تشغل التجربة الذاتية عند الكاتب، ومدى تأثيرها على إبداعه، حيزاً غير قليل في الدراسات النقدية، حيث بات في حكم المعروف، أن أي إبداع إنساني، لا يمكن أن يكون في منأى عن التجربة الذاتية لدى المبدع، وإن كان من الممكن أن يتبنى الكاتب-في أحايين كثيرة- تجارب سواه، في إبداعه، بيد أن ذلك نفسه لايمكن أن يكون بعيداً عن خلاصات رؤيته للذات، والعالم، بل إن أي تناول للآخرين من قبل الكاتب، يخضع للسلم القيمي والأخلاقي عند الكاتب نفسه، إذ من خلاله يطلق هذا الكاتب أحكامه على سواه، لأنه لا يمكن للكاتب أن يتحرر-نهائياً- من سطوة هذه التجربة، حتى وإن كانت العوالم المتناولة بعيدة جداً عن عوالمه الخاصة .
إن حضورالذات في العمل الإبداعي، يكون في بعض الأحيان بشكل حرفي، بينما يكون هذا الحضور في أحايين أخرى جزئياً، وهذا ما يتعلق بقوة وأهمية الحدث وعلاقة الكاتب به، مادام أن هناك أحداثاً يومية صغيرة، قد لايكون لها أي أثر ممكن، بينما هناك أحداث كبيرة تترك أثرها في نفس الكاتب، ولابد من أن تظهر بهذا الشكل أو ذاك .
لا يمكن استبعاد الذات عن الإبداع، لأن الذات موجودة، ولا يمكن إبعادها، إلا أن الأمر يختلف بين كاتب وآخر، حيث إن هناك من تكاد إبداعاته تكون نسخة طبق الأصل عن عالمه، بينما هناك من تكون هذه الذات حاضرة جزئياً، وهل يمكن للمرء أن يغيب نهائياً معايشاته مع الوسط الذي يحيط به، أو هل في إمكانه أن يبعد تأثير قراءاته عليه، وهو يكتب؟، أو هل يستطيع أن يبتعد نهائياً عن انعكاسات آثار تواصله مع من حوله؟ وفي المحصلة، فإن إبداع أي كاتب هو جملة تجاربه، وخبراته، وقراءاته، ولايمكن إلغاؤها وشطبها .
يقول الشاعر محمد البريكي: ثمة مقولة ترى أن الإبداع هو المرء نفسه، وإن كان هذا ما يؤدي في بعض الأحيان إلى التوهم بأن ما يتناوله الكاتب في أدبه، إنما هو رصد لما جرى معه، حياتياً، مؤكد أن في هذا ظلماً للكاتب، لأن الكاتب الذي يفني حياته دفاعاً عن الخير، حينما يكتب عن الشر، فإن البطل الذي يجسد شخصية الشرير، لا يمكن بأي شكل من الأشكال، أن يكون امتداداً له، ولعل هذا المثال الذي شخصته يمكننا تعميمه إلى مديات بعيدة، مع أني أرى أن رؤية الكاتب التي يستخلصها حياتياً، إنما هي مكونة من خلال بوابة التجربة الذاتية .
إن التجربة الذاتية هي عصب الإبداع، بيد أن هذا العصب لا شأن له، من دون توافر عوامل أخرى، لولاها لا يمكن أن يكون هناك إبداع إنساني .
وقالت الكاتبة أسماء الزرعوني: إن التجربة الذاتية للمبدع، تؤثر على نحو واضح على إبداعه، بل إن مجال عمل الكاتب، له تأثيره الخاص على ما يكتبه، وأضافت: إن عوالم الروائي علي أبوالريش متأثرة بدراسته لعلم النفس، وإنني عندما كنت أعمل في سلك التعليم، فإن مفردات هذا العالم كانت واضحة التأثير علي، أضف إلى أنني دائماً أقول: إن أكثر شخصياتي، فيها جزء من ذاتي .
وتقول الكاتبة وفاء العميمي: التجربة الذاتية لها حضور كبير في ما يكتبه الأديب، فهو يستقي منها كثيراً من مواضيعه، ولا يعني هذا أنه يكتب عن ذاته لكنه يكتب عن الحياة من حوله، والتجارب التي شاهدها وخبرها في الواقع اليومي، وفي بعض الأحيان تجاربه هو الخاصة، وللتجربة الذاتية فاعلية كبيرة في تدفق أسلوب الكاتب، واسترساله لأنه يكتب عن أشياء يعرفها بالتفصيل ويستطيع أن يصفها بدقة، وأن يقارن بينها وبين غيرها، وأنا في بعض الأحيان أكتب بضمير المتكلم، وفي البعض الآخر أستخدم ضمير الغائب، وكثيراً ما يخلط القراء بين ضمير المتكلم وبين الكاتب نفسه، فيظنون أنه يكتب عن نفسه، وهذا ليس صحيحاً، لأن الضمير هو مجرد حيلة فنية، وكثيراً ما أفاجأ ببعض القراء الذين يسدون لي نصيحة أو يظهرون لي التعاطف بعد ما يقرأون إحدى قصصي، فيتوهمون أنني البطلة، أو أنني أحكي عن أشياء خاصة بي، وفي قصتي القصيرة التي بعنوان سالم التي يظهر الأب فيها اهتماماً بأبنائه الأصحاء ويهمل ابنه المعاق، ثم يحصل في حياته ما يدفعه للاهتمام بهذا الابن المعاق، والبحث عن وسيلة لتخفيف معاناته، بعد نشر هذه القصة كان الكثيرون يقدمون لي الآراء ويشرحون لي طرائق المعاملة والعلاج ظناً منهم أنني أحكي حكاية خاصة بي، وهذا الخلط وإن كان فيه نوع من عدم الخبرة بما يحدث عند الكتابة إلا أنه يشير أيضاً إلى أهمية التجربة .
