تأملات في سورة الرحمن

تأملات قرآنية
من سورة الرحمن
‏[‏35ـ 36‏]‏
قال عز وجل
‏{‏يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏

ثم ذكر ما أعد لهم في ذلك الموقف العظيم فقال‏:‏ ‏{‏يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شواظ من نار ‏ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان‏}‏ أي‏:‏ [يرسل عليكما‏]‏ لهب صاف من النار‏.‏

‏{‏ونحاس‏}‏ وهو اللهب، الذي قد خالطه الدخان، والمعنى أن هذين الأمرين الفظيعين يرسلان عليكما يا معشر الجن والإنس، ويحيطان بكما فلا تنتصران، لا بناصر من أنفسكم، ولا بأحد ينصركم من دون الله‏.‏

ولما كان تخويفه لعباده نعمة منه عليهم، وسوطا يسوقهم به إلى أعلى المطالب وأشرف المواهب، امتن عليهم فقال‏:‏ ‏{‏فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏

‏[‏37‏]‏ ‏{‏فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ‏}‏

‏{‏فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ‏}‏ ‏[‏أي‏]‏ يوم القيامة من شدة الأهوال، وكثرة البلبال، وترادف الأوجال، فانخسفت شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ‏{‏فَكَانَت‏}‏ من شدة الخوف والانزعاج ‏{‏وَرْدَةً كَالدِّهَانِ‏}‏ أي‏:‏ كانت كالمهل والرصاص المذاب ونحوه ‏{‏فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ‏}‏ أي‏:‏ سؤال استعلام بما وقع، لأنه تعالى عالم الغيب والشهادة والماضي والمستقبل، ويريد أن يجازي العباد بما علمه من أحوالهم، وقد جعل لأهل الخير والشر يوم القيامة علامات يعرفون بها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏}‏

‏[‏41‏]‏ ‏{‏يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ‏}‏

وقال هنا‏:‏ ‏{‏يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ‏}‏ أي‏:‏ فيؤخذ بنواصي المجرمين وأقدامهم، فيلقون في النار ويسحبون فيها، وإنما يسألهم تعالى سؤال توبيخ وتقرير بما وقع منهم، وهو أعلم به منهم، ولكنه تعالى يريد أن تظهر للخلق حجته البالغة، وحكمته الجليلة‏.‏

‏[‏43ـ 45‏]‏ ‏{‏هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏

أي‏:‏ يقال للمكذبين بالوعد والوعيد حين تسعر الجحيم‏:‏ ‏{‏هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ‏}‏ فليهنهم تكذيبهم بها، وليذوقوا من عذابها ونكالها وسعيرها وأغلالها، ما هو جزاء لتكذيبهم

‏{‏يَطُوفُونَ بَيْنَهَا‏}‏ أي‏:‏ بين أطباق الجحيم ولهبها ‏{‏وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ‏}‏ أي‏:‏ ماء حار جدا قد انتهى حره، وزمهرير قد اشتد برده وقره، ‏{‏فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏ ولما ذكر ما يفعل بالمجرمين،
اللهم احفظنا بحفظك
اللهم ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء.

Design a site like this with WordPress.com
Get started