من غسان إلى غادة..آخر رسالة

آخر رسالة (الحادية عشر ) من غسّان إلى غادة السمّان بتاريخ ٢٥- ٨ – ١٩٦٨ :

” سأعلك الندم عمري . ندمك وندمي .لقد نسفنا بأيدينا الشجرة
الوحيدة التي صادفناها في رحلة عمرينا ، ولم يبق أمامنا إلا أن نكمل الشوط في قيظ الوحدة التي لا ترحم …
أنت وأنا اعتقدنا أن في العمر متسعاً لسعادة اخرى ، لكننا مخطئون !
المرأة توجد مرة واحدة في عمر الرجل ، وكذلك الرجل في عمر المرأة ، وعدا ذلك ليس إلا محاولات في النسيان والندم راقة فوق راقة .
إن اسعدنا هو أبرعنا في التذوير ، أكثرنا قدرة على الغوص في بحر الأقنعة .. ننسى ! ذلك مستحيل ، وانا ايضاً لا اريد أن أنسى .
ليس بوسعي أن أطمر الزهرة الوحيدة في عمري هكذا . لمجرد أنك ذهبت ، أن أملي في أن القاك هو مثل أملي في أن ألقى طفولتي .

إن العمر خديعة يا طليقة ! ، وإلا كيف يمكن أن يكون عمري معك عمراً وعمري دونكِ عمراً أيضاً ، وكيف يمكن ؟ بعد هذين العمرين أن أراك مرة أخرى وتكونين أنتِ واكون أنا ، لماذا لا ؟
أقول لك : إن النسيان أفضل دواء أخترعه البشر في رحلتهم المريرة ، ومع ذلك فأنا لن أنساكِ .
أنتِ تخفقين في رأسي مثل جناحي عصفور طليق ، أمام بصري ينتثر ريش الطائر الذي حط وطار مثل لمح البصر..
وها أنذا ، متروك هنا كشيء على رصيف انتظار طويل يخفق في بدني توق لأراك ، وندم لأنني تركتكِ تذهبين .
أشرع كفّي اللتين لم تعرفا منذ تركت غير الظمأ .
وأقول : تعالي “

– رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السمّان .

Design a site like this with WordPress.com
Get started