دعابة إبليس

دعابة إبليس
أما إني سأقص هذه الحكاية كما اتفقت لا أزينها بخيال ولا أتزيد فيها بخبر ولا أولد لها مالا فإنما هي حكاية خبث الخبيث فنها حذقه ودهاؤه ورقتها غلظته وشره ومعانيها بلاؤه ومحنته وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم والله المستعان.
لما فكرت في وضع مقالة إبليس من أحاديث ابن مسكين وأدرت رأيي في نهجها وحدودها ومعانيها جعل فكري يتقطع في ذلك يذهب ويجيء كأن بيني وبينه منازعة أو كأن في نفسي شيئا يثنيني ويقطعني عن العزم وخيل إليه حينئذ أن إبليس هذا منفعه من المنافع وأنه هو قانون الطبيعة الذي نص مادته الأولى:
ما أعجبك فهو لك ونص مادته الأخيرة:ما احتجت إليه فثمنه أن تقدر على أخذه.
وهجس في نفسه هاجس أن إبليس قائم في لفظ الحرية، كما هو قائم في لفظ الإثم وأنه إن يكن في قلوب الفساق فهو أيضا في أدمغة الفلاسفة وإن كان في سقوط أهل الرذيلة إلى الرذيلة فهو كذلك في سمو أهل الفن إلى الفن.
قال الهاجس: وإن إبليس أيضا هو صاحب الفضيلة العملية في هذا العصر المادي ،فهو من ثم حقيقه ان يلقبوه صاحب الفضيلة، ولكني لم أحفل بهذه الوساوس ولم أعج على شيء منها واستعنت الله وامضيت نيتي على الكتابة وأخذت أقلب الموضوع وأنبه فكري له وأستشرف لما يؤدي إليه النظر وأتطلع لما يجيء به الخاطر وألتمس مع ابني عليه الكلام كما هي عادتي فلم يقع لي شيء البتة كأنما ذهب أول ابتداء الموضوع فلا أول له ولا سبيل إلى اقتحامه وكأنه من وراء العلم فلا يبلغ إليه وكأنه من التعذر كمحاولة تصوير حماقة الحياة كلها في كلمة وابليس كلمة فيها حماقة الحياة كلها.
ومن عادتي في كتابة هذه الفصول أن أدع الفصل منها تقلبه الخواطر في ذهني أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس وأترك أمره للقوة التي في نفسي فتتولد المعاني من كل ما أرى وما اقرأ وتنثال منها ههنا وههنا ويكون الكلام كأنه شيء حي أريد له الوجود فوجد ثم أكتب نهار الجمعة ومن ورائه ليل السبت وليل الأحد كالمدد من وراء الجيش إذا نالتني فترة أو كنت على سفر أو قطعتني عن الكتابة شيء مما يعرض وفي أسبوع إبليس وفي أسبوع ابليس لعنه الله مرت الأيام الثلاثة، وفيها ثلاثه ألوان ضجر لا روح فيه ،وكسل لا نشاط معه، واضطراب لامساك له، وأطلت التفكير يوم الخميس فكانت تعتريني خواطر مضحكة، فيعرض لي مرة أن أصور إبليس امرأة ،ليكون إبليس الجميل، وتارة أتوهم أن إبليس يريد أن يكون شيخا كبعض الرجال الذين لا تزال تطلع على خائنة منهم، ليقال إبليس التقي المصلي، وحين أظن أنه يريد أن يكون كاتبا مؤلفا شهيرا ليقال إبليس، المفكر المصلح، وخطر لي أخيرا أنه يريد أن يكون ملحدا فاجرا، ليكون إبليس التام لا إبليس الناقص..
مصطفى صادق الرافعي

Design a site like this with WordPress.com
Get started