غرفتي صبيحة يومٍ إذ دخلت عليَّ الخادم، وكانت امرأةً من النساء الصالحات المخلصات، فتقدَّمتْ نحوي خجلة متعثرة، وقالت: قد أمرتني سيدتي أن أقول لك يا سيدي إنها قد عزمت على تزويج ابنتها في عهد قريب، وإنها ترى أن بقاءك بجانبها بعد موت أبيها وبلوغكما هذه السن التي بلغتماها ربما يُريبها عند خطيبها، وإنها تريد أن تتخذ للزوجين مسكنًا هذا الجناح الذي تسكنه من القصر، فهي تريد أن تتحول إلى منزلٍ آخر تختاره لنفسك من بين منازلها، على أن تقوم لك فيه بجميع شأنك، وكأنك لم تفارقها.
فكأنما عمدتْ إلى سهمٍ رائشٍ فأصْمَتْ به كبدي، إلا أنني تماسكت قليلًا ريثما قلت لها: «سأفعل إن شاء الله ولا أَحَبَّ إليَّ من ذلك.» فانصرفتْ لشأنها، فخلوتُ بنفسي ساعة أطلقت فيها السبيل لعَبَراتي، ما شاء الله أن أطلقها، حتى جاء الليل، فعمدتُ إلى حقيبتي فأودعتُها ثيابي وكتبي، وقلت في نفسي: «قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن أعيش بجانب ذلك الإنسان الذي أحببته وأحببت نفسي من أجله، وقد حيل بيني وبينه، فلا آسف على شيءٍ بعده.». …..✍️
العبرات 💔
