جواهر البلاغة

المَصْدَر:جَواهِرُ البَلاغَةِ في المَعاني وَالبَيانِ وَالبَديع.
المُؤَلِّف:أَحْمَدُ الهاشِمِيّ.

((فِي المحسّنات البديعيّة اللفظيّة))

٣٣_♦️الأُسْلوبُ الْحَكيمُ:
_______________
الأُسْلوبُ الْحَكيمُ : هُوَ تَلَقِّي الْمُخاطَبِ بِغَيْرِ مايَتَرَقَّبُهُ :
٠١إِمَّا بِتَرْكِ سُؤالِهِ وَالإِجابَة عَنْ سُؤالٍ لَمْ يَسْأَلْهُ.

٠٢وَإِمّا بِحَمْلِ كلَامِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى غَيْرِ ماكانَ يَقْصِدُ وَيُرِيد؛ تَنْبيهًا عَلَى أَنَّهُ كانَ يَنْبَغي لَهُ أَنْ يَسْأَلَ هَذا السُّؤال، أَوْ يَقْصِدَ هَذا المَعْنَى.

فَمِثالُ الْأَوَّل: مافَعَلَ القَبَعْثَرِيُّ بِالحجَّاج⚘(١)،
إِذ قالَ لَهُ:«لَأَحْمِلَنَّكَ على الْأَدْهَمِ.» يُرٍيدُ: القَيْدَ الْحَدِيدَ الْأسْوَد،
فَقالَ الْقَبَعْثَرِيّ: «مِثْلُ الأَمير يحملُ على الأَدهمِ وَالأشهَب».
يَعْني الفَرس الأَسْوَد وَالفَرس الأبْيَض. فَقالَ لَهُ الحجّاج: أردت«الحديد»؟ فقال القبعثريّ: أَنْ يَكُونَ حَدِيدًا خَيْرٌ مِن أَنْ يَكونَ بَليدًا.
وَمُرادُهُ تَخْطِئَةُ الحجّاجِ بِأَنَّ الأَلْيَقَ بِهِ الوَعْدُ «لا الوَعِيدُ».⚘(٢).

وَمِثالُ الثّاني: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى:
🌺((يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ)).
[البقرة:٢١٥].
فَقَدْ سَأَلُوا النَّبِيَّ — عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ — عَن حَقيقَةِ ما يُنْفِقُونَ؟فَأُجِيبُوا بِبَيانِ طُرُقِ إِنْفاقِ الْمَالِ؛ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَجْدَرُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ !.

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى:
🌺((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ…)).
[البقرة:١٨٩].⚘(٣).

وقال ابن حَجّاج البغدادي:

قالَ: ثَقَّلتُ؛ إذْ أَتَيْتُ مِرارًا
قُلْتُ: ثَقَّلْتَ كاهِلي بِالْأَيادِي
قالَ: طَوَّلْتُ،قُلْتُ: أَوْلَيْتَ طَوْلًا
قالَ: أَبْرَمْتُ،قُلْتُ: حَبْلَ وِدادِي⚘(٤)

فَصاحبُ ابْن حجّاج يَقولُ له: قَد ثَقَّلْتُ عَليكَ بِكثرةِ زياراتي،فَيصرفهُ عَن رَأيِهٍ في أَدبٍ وَظرف،وَينقلُ كَلامَهُ مِن مَعنًى إِلى مَعنًى آخَر.

وَكَقَوْلِ الشّاعِر:

وَلَمّا نَعى النّاعي سَأَلْناهُ خَشْيَةً
وِلِلْعَيْنِ خوف البَيْنِ تَسْكابُ أَمْطارِ
أَجابَ: قَضى، قُلْنَا: قَضى حاجَةَ العُلا فَقالَ: مَضى،قُلْنا: بِكُلِّ فَخارِ

وَيُحْكى: أَنَّهُ لَمّا تَوجَّهَ «خالد بن الوليد» لِفَتْحِ الحيرة،أَتى إِليهِ مِن قِبَلِ أَهْلِها رَجُلٌ ذو تَجْرِبة،فَقالَ لَهُ«خالد»: فِيمَ أَنْتَ؟ قال: فِي ثِيابِي.فَقالَ:عَلامَ أَنْتَ؟فَأَجاب: عَلى الْأَرْض.
فَقالَ: كَم سِنُّك؟قالَ: اثنتانِ وَثلاثون.
فَقالً: أَسْأَلُكَ عَن شَيْءٍ وَتُجيبُني بِغَيْرِه؟فَقالَ: إِنَّما أَجَبْتُكَ عَمّا سَأَلْتَ.

هامِش:
______
⚘(١):هو الحجّاج بن يوسف الثقفي، كان عاملًا على العراق وخراسان لعبد الملك بن مروان،ثمّ الوليد من بعده، وكان شديد البطش،قاسيًا،حتّى ضُرِبَ المَثَلُ بِجَوْرِهِ وَظُلْمِه،تُوُفِّيَ سنة ٩٥ھ.

⚘(٢):سَببُ ذَلِكَ أَنَّ الحجّاجَ بَلَغَهُ أَنَّ القبعثريّ لمّا ذُكِرَ الحجّاجُ بَينهُ وَبينَ أصحابه في بستان،قال: اللهُمَّ سَوِّدْ وَجْهَهُ،وَاقْطَعْ عُنُقَهُ،وَاسْقِنِي مِن دَمِه. فَوُشِيَ بِهِ إلى الحجّاج، فَلَمّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ،وَسَأَلَهُ عن ذلك،قالَ: إنّما أَرَدْتُ «العنب».فَقالَ لَهُ الحجاج ما ذُكِر.

وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِر:
وَلَقَد أَتَيْتُ لِصاحِبي وَسَأَلْتُهُ
فِي قَرْضِ دِينارٍ لِأَمْرٍ كانَا
فَأَجابَنِي وَاللهِ دارِي ما حَوَت
عَيْنًا،فَقُلْتُ لَهُ: وَلا إِنْسانَا

وَسُئِلِ تاجِرٌ: كَم رأس مالك؟فًقال:
إنّي أمين،وَثِقَةُ النّاسِ بِي عَظِيمَةٌ.

وَقال الشّاعِر:
طَلَبْتُ مِنْهُ دِرْهَمًا
يَوْمًا فَأَظْهَرَ الْعَجَبْ
وَقالَ: ذَا مِن فِضَّةٍ
يُصْنَعُ لا مِنَ الذَّهَبْ

وَسُئِلَ أَحَدُ العُمّال: ماذا ادَّخَرْتَ مِنَ المالٍ؟فَقالَ: لا شَيْء يُعادِلُ الصِّحَّة !.

⚘(٣):بيان ذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ سألوه عن الأَهِلّة: لِمَ تَبْدُو صَغيرة، ثُمَّ تَزدادُ حَتّى يَتكامَلَ نُورُها، ثُمَّ تَتضاءَلُ حَتّى لا تُرى؟
«وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ دَقيقَةٌ مِن عِلْمِ الفلك» تَحْتاجُ إِلى فَلْسَفَةٍ عالِيَةٍ وَثَقافَةٍ عامَّةٍ، فَصَرَفُهم عَنها بِبَيانِ أَنَّ الأَهِلَّةً وَسائِلُ لِلتّوقِيتِ فِي المُعامَلاتِ وَالعِباداتِ؛ إِشارَةً إِلى أَنَّ الأَوْلى بِهم أَن يَسْأَلُوا عَن هَذا.

⚘(٤):فقد وقع لفظ «ثقلت» في كلام المتكلّم بمعنى «حملتك المئونة» فحمله المخاطب على الإكثار من المنن والأيادي، و«أبرمت» وقع في كلامه بمعنى «أمللت» فحمله المخاطب على إبرام حبل الوداد وإحكامه، وليس في «طولت» الأولى الّتي هي من طول الإقامة،وتطوّلت من التّطوّل(وهو التفضل) شاهد.
(انتهى الهامِش).

ص:(٣١٩_٣٢٠).
_____________________
[جواهر البلاغة.أحمد الهاشميّ]

Design a site like this with WordPress.com
Get started