الأديب الكبير يوسف إدريس



مقدمة

يــُـعتبر الأديب الكبير يوسف إدريس (1927- 1991) أحد المــُـبدعين المصريين ، والذى ترك بصمته الخاصة ، سواء فى مجال الإبداع الأدبى بتنويعاته (قصص قصيرة ، روايات ، مسرح) أو فى مجال الفكر والثقافة والقضايا السياسية ، التى عالجها فى كتبه ومقالاته الصحفية ، وبصفة خاصة فى المجلات والصحف المصرية ، وبالأخص مقاله الأسبوعى بصحيفة الأهرام .

ويذهب ظنى أنّ يوسف إدريس يستحق أعظم التقدير ، نظرًا لأهميته فى إثراء الحياة الثقافية المصرية (والعربية) وكان من بين تميز إدريس أنه رفض الانسياق وراء الثقافة السائدة ، سواء فى الإبداع أو فى المنظومة الثقافية (بشكل عام) وكان من بين نماذج هذا التميز أنه أصرّ على كتابة الحوار على ألسنة شخصيات قصصه القصيرة باللغة التى أطقتْ الثقافة السائدة عليها (العامية) أو (عامية اللغة العربية) وهذا التعبير غير علمى ، حيث أنّ اللغة التى يتكلمها شعبنا المصرى فى حياته اليومية، لها بنيتها اللغوية المختلفة تمـامــًـا عن اللغة العربية، ولعلّ ذلك من بين الأسباب التى جعلتْ يوسف إدريس يكتب (فى بداية حياته الأدبية) قصصه القصيرة بالعامية المصرية (كما قال كثيرًا فى أحاديثه الصحفية) وهو عندما كتب قصته الأولى (أرخص ليالى) عام 1950 أصرّ على كتابة كلمة (ليالى) وفق المنطوق المصرى ، وعندما طلب منه رئيس تحرير المجلة تصحيح الكلمة وكتابتها (ليالٍ) وفقــًـا لقواعد اللغة العربية، رفض ودافع عن وجهة نظره، وبالتالى نــُـشرت القصة بالعنوان الذى أراده .

وفى شهادته عن أسلوب كتابته فى الإبداع ، قال فى (مجلة فصول) العدد الرابع : يوليو، أغسطس، سبتمبر 1982) : أود أنْ أتحدث قبل الإجابة عن الأسئلة ، عن قضية الأصالة ، والإنجاز الذى حققه جيلى ، وإذا حاولنا مناقشة الإزدهار الذى حدث فى الستينيات ، نجد أنه يتمثل فى إتجاهنا نحو الشعب ، ومخاطبته (قدر المستطاع) بلغته، وعدم الاستحياء من الكتابة بهذه اللغة ، وهذا التوجه بدأ بالقصة القصيرة ، وامتد للكتابة للمسرح . وأضاف :

وإذا تحدثتُ عن تجربتى فى كتابة القصة القصيرة ، أقول إنها غير تقليدية ، بل هىتجربة فريدة ، لقد كانت العادة أنْ يقرأ الكاتب قبل أنْ يستعد للكتابة ، ولكننى أحسستُ بحبى للقصة القصيرة ، بالرغم من قراءاتى القليلة جدًا ، دفعنى هذا الإحساس الغريزى إلى كتابتها ، والبعض قال إنى قد تأثرتُ بتشيكوف ، ولكن هذا حدث بعد ذلك بمدة طويلة .

الفصل الأول

بداية المشوار الفنى

قال يوسف إدريس فى أكثر من حديث صحفى : لقد بدأ مشوارى الأدبى وأنا مزوّد بسلاح الانتماء الشعبى ، وكل قضايا شعبنا المصرى ، وساعدنى على ذلك أننى نشأتُ وسط الحركة الوطنية ، وكنتُ من قيادات كلية الطب ، وشعرتُ أنّ كتابة القصة القصيرة قد تجعلنى أكثر فاعلية فى خدمة الشعب . وكان اتجاهى لكتابة القصة وسيلة لاكتشاف الفن ودراسته، وبالرغم من كتاباتى الكثيرة ، وتقدير النقاد والثناء الذى أسبغوه علىّ وعلى إبداعى ، فإننى لازلتُ فى مرحلة اكتشاف ذاتى وقدراتى . وأعتقد أنّ القصة القصيرة أصعب شكل أدبىى ، وأسهل شكل أدبى فى نفس الوقت ، وسهولته (كما حدث معى) أننى أتخيل أننى أخاطب بعض الناس أمامى ، كما كان يفعل الراوى الشعبى .

وأعتقد أنّ أهم لحظة فى حياة الكاتب هى لحظة (الكشف) أى عندما يكتشف ماذا يريد من الكتابة ، وهى لحظة المتعة التى يسعد بها الكاتب ، وما عرفته من الكتابة لم أتعلمه من أى كتاب ، وهو إحساس بالفطرة والسليقة. وأنا أكتب وفى ذهنى ما أتمناه ، وهو أنْيتمثلنى القارىء وهو يقرأ . ويغيب عن ذهنى أثناء الكتابة أى عامل خارجى ، مثل ظروف النشر .

وقد سألنى كثيرون : هل توجد أسرار خاصة تتعلق بكتابة القصة القصيرة ؟ وكان جوابى : ليس للقصة القصيرة أية أسرار. وأنا لو استخدمتُ تكنيكــًـا واحدًا فى كل كتاباتى ، أشعر أننى انتهيتُ كأديب . ولو اكتشفتُ أنّ ما كتبته له مغزى مباشر، أشعر بالغضب ، لأنّ القصة القصيرة – كما أعتقد – عبارة عن (خلق كون) أو (خلق جنين) وأنا لا أعرف نوعه ، ولا أعرف هويته ، ولا ماذا يحب أو ماذا يكره .

***

نماذج من كتابات بعض النقاد عن يوسف إدريس

الدكتور طه حسين :

كتب د. طه حسين مقدمة عن مسرحية (جمهورية فرحات) عام 1956 قال فيها : هذه مسرحية ممتعة وسعدتُ بتقديمها ، لأنّ كاتبها من هؤلاء الشبان الذين نعقد عليهم الآمال ، ليضيفوا إلى رقى مصر رقيــًـا ، وإلى ازدهار الحياة العقلية ازدهارًا. وكان كل شيىء فى حياة هذا الشاب الأديب جديرًا بأنْ يشغله عن الأدب، ولكنه رأى أنّ الأدب لا يقل نفعــًـا للناس عن مطالب الحياة المادية ، وإنه يــُـمتع العقل والقلب . وهو قد تهيأ فى أول شبابه لدراسة الطب ، ولكن للأدب استئثارًا فى بعض النفوس ، وسلطانــًـا على بعض القلوب ، لا يستطيع الإنسان مقاومته إذا امتلكه (حب الأدب) وقرأ كثيرون كتابه الأول (أرخص ليالى) فرضوا عنه واستحسنوه . وأعجب به النقاد وشجعوه .

ولما قرأتُ وجدتُ المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق، وصــِـدق الملاحظة، وهو ما يدل على تعمقه فى حياة الناس الذين يكتب عنهم . وهو يمضى فى طريقه ثابت الخطو ، وما أشكُ فى أنه سيبلغ من الأصالة والرصانة ما بلغ الذين سبقوه ، والطبيب / الأديب يخالط الإنسان ، ويضع يده على ما يــُـشخص العلل حين يفحص مرضاه ، وينقل إلينا خواطره ، وله بعد ذلك خصلة تميزه عن غيره من الكتاب الشباب ، مثل الميل إلى تصوير الحياة الاجتماعية ، فإنّ تصويره يختلف عن تصويرهم. ولا يمنعه ذلك من أنْ يفرد للفرد ، فيــُـحسن تصويره فى دقة نادرة . وكل هذه الخصال تبشر بأنّ الأديب الشاب يوسف إدريس سيبلغ ما يريد . ولكنى أتمنى عليه شيئيْن أحدهما ألا ينقاد للأدب لدرجة أنْ يشغله عن الطب ، أو أنْ يستأثر بحياته كلها، فالأديب يجود ويرقى ويمتاز بمقدار ما يجد من مقاومة وامتناع عن مغريات الحياة . ومطلبى الثانى أنْ ((يرفق باللغة العربية)) ويبسط سلطانها على نفسه ، وهو مــُـفصح إذا تحدث ، ولكنه ينطق شخوصه (بالعامية) كما يتحدثونها فى حياتهم اليومية.. أما بعد فإنى أهنىء كاتبنا الأديب يوسف إدريس على جهده هذا الخصب ، وأتمنى أنْ أقرأ له كتبــًـا أخرى ممتعة إمتاع هذيْن الكتابيْن : جمهورية فرحات ، وأرخص ليالى .

***

الدكتور عبدالقادر القط :

ونظرًا لأنّ د. عبدالقادر القط ، من نفس (مدرسة الدفاع عن اللغة العربية) مثل د. طه حسين ومثل معظم المتعلمين المصريين ، لذلك كتب فى كتابه (قضايا ومواقف) الصادر عن الهيئة العامة للتأليف والترجمة والنشر عام1971 ، أنّ د. يوسف إدريس كتب فى يومياته عن المحاولات التى تــُـبذل لتعريب بعض أسماء المخترعات الحديثة ، وكان ذلك فى ندوة عامة ، وأنه لم يستطع منع نفسه من الضحك ، لمثل هذه المحاولات ، التى ضحك منها كثيرون . وقال إننا نخنق اللغة العربية بهذا التزمت .

فكان تعقيب د. القط : فى اعتقادى أنّ الأمر ليس فيه ما يضحك ، وأنه أخطر من تناوله بهذه الخفة والبساطة ، فلكل لغة مقوماتها وخصائصها ونسقها الصوتى، ومع ذلك لاينبغى للغة العربية أنْ تفتح صدرها لكل ما يرد عليه من ألفاظ أجنبية، فتفقد بذلك كثيرًا من أصالتها، وهذا ما أدركه فريق فى أواخرالقرن التاسع عشر، عندما وجدوا آلاف الألفاظ (المعرّبة) ولو استمرّ التعريب حتى اليوم ، ستــُـصبح لغتنا (العربية) خليطــًـا من الألفاظ الأجنبية (من دول أوروبية مختلفة) وإذا لم يكن لدينا من الألفاظ العربية المقبولة ، ومع التعمق سنشعر أنها ألفاظ (عربية) فى الأصل.

ومن أعجب العجب أنْ يقول د. يوسف إدريس : إننا نزوّر فى أسماء المخترعات الأجنبية ، حين نضع لها ألفاظــًـا عربية ، وأنّ اسم الاختراع ليس حقيقة الاختراع ذاته ، وإنما هو مجرد اصطلاح ، تلعب المصادفة والتفاصيل دورًا كبيرًا فى اختياره . وكان من الممكن أنْ تــُـسمى معظم الاختراعات فى بدايتها بأسماء غير التى عرفناها . ومع أنّ اللغات الأوروبية تتشابه فى كثير من قواعدها وأصولها ، فإنه ليس صحيحــًـا ما يقوله د. إدريس من أنّ التليفزيون يــُـعرف بهذا الاسم فى كل اللغات ، وهذا غير صحيح ، فهو فى الانجليزية : تليفجن ، وبالألمانية : فيرن – سى وبالصينية : تين – فى .



قرأ إدريس ما كتبه د. القط فردّ عليه قائلا : سأتجاوز عامدًا عن الطريقة التى لخــّـص بها د. القط كلامى عن (تعريب) بعض الاكتشافات والاختراعات الحديثة ، وسأتجاوز عن وصف كلامى (بالبساطة والخفة) المهم أنّ صديقى د. القط اتهمنى بأننى دعوتُ لنفتح صدورنا لكل ما يرد إلينا من ألفاظ أجنبية ، وبالتالى ((تفقد اللغة العربية الكثير من خصوصيتها، ومن أصالتها)) وأنا أسأله: من أين جاء بهذا الكلام الذى لم أكتبه أو أقله ؟ وكلمتى موجودة ومنشورة ويمكن الاطلاع عليها . إنّ كل ما قصدته هو التنبيه إلى خطورة الاتجاه القائل بأنّ باب الاضافة فى اللغة العربية ((قد أغلق)) وعلينا أنْ نبحث فيما كتبه العرب منذ آلاف السنين ، أى (قبل وبعد الإسلام) وذلك بهدف العثور على كلمات نجد فيها المقابل للاختراعات والمكتشفات ، التى أنتجتها العلوم الحديثة ، وبالتأكيد لن نعثر فى الأضابير (العربية القديمة) على الألفاظ المعبرة عن الاكتشافات الحديثة ، ولا يكون أمامنا إلاّ (التعسف) فى استنباط هذه الأسماءحتى لو أدى بنا الأمر إلى التجاوز عن المضمون العلمى ومعناه ، وضربتُ مثالا بالتليفون وقلتُ إنّ علينا أنْ لا نفتعل اسمــًـا لجهاز التليفون الذى لم نــُـنتنجه ولم نخترعه. وقلتُ إنّ جدودنا كانوا أشجع منا عندما استخدوا المخترعات الحديثة دون تغيير فى مسمياتها ، وكذلك فعلوا فى مصطلحات العلوم مثل الكيميا ، كم أخذوا عن الفرس والروم الكثير من الألفاظ ، كما أننا لازلنا نستخدم الكثير من الألفاظ التى كانت شائعة فى مرحلة اللغة القبطية ، وقلتُ إنّ أية لغة لم تهبط على البشر من (عالم الغيب) وإنما البشر هم الذين توصلوا إليها ، وفق خبرتهم عبر آلاف السنين ، ووفقــًـا لمعطيات واقعهم وبيئتهم ، كما أنهم طوّروها وبـدّلوا فيها بما يتلاءم مع التطور فى كل مرحلة زمنية. كما أننا نستخدم الآن لغة عربية مختلفة تمام الاختلاف عن اللغة العربية التى استخدمها العرب منذ 1400 سنة ، أو أبعد من ذلك كثيرًا (جريدة الجمهورية 13 مايو 1960)

***

الفصل الثانى

تحليل لبعض قصص يوسف إدريس



كتب الناقد ب . م . كربرشويك دراسة عن بعض أعمال إدريس ، ونــُـشرتْ فى مجلة بريطانية عام 1981 ومصحوبة بدراسة أخرى (بيوجرافية) عن يوسف إدريس. وهذه الدراسة أعيد نشرها فى مجلة فصول عام 1982 (مصدر سابق)

فى القسم الأول تناول القصص الواقعية :

وعن قصة (خمس ساعات) كتب إنّ أحداثها تدور حول الجهد اليائس الذى بذله الطبيب الراوى (وهو المؤلف يوسف إدريس) لانقاذ حياة المناضل السياسى (عبدالقادر طه) الذى قــُـتل غدرًا بمعرفة البوليس السياسي فى عهد الاحتلال البريطانى، ونــُـقل المصاب إلى مستشفى قصر العينى (باشا) ومات بعد خمس ساعات من وصوله، وتــُـعد هذه القصة أول بوادر نضج القصة عند إدريس ، حيث جمع فيها الأصداء الاجتماعية والسياسية ، واختفتْ منها أية سمات رومانسية، وتميــّـزتْ بثراء التفاصيل الواقعية والبناء المتوازن ، واللغة السلسة المتدفقة ، خاصة مع استخدامه اللغة العامية المصرية ، وتفردها فى طريقة (تركيب الجملة) ومفرداتها البديعة المعبرة عن الشخصية المصرية.

ويكشف التحليل الموجز للقصة عن درجة عالية من الإحكام، حيث ينشأ توترها بين قطبيْن مختلفيْن ، أولهما العالم الواقعى للمستشفى ، وثانيهما العنف خارج جدرانها ، مع استغلال الحدود الصارمة للزمان والمكان ، ومع مستوى الأسلوب الحاذق (فى الإيقاع)

تبدأ القصة بوصف حجرة قديمة داخل المستشفى ، يسودها الهدوء ، بينما تجرى الأعمال الروتينية المعتادة ، وفجأة يسود الصمت، لكنه صمت مخاتل ، ويتأهب الأطباء للعمل ، ولا يقطع الصمت سوى صرير عجلات الترولى فى الممر. وبعده يأتى صوت مشحون بالقلق صائحــًـا : حالة ضرب يا بيه، الفدائيين (كتبها وفق السائد فى النطق المصرى) قتلوا واحد ظابط بريطانى)) مع صوت سيارة الإسعاف. ويستمرالتضاد الدرامى الذى خلقه الكاتب فى الفقرات الأولى ، حيث اكتشف الطبيب ثلاث رصاصات فى ظهر المصاب ، والبحث المضنى عن (فصيلة الدم) المناسبة. وقال الراوى: أحسستُ أول الأمر أنّ أشياء كثيرة حولى تلهث ، فشعرتُ بالحجرة كلها تزفر وكأنها ((رئة محموم)) وقام يتمشى فى الحجرة، ويعود للمصاب ليتأمل الجرح والدم المندفع الذى أغرق الملايات والمرتبة، ومعنى أنْ يبدأ النزيف فالرسالة موت المصاب . وكما كان الفشل فى وقف النزيف، كان الفشل فى تغيير المصير الفاجع للمصاب. ولكن الطبيب الراوى يواصل تأمله للمصاب، ليتعرف على ملامحه، إنها (ملامح مصرية) ويضيف ((مصرية من ذلك النوع الذى يوقظ فى الإنسان المصرى (مصريته) ويجعله يعشق وطنه.

وفى الجزء الثانى من الدراسة كتب الناقد (كربرشويك) بعنوان فرعى: الالتزام الأدبى والشخصية القومية قال فيه:

لقد وجدتُ الدعوة إلى البحث عن جذور الشخصة المصرية فى مقالات كثيرين من المثقفين المصريين، أمثال طه حسين، وعبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم، واكتشفتُ أنّ إدريس (فى مرحلة لاحقة من حياته) أنه قابل حركة الواقعية الاشتراكية ((بإنكار شديد)) وفى تفسيره لانحيازاته الأدبية قال إدريس: أجد نفسى دائمــًـا متأثرًا بشخصية المواطن المصرى البسيط ، وكل قصصى تدور حوله، لأنى معجب بفلسفته وبطولته ((وجبنه وشجاعته)) وأنا آخذ منه نموذجــًـا وأكتب عنه، كما فى (جمهورية فرحات) و(أرخص ليالى)

وكان تعقيب الناقد أنّ إدريس تجاوز عن الجمود المذهبى للواقعية الاشتراكية، واهتـمّ بتجسيد النموذج الأعلى للإنسان المصرى، وقد آمن إدريس أنّ بحثه عن الشخصية المصرية سيساعده على الإمساك بطرف الخيط الذى يقوده إلى اكتشاف طريقة الكتابة فى إبداعه، من خلال الغوص فى مفردات المكوّن الأساسى للشخصية المصرية، مثل ميوله للفكاهة وبراعته فى (تأليف النكت والمواويل والأمثال) التى أعتبرها (قمة فى الحكمة) واكتشف إدريس الشخصية المصرية عندما تأمل تصرفاته، وسلوكه الإيجابى والسلبى وتناقضاته، وهنا وقع على (شخصية الفرفور) أى المواطن البسيط الذى يــُـمثل غالبية المصريين.

وأضاف الناقد إنّ ما يقرب من ثلث قصص إدريس المنشورة بين عامىْ 53، 1961، تدور فى مناطق ريفية، وسعىْ جموع الفلاحين الفقراء المستميت من أجل البقاء، وتروى قصة (المرجيحة) عن الفلاح الذى يعانى من إصابته بسرطان المثانة نتيجة البلهارسيا ، وترك مهنة النجارة ولجأ للفلاحة، وقد تصوّر أنّ مجهودها أخف من النجارة، وإذا به يكتشف أنها أكثر شقاءً ، وفى قصة (المأتم) وصف إدريس المشهد الساخر بين (حانوتى) وشيخ قروى حول ((ثمن الصلاة)) التى يؤديها الأخيرعلى أرواح الموتى، ولاينصب التركيز على (ذروة القصة) أو لحظة التنويربقدرما ينصب على رسم تخطيطى لقطاعات ثابتة من واقع اجتماعى، يتطوّرعبرخطوط تتداخل بمهارة. وإنّ (جمهورية فرحات) واحدة من روائع الفن الواقعى، حيث تتبدل المواقف الهزلية فى رؤى الشاويش فرحات عن (فردوس اشتراكى متخيل) فى تناقض مع الواقع الخشن المحيط به، وعندئذ يبدأفى السخرية من أحلامه الشخصية، والسخرية من ((كلام المناضل الثورى)) ويقول له: ((يا شيخ فــُـضك من الكلام ، آهو مجرد كلام، إنت بتسدق))

وبعد الافراج عن إدريس عام1956، بعد اعتقاله عام1954، ظهرتْ تنويعة جديده فى إبداعه مثل (قصة أبوالهول) وقصة ليلة صيف) وغيرهما..وفى هذه القصص تخلــّـص من صرامتها السابقة..وفسح المجال للغة ذاتية أكثرشاعرية. وفى (قصة الليل) تتقابل جماعة من الفلاحين، أنهكهم العمل فى الحقول طوال اليوم..وبينما يدخنون الجوزة، ويسمعون ويستمتعون بنكت (فرفورالقرية) الذى هوأفقرمنهم، يسرى الهواء الرطب إلى أجسادهم المتعبة ((فينعشها))

وفى (قصة أبوالهول) شخصية طالب فى كلية الطب، يجلس فى عزاء داخل سرادق ضخم..ويستمع إلىصوت مقرىء أخنف قبيح، ومال الطالب إلى حلاق الصحة بهدف إحراجه وإظهاربراعته أمام المعزين..وكل ذلك يتداخل مع صوت المقرىء الذى يتلوآيات من القرآن عن عقاب العصاة ((فى جهم) وبالرغم من أنّ حلاق الصحة كان يردّد وراء المقرىء: الله الله يا شيخ، إذا به يدق فى الليل على باب الطالب ومعه الجثة التى طلبها منه.

وفى (قصة ليلة صيف) وهى واحدة من قصص إدريس البهيجة، نتعرّف على مجموعة من الصبية، فى إحدى الليالى خارج القرية، ويجلسون فوق كومة من القش والتبن ويثرثرون. كان المساء موعدهم المفضل، بما يبثه الليل من تأجيج المشاعر((فى أجسادهم المحمومة بالرغبة..والباحثة عن متنفس جنسى))..وكانت خواطرهم تقول: نــُـحب الليل، نحبه وكأننا نرى فى سواده وهدوئه وحنانه ((امرأة جميلة)) ونكرهه كأنه ((رجل خشن غليظ القلب))

أما الشاب الريفى (محمد) فقال عن المدينة: فيها محطة سكة حديد، وفيها أفندية، وشيئــًـا كبيرًا مثل الجنة، وفيها بنات كاللبن الحليب..وكنا نرى النهارمنتصبــًـا كرجل عملاق قامته أعلى من (قامة الشمس) ولارحمة فى قلبه، وفى يده هرّاوة ضخمة، وتقدح عيناه بالشر..ونحن متجهون إليه وخائفون.

كان تعقيب الناقد: إذا تجاوزنا عن الجوالشاعرى، لفتَ انتباهنا التقابلات المتضادة بين الليل والنهار، بين الحلم والحقيقة، بين القرية والمدينة، بين (حلم الفردوس الاشتراكى) وبين الواقع المر، وذلك دون كلمة واحدة مباشرة.

وفى (قصة النداهة) يــُـفاجأ الفلاح (حامد) الذى ترك القرية ليعمل فى المدينة بمهنة (بواب) وزوجته (فتحية) مجرد (خادمة) ولكنه عندما وجدها راقدة على الأرض..وسكنتْ فيها كل حركة، فى تلك اللحظة شعرأنه (مات) وهوينظرإليها عارية وفوقها يرقد الأفندى..والولد الصغيرملتصق برأسها..وبالرغم من ذلك فإنّ الزوج (حامد) لم يــُـطبق العرف المصرى (عن الشرف) سواء فى القرية أوالمدينة.

وفى قصص (طبلية من السماء) و(الشيخ شيخة) و(حادثة شرف) نجد مأساة الشخصيات الرئيسيةتنبع من اضطرارها إلى الخروج عن الأصول..وتحولها إلى (ضحايا) بسبب تنازلها عن أعرافها التى توارثوها عن جدودهم.

ولكن إدريس ببراعته الإبداعية، استطاع مزج مأساة شخصياته بالسخرية التى استمـدّها من الشخصية المصرية..ومن أبرزمثال على ذلك قصة (طبلية من السماء) وفيها يردّد الفلاحون مأثوراتهم المتوارثة مثل: العجلة من الشيطان..وأنّ يوم الجمعة فيه ((ساعة نحس))..وفى هذه الأجواء..ومع الاستعداد لصلاة الجمعة، يشتعل رأس الشيخ على بفكرة لم يستطع مقاومتها، فإذا به يعلن على الملأ أنه سيرتد عن الإسلام ((ما لم يرسل الله وليمة عامرة)) فعل ذلك لأنه بائس مسكين، عقد الفقرمعه (معاهدة) لافكاك منها، مثل معاهدات الدول الاستعمارية، مع الأنظمة التابعة لها..وللخروج من هذا المأزق، فإنّ أحد الميسورين (والذى يعلم بظروف الشيخ على) يتطوّع بتقديم وليمة تجمع فقراء الحى.

ويلتقط إدريس (شخصية العبيط) المنتشرة فى الريف فكتب (قصة الشيخ شيخة) عن الأبله الأصم الأبكم..وتعدّدتْ آراء الأهالى فى أمره..وتقوّل عليه البعض بأنه (يجامع حمارة الشيخ مأذون القرية).. ومع ذل انتشرتْ (خرافة) صدّقها الفلاحون (عن بركات الشيخ شيخة)..والرهبة التى استحوذتْ عليهم ليست رهبة النظرإلى شيىء مخالف شاذ، يكشف عن (كنه نظام الكون)..وإنما هى ((رهبة من نظام الكون))..ولذلك تساهل الأهالى مع (شذوذ) الشيخ شيخة.

وعن (مفهوم الجنس) لدى غالبية الفلاحين، تدورقصة (حادثة شرف)..وفيها يــُـبدى المبدع تعاطفه مع الفلاحين..والصفح عن سلوكهم القاسى..ولذلك يسهل على القارىء أنْ يفهم سخط (فرج) لتحمله مسئولية أخته فاطمة، المتمتعة بقدرغيرعادى من الأنوثة. وذت يوم يهاجم (دون جوان) القرية فاطمة، عبرحقول الذرة، صرختْ البنت، تجمــّـع البعض..وتأكدوا أنها لم تــُـصب بأذى، وبالرغم من ذلك اعتبروها (قد) ارتكبتْ (الخطيئة) مثلها مثل بطلة رواية الحرام..والأكثرشناعة مع البنت فاطمة أنّ نسوة القرية، كتفوها ليتأكدوا من (وجود الشرف) المزعوم فى أدمغتهم..وإذا بهنّ بعد انتهاء (مهمتهنّ المقدسة) يــُـطلقنَ الزغاريت..ويــُـعلنّ براءة البنت..مع كلمات: ((سليمة إنْ شاء الله..والشرف منصان))

وفى قصة (تحويدة العروسة) بدأها إدريس قائلا: كون الشراقوة بلدياتى كرماء..وهى مسألة لانقض فيها ولا إبرام، لذلك فإنّ أهالى القرية، التى يمربها محمل العروسة، يستضيفون المحمل طوال الليل..وغالبــًـا ما يرفض أهالى العروسة الضيافة، فينقلب الفرح والكرم إلى (معركة) بين الجانبيْن.

***

الفصل الثالث

مرحلة الكتابة المتأخرة



لقد شهدتْ فترة الستينيات، تغيرًا جذريــًـا فى أسلوب يوسف إدريس فى كتابته للقصة القصيرة. حيث صويرالحياة الواقعية البسيطة للطبقات الفقيرة فى الريف..وحوارى القاهرةتصورًا أكثرتعقيدًا..وأصبحتْ مشاهد القصص وشخصياتها أكثرشمولا..وتحوّل أسلوب النثرليقترب من الشعر..وابتعاده عن الواقعية، مثل قصته (شيخوخة بدون جنون) حيث اشتقّ العنوان من عبارة قانونية تعنى أنّ شخصــًـا ما قد مات لأسباب طبيعة..وعندما قام (مفتش الصحة) الذى يــُـصدر شهادات الميلاد والوفاة، بفحص جثة (عم محمد) أحد صبيان الحانوتية، فتذكرمفتش الصحة..وهوفى طريقه لفحص الجثة، كيف كان الرجل العجوزالذى كان يصحبه إلى بيوت الموتى..وكيف كان يقوم بتقليب الجثث، فيشد شعرها..والحملقة فى عيونها، وتحسس عظامها ليتأكد أنّ الوفاة طبيعية..وأثناء تقليب جثة عم محمد فإنّ مفتش الصحة تخيــّـل أنّ الجثة تتحرّك..وأنّ الميت يبحلق فى وجهه..ويقول له: إوع يا جدع، مش قلت لك إبعد عنى.

كما أنّ إدريس أدخل الفانتازيا فى الكثيرمن قصص هذه المرحلة..وهوفى قصة (على أسيوط) نتعرّف على (شخصية أحمد المجلس البلدى) أوأحمد العقلة..وهوحلاق ذوساق واحدة..ومع ذلك ((كثيرالسفر..ويمتهن الكثيرمن الحرف الشعبية))..وهوطيب بالرغم من سرعة غضبه..ويعتمد عليه الأهالى فى إصلاح قنوات الرى..وطلمبة المسجد، بالرغم من أنه لايذهب إلى المسجد للصلاة أبدًا..وإذا دُعى إلى مأدبة عرس غمره الخجل..وتردّد فى قبول الدعوة..وعندما أخبره طبيب وزارة الصحة، بإمكانية تركيب ساق صناعية شعربالسعادة..ولكن ساقه الصناعية تسبــّـبتْ فى كوارث كثيرة (من وجهة نظره) مثل شراء شراب يتناسب مع الساق الصناعية..وتوقفه عن اللعب وتسلق النخل..والغوص فى قنوات الرى..والنوم على الأرض..واضطراره للمشى بحركات وقورة، وحرمانه من القفزوالسفرعلى سطح القطار..ولكنه حوّل كل هذا لرغبة طرأتْ على عقله..وهى أنْ يعيش مثل معظم الناس (بساقيْن) فيتقدّم إحدى الأسر(المحترمة) ويطلب الزواج من أهلها.

وفى (قصة أحمد المجلس البلدى) حقق إدريس توازنــًـا مثيرًا للإعجاب فى الواقعية الساخرة..وكذلك فى قصته (صاحب مصر) المنشورة سنه1965..وأحداثها تجرى فى منطقة صحراوية مهجورة، إلى جوارنقطة تفتيش (عسكرية) وبجوارها (غرزة للحشاشين) فى إسقاط على النظام الناصرى.

وفى (قصة لغة الآى آى) المنشورة عام1964 يذهب مريض بسرطان المثانة إلى شقة صديقه القديم الطبيب (حمدى الحديدى) المتخصص فى الكيمياء العضوية..وبمجرد النظرإليه عرف أنه (فهمى) زميل الدراسة الثانوية، الذى اضطرلترك الدراسة والعمل فى فلاحة الأرض لمساعدة والده..وكانت مياه الترعة الملوّثة أصيب بالبلهارسيا..وقرّرالطبيب أنْ يستضيف فهمى لقضاء الليلة فى شقته..ويذهب به فى الصباح لفحصه بالأشعة، ولكن الزوجة الأرستقراطية تقترح أنْ ينام فى غرفة البواب، ولما اعترض زوجها، اقترحت أنْ ينام فى المطبخ. ظلّ الطبيب مستيقظــًـا وهويسمع الصرخات المروّعة الآتية من المطبخ، ومع الصرخات غزاه التفكيربعقد مقارنة بين حياته..وحياة فهمى فاكتشف أنه هوالذى أخفق وليس فهمى..وأنّ حياته المرفهة قامتْ على الأنانية..ولم يهتم بأى شيىء غيرمستقبله العلمى، لدرجة ابتعاده عن شقيقاته وأشقائه..ولايراهم إلاّفى المناسبات بمبادرة منهم..وذلك عكس فهمى الفلاح الذى تواصلتْ علاقته الحميمةبأسرته..ولذلك يشعرفهمى بنبضالحياة،بالرغم من صرخات الألم..وتكون النهاية بقرارالطبيب الذى جمع متعلقاته الشخصية..ولما سألته زوجته: رايح فين؟ قال: رايح أشوف طريق تانى.

ومن إسقاطات إدريس الإبداعية، أنّ (بطل قصة المحطة) فرضتْ عليه الظروف أنْ يسمع حديث راكبيْن بجواره فى القطار..واندهش من كثرة تكرار (تعبيريا سيد) فى الحديث المتبادل بين الراكبيْن..وملاحظة أنّ القصة منشورة عام1958، بعد أنْ ألغى عبدالناصرألقاب: بيه وباشا.

ومن نماذج معالجة الجنس فى قصص إدريس، أنه اختلف مع النظرة التقليدية..وأنه مع المنظورالعلمى الذى لايــُـفرّق بين الذكروالأنثى..وفى قصة (شيىء يجنن) اختارأسلوب (مسرح العبث) حيث أنّ مأمورالسجن لديه كلبة، وأحد المسجونين لديه (كلب وولف ألمانى) فتمنى أنْ يحدث اتصال بين الكلب والكلبة لتحسين السلالة..ولكن السجين رفض العرض..وفكــّـرفى تهريب كلبه، لأنه لايجوزللكلب الألمانى أنْ يضاجع (كلبة) من سلالة مصرية.

وفى قصة (مسحوق الهمس) المنشورة عام1967(بعد هزيمة يونيو) يتخيل المسجون السياسى (وهوفى الزنزانة) فتاة جميلة، بسبب تلاصق محبسه لسجن النساء..ويحاول الاتصال بالخبط على (طبق الطعام الألمونيوم)..ولكن جاءه الرد بخبط غيرمفهوم..وتكون المفاجأة الدرامية، عندما علم من الحارس أنّ الزنزانة المجاورة..هى للرجال..وليستْ للنساء..وكتب كثيرون من النقاد أنّ هزيمة يونيو1967هزّتْ الشعب المصرى..وأنّ إدريس تعرّض لحالة اكتئاب خطير..وأثناء تلك الحالة كتب قصة (مسحوق الهمس)..كما وردتْ عنها فى إشارة فى كتاب (مفكرة يوسف إدريس)..وتكون المفاجأة الدرامية أنه بعد أنْ تلقى (صدمة) كلام الحارس، إذا به يتذكرمشاعره لوجود امرأة مجاورة لزنزانته: ما أروع أنْ أعثرفى وسط صحراء، حيث لاحضارة ولا أنثى، ملايين الشحنات الكهربية، أحسستُ بها من نبع خفى فى جسدى، تتفجركالنهرالغاضب. لقد كنتُ أتلقف أنوثتها فى الصوت (المطحون)..كان مسحوقــًـا من خلال الجدار.

وكتب كثيرون إنّ الحالة العقلية للمسجونين..كانت نتيجة لهزيمة يونيو..ورمز لانحراف حركة الجيش..وصعود الانتهازيين.. ورسالة إدريس فى قصة (الرأس) أنه عندما يتضاءل إخلاص القائد..ويفضل رؤاه السياسية..ويفرضها على شعبه، فإنه يفقد مصداقيته مع الزمن..وأشارإلى هذا المعنى فى (قصة الصوت النحيل) حيث قال بطل القصة عن (شخصية الرجل الكبير((هوّفاكرنفسه كل حاجة عايز يعملها يقدريعملها..هوّفاكرإننا رغيف عيش يقدريقطع فيه حته حته..هوّعايز يعاملنا زى (حيوانات الغابة الضعيفة) اللى ما لهاش إرادة؟!

وفى قصة (معجزة العصر) عن رجل بالغ الصغرفى حجم (عقلة الإصبع) اسمه (نص نص) وهوجامعى (نابغة) حصل على الدكتوراه فى 14 فرعــًـا مختلفــًـا..ولكنه فشل فى الحصول على وظيفة (بسبب حجمه) فيقرّرالانتحار. وإدريس فى هذه القصة تعرّض للبيروقراطية..كما فى إبداع كافكا، فالبطل الذى صعد مبنى مجمع التحريرليقفزمنه، إذا به يطيركالريشة..وكلمة الحجم التى استخدمها المبدع بهدف الإشارة إلى (حجم المواطنين) فى أنظمة الاستبداد التى لاتعترف بالتفوق، مهما كان لصالح المجموع، قبل أنْ يكون لصالح الفرد.

وهذا يؤكده انفصال الجامعات المصرية عن الواقع..وعن أهمية الأبحاث العلمية..وذلك عندما رفضتْ الجامعة تعيين الدكتور( نص نص) بالرغم من تقديرالأساتذة لأبحاثه..ولعبقريته، عندما يلتقى بهم (مصادفة)..وبعيدًا عن جدران الجامعة..وبسبب موقف إدريس الوطنى والإبداعى تعرّض للاعتقال لمدة14 شهرًا..وهوالاعتقال الذى حدث فى شهرمايو1954..وبالرغم من ذلك كان من رأيه أنّ: ذاتية المبدع ((تتحرّربالكتابة..ولا أستطيع الكتابة إلاّ بعد أنْ ألغى العالم من حولى..وأنصهرفى ((عالمى الذى أحبه..وأتمناه لشعبى))..وفى قصة (الرحلة) يخاطب البطل والده قائلا: ((لابد أنْ تنتهى أنت لأبدأ أنا))..وفســّـر كثيرون مغزى هذا التعبيرعلى أنّ الأب هنا رمزلسلطة رئيس الدولة الذى يــُـقيد شعبه بسلاسل قراراته، حتى ولوكانت ضد إرادة شعبه..كما يفعل الأب المتصلت مع أولاده..وربط النقاد هذا المعنى بما ورد فى كتاب (فلسفة الثورة) الذى كتبه هيكل..ولكن على لسان عبدالناصر..وجاء به ((إنّ دورًا فى المنطقة يبحث عن صاحبه))..والمعنى الواضح أنه كان: منذ البداية يتطلع إلى هذا الدور.

وقد عبــّـرالشاعرصلاح عبدالصبورعن (سلطة الأب- رئيس الدولة) فى قصيدة الإله الأب فى رثاء وفاة عبدالناصرفقال: هل مات من وهب الحياة حياته؟ أحقــًـا مات؟ ماذا سنفعل بعده؟ وهكذا عبــّـرالشاعرعن السخرية، المختفية وراء المديح..وكان موفقــًـا فى اختيارعنوان القصيدة (الإله الأب)

***

الفصل الرابع

شهادات بعض النقاد عن إبداع يوسف إدريس



الدكتور لويس عوض :

كتب د. لويس عوض عن مجموعة (حادثة شرف) التى أصدرتها دارالآداب ببيروت..وهذه الدراسة ضمــّـنها فى كتابه (دراسات فى النقد والأدب) الصادرعن مكتبة الأنجلوالمصرية- عام1966..وجاء فى هذه الدراسة: لاشكّ أنّ إدريس أحد المبدعين الكبار..ولفت نظرى أنّ قصص المجموعة تدورحول محور (شخص الراوى)..وأكثرها بضميرالمتكلم..ومعنى هذا أنّ الكاتب جعل من نفسه النقطة التى تلتقى فيها..وتخرج منها جميع الخيوط وجميع الأشعة، كأنه بمثابة العنكبوت الذى يجلس وسط نسيجه، وبمثابة العدسة التى تجمع أشعة الشمس وتوزعها..وهوفى هذا مثل أى أديب ماهرمحنك..والمألوف فى الأدب الواقعى أنْ يكون مركزالقصة أومحورها أرض (محايدة) أى خارج حياة الأديب لتحقيق الموضوعية..ومع ذلك فإنّ الراوى فى قصص إدريس ينتقل من الأرض المحايدة، ليعبرعن (ذاته) فالبطل فى (قصة المحطة) صوّرمشهدّا متحرّكــًـا داخل قطار..وبينما الحواريدور بين فتى وفتاة، فإنه اعتبرنفسه الطرف الثالث، حيث دارالحوار بالهمس أحيانــًـا..وبلغة العيون فى أكثرالمشاهد..وكل ما التقطه أنّ الفتاة حفظتْ رقم تليفون الفتى..ولكن عسكرى البوليس يصيح: البلد باظت..وبعد أنْ ينتهى القارىء من القصة، سيعرف أنّ المنافق الغيورعلى الفضيلة، رمزلقطاع عريض من المجتمع.

ومع أنّ إدريس جعل من نفسه (مركزقصصه) فإنه نجح ككاتب موضوعى..وليس كاتبــًـا ذاتيــًـا. فكيف استطاع أنْ ينجو من الذاتية؟ لقد فعل ذلك بموهبة فذة، شبيهة بالقدرة على استخدام التنويم المغناطيسى، لذلك نراه يتحوّل من (سارد) إلى شخصية من شخصيات قصصه، شخصية موضوعية لاذاتية فيها..ونحن نصدقه وقد جعلنا نبتلع كلماته..وكأننا نسيرعلى حبل، نصدقه لأنه جعلنا نرى الحياة بعيوننا..كما لو أنها كانت غائبة عنا، أى نراها من خلال ذواتنا..وقد فعل ذلك فى قصص كثيرة مثل (حادثة شرف) و(سره الباتع) وغيرهما كثيرجدًا.



الدكتور رشاد رشدى :

وفى دراسة كتبها د. رشاد رشدى..وضمــّـنها فى كتابه (مقالات فى النقد الأدبى) الصادرعن دارالجيل للطباعة- عام1962، فكتب عن بعض مجموعات قصص إدريس مثل قصة (آخرالدنيا) فذكرأنّ المبدع صوّرطفلا هجرته أمه، وفى نفس الوقت فإنّ والده دائم السفر..والطفل يقيم مع أهل أبيه فى القرية..ودائم الانتظارلزيارات أبيه النادرة..والطقل متعطش للحب والعطف..وقد أعطاه والده قطعة نقود..ولكنه فضل أنْ يحتفظ بها، لأنها تمثل ((كل الحب فى دنياه))..وأنّ ملمسها يعيد إليه الثقة فى نفسه..وفجأة يفتش فى جيبه فلا يجدها، فيبتئس..ويتمنى العثورعليه، ليشعربالحنان المفتقد.

وفى (قصة لعبة البيت) صوّرالأديب طفلا آخر. ذهب إلى بنت الجيران..وهى طفله من سنه..وطلب من أمها أنْ تسمح لها باللعب معه..وافقتْ الأم بشرط عدم التأخير. الولد أخذ البنت إلى شقة والده ووالدته الغيرموجوديْن..وأشارإلى ما تحت السريروقال للبنت: آهودا بيتنا..ورفع دايرالسرير..وفال: هنا أودة النوم، وهنا المطبح، تعالى نطبخ رز. قالت البنت: إنت تروح الشغل..وأنا أطبخ.

وهكذا كانت رسالة إدريس فى هذه القصة، أنّ الأطفال يحاولون تقليد الكبار، الذين عليهم أنْ يحترموا رغبات الصغار، دون تعنيف.

الدكتور شكرى عياد :

وكتب د. شكرى عياد فى دراسته المنشورة ضمن كتابه (تجارب فى الأدب والنقد) الصادرعن دارالكاتب العربى بمصرعام1967..وذكرأنّ قصص إدريس بشيئْن، مثل اختيارالعناوين..كما فى (لغة الآى آى) و(بيت من لحم) إلخ. الشيىء الثانى حرصه على كتابة تاريخ كل قصة..وهوفى (قصة الأورطى) المنشورة عام1965، التى صوّرفيها نفسه..وعلاقة فنه بحياته، مثل وقوفه فى المشرحة، واحتكاكه بالمرضى، فجاءتْ القصة موضوعية..ولم تؤثرفيها انفعالات الراوى، بالرغم من أنه كان يعلم ((شقاء الطبقات الشعبية)) وهوما برزفى قصص كثيرة مثل: العنكبوت الأحمر..و(شغلانة) والمرجيحة..إلخ.

وبالرغم من تصنيف قصصه على أنها (قصص قصيرة) فإنّ عالمها وشخوصها يجعلها أقرب للملاحم، حيث الرؤية الملحمية للحياة تقوم على وجود ((شخصيات تقاوم قدرها)) بالرغم من إدراكها أنّ القدرأقوى منها..وفقــًـا للموروث الثقافى السائد عن مفهوم القدر..وإدريس لديه فى قصصه الأبطال الكباروالأبطال الصغار(مثل الأطفال)..كما تظهرالرؤية الملحمية فى أسلوبه بتدفقه..واعتماده على البساطة فى سرده الواقعى..وفى (قصة الورقة بعشرة) معالجة لموضوع (المكنة الروسية) التى تعطلتْ فجأة، فاستورد المسئولون (قطع الغيارالأمريكية وليستْ الروسية)..جاء الخبيرالروسى..واختلف مع الخبير الأمريكى ((على من يقوم بتركيب قطع الغيار))..وتسبب ذلك فى تعطيل العمل بالمصنع..وفى ذات صباح فوجىء العمال بالمكنة تدور..ويقف بجوارها العامل محيى الدين الشهيربالنمس، الذى سبق أنْ عمل مع (ماشا الألمانى)..ورغم أنّ النمس العامل المصرى ((يدوبك بيفك الخط)) كان يحب قراءة الصحف.

هذه القصة كتبها إدريس فى شهرديسمبر1962 عندما كان النظام الناصرى يــُـروّج لتعامله مع الروس..وفى نفس الوقت يلجأ للأمريكان فى السر.

الناقد المصرى الكبير: صبرى حافظ

نشرالناقد المصرى صبرى حافظ دراسة (منشورة فى مجلة الطليعة) عدد يونيو1972كتب فيها عن مجموعة (بيت من لحم) ذكرفيها أنّ العالم الواقعى تراجع..وتحوّل إلى حلم بعيد المنال..وفى ظل العالم المسيطريصبح العالم البديل مجرّد (بيت من اللحم البشرى) الذى استعاض عن التحقق، بالوقوع فى الخطيئة، وهى خطيئة سافرة متفق عليها فى صمت..وإنسان بيت من لحم واقع فى قبضة قوة مخاتلة، تتحرّك بالأشياء بعيدًا عن قبضته..ويتحوّل العالم الواقعى إلى قفص كبير..وهومثل القفص الذى أبدعه إدريس فى قصة (على ورق سيلوفان) وهوقفص الانصياع الإجبارى للتواطؤ..وهوقفص الخطيئة التى تدورفى صمت، وقفص الافتراض المسبق للكذب وعدم التصديق..وهوقفص رهيب حيث تصوغ الغواية قضبانه اللامرئية فى (قصة أكان لابد يا لى لى)..وهوقفص الاستثناءات.

ومجموعة بيت من لحم من أهم مجموعات إدريس، اهتمامــًـا بالقضايا السياسية، فى الوقت الذى تبدوفيه وكأنها بعيدة عن السياسة، لأنّ إدريس من أكثر مبدعينا ايغالافى الحسية..ومن أبعدهم عن التجريدات العقلية..والمعادلات الذهنية الباردة..وهويرى الصورة الكلية للواقع، متحققة فى كل جزئية من جزئياته.

وتقدم لنا قصصه مجموعة من تفاصيل العالم الواقعى..وسبل تجاوزها، وتصبح أدوات الرؤية الكابوسية، بمنطقها الغريب وأحداثها غيرالمتوقعة جزءًا من ملامح هذا الواقع الكابوسى الرازح..والقصه عنده لاتصوّرالكابوس..ولكنها تتحوّل بنفسه إلى كابوس..ولايستطيع القارىء التخلص من شبكته إلاّبصعوبة، وهويتأمل مصيرالشخصيات التى تعرّضتْ لهذه الكوابيس..وأخيرًا لايفوتنى أنْ أشيرإلى ما فى هذه المجموعة من حب لمصر..والتوق العارم للعودة إلى جذورها الأصيلة منذ بداية الحضارة المصرية.

الناقد فريدة النقاش:

فى دراستها المنشورة فى (مجلة أدب ونقد) العدد36 فبراير1988 بدأتها بقولها عن وجود مواجهة عاصفة ((بين الجنس والدين)) لها طابع الارتطام الدرامى فى قصص إدريس..وخاصة فى مجموعة (بيت من لحم)..وتدورعلى ثلاث مستويات: الأول الأم، الثانى بناتها، الصمت فى حركة تنقل خاتم الأم فى أصابع البنات..والبداية كانت عندما تأملت البنت الكبرى خاتم أمها، الذى تركته بعفوية على ترابيزة المطبخ..ومن هذه البداية تبادلت البنات الثلاث الخاتم..والأم تراقب وتفهم..وينهشها القلق والحزن، بعد أنْ رأتْ السعادة على وجوه بتاتها، حيث فطنتْ إلى وجود علاقة جسدية بينهنّ وبين زوجها الكفيف، الذى تعرّفتْ عليه عقب وفاة زوجها ليقرأ القرآن على روحه..والشيخ الكفيف أدرك الفرق بين البنات، فواحدة نحيفة..وأختها سمينه..والثالثة صوتها مختلف عن الإثنتيْن..وكان تبريره: أنه لايراهنّ بسبب فقدانه ((نعمة البصر)) فقال: أنا كفيف..وهل على الأعمى ملام؟!

أما فى (قصة: أكان ضرورى أنْ تــُـضيئى النوريا لى لى) فهى عن إمام المسجد فى حى الباطنية الشهيربتجارة الحشيش..ورأى أنّ مهمته (هدايتهم) وتشجيعهم على الصلاة..وفى نفس الوقت انتصرتْ رغباته الحسية الإنسانية، وشغف بالبنت التى ألهبتْ غرائزمعظم رجال الحى..وإذا بإمام المسجد يطلب منها أنْ يزورها لتعليمها الصلاة وقراءة القرآن..ولما زارها قالت له: لقد استعنتُ بشريط على الكاست علــّـمنى قراءة القرآن.

وهكذا كان إدريس (فى معظم قصصه) يـدّخرالنهاية غيرالمتـوّقعة لتكون ذرة التوترالدرامى.

الدكتور صلاح فضل

فى دراسته عن يوسف إدريس فى كتابه (شفرات النص) الصادرعن دارفكر للدراسات والنشرعام1990..كتب عن (مجموعة العتب عن النظر)..وفيها يعثر القارىء على الإيقاع اللغوى المعادل..والمناسب لشخصيات قصصه..وهويضبط إيقاعه اللغوى بالعامية المصرية الفصيحة فى سردها وحوارتها، مع روح الفكاهة الشعبية، حيث أنّ العربجى لاحظ أنّ نظرحماره يصطدم بعربات الكارو فى الطريق..وبالتالى فإنّ (نظره ضعيف)..وأنّ الأمريستوجب تفصيل نظارة طبية..وتكون المفاجأة الدرامية، عندما طلب صديق للعربجى منه، أنْ تكون له نظارة طبية مثلما فعل مع حماره.

وضاف الناقد: أعتقد أنّ طاقة القص والإدهاش عند إدريس تجعله يمضى فى تكوين المواقف..وترتيب الأحداث..كما أنّ مهارته فى السخرية، تنجح فى تغليف القصة بمذاق لاذع، ينتهى بإشارة ذكية مثل قول العربجى للناس الذين سخروا من نظارة الحمارالطبية، فقال لهم: نفسى أعرف إيه اللى بيضحكم؟!

وفى (قصة الختان) فإنّ دورالبطولة فيها تتقمــّـصه (شجرة جميز)..وهى بؤرة تتجمع فيها ((حيويات الناس وذكرياتهم..وهذه الشجرة تتألق فيها الحياة، بقدرما ينصب عليها من اهتمام الشعب المصرى بتراثها المتغلغل فى وجدانهم منذ آلاف السنين.

وإدريس فاجأ القارىء بمفارقة فادحة فى (قصة الرجل والنملة) عن فعل المستحيل بالأمرالعسكرى، الذى أجبرالسجين على (مضاجعة النملة) فى مشهد رهيب من مشاهد تعذيب المسجونين السياسيين..ويضطرالإنسان المقهورإلى تمثيل الدورالمطلوب منه، برهدف ((تقزيم إرادة الإنسان)) بجعله يتماثل مع حشرة مثل النملة.

***

الفصل الخامس

شهادة إدريس عن المسرح الذى يتمناه



كان يوسف إدريس شديد الاتساق مع نفسه..ومن مظاهرهذا الاتساق، أنه كما بدأ كتابة قصصه بالعامية المصرية..وخاصة فى حوارالشخصيات..وبعض مشاهد السرد، لذلك أصرّعلى الكتابة للمسرح بلغة الشعب المصرى فى حياته اليومية..وفى حواره مع بعض الصحفيين أجاب على أسئلتهم فقال:

عندما أستعرض تاريخ حياتى فى علاقتى بالفنون، يقفزالمسرح ليكون أول مجال فنى اتجهتُ إليه، عندما كنتُ فى المرحلة الثانوية..وفى عام1954 صدرتْ مجموعتى القصصية الأولى..ووقتها كتبتُ مسرحية (ملك القطن)..وكنتُ أخطط لإضافة بعض الفصول..ولكن هذا لم يتم لاعتقالى..ولم تظهرالمسرحية لشعبنا، وظهرتْ فى عام1956 عقب خروجى من المعتقل.

وعن سؤل حول متى يختارالقالب المسرحى قال:

أنا أشبه أنواع الفنون بالرسم البيانى..والمسرح يشبه الحفرإلى أسفل لمعرفة جذورالشخصيات أثناء التمثيل..والحوارفى المسرح هوالعامل الوحيد المساعد فى رسم الشخصية..

وعن سؤال: كيف تختارموضوع مسرحياتك؟ قال:

فى كل كتاباتى القصصية والمسرحية، أطمح فى اكتشاف الحقيقة لنفسى، وأحب أنْ أكون حرًا فى عملية الخلق..ومكافأتى أننى عثرتُ على الحقيقة التى كنتُ أبحث عنها..والديالوج فى المسرح يؤدى إلى سلسلة (من الحتميات)..وهذا الحتميات هى المؤدية للتوترالدرامى فى تصعيد الحدث.

وعن سؤال: هل تبدأ المسرحية من فكرة أم من حدث؟ قال:

النتيجة واحدة، لأنّ المسرح عندى يبدأ (فى رأسى) قبل الكتابة..وعلى سبيل المثال فإنّ شخصية الفرفوربدأتْ عندما وقع الصدام بين فرفوروسيده..وفكرة تمرد المظلومين على أسيادهم..ومن هنا بدأتُ أفكرفى الاستفادة من أشكال المسرح الشعبى، لخلق (مسرح مصرى) يقوم على التلقائية العقلية المتوارثة لشعبنا..وأنا لا أستريح لمن يقول عن كتابته: أنا عصرتُ مخى..وهذا هراء، لأنّ الفكرة يجب أنْ تخرج كانفجاربركانى من ذات الكاتب..والفن الحقيقى هوالذى اختمرفى عقل المبدع..والمعبرعن النفس البشرية، بتعقيداته وتناقضداتها السلبية والإيجابية.

وعن سؤال حول مفهوم الدراما قال:

الدراما نوع من التفكير(مثل المادية الجدلية) فإذا كانت هناك وجهة نظر درامية متحرّكة، يقابلها وجهة نظراستاتيكية نقيضة.

وعن الكاتب المسرحى الذى لفت نظره قال:

كلهم فى ناحية..وشكسبيروحده فى ناحية أخرى..وأنا لا أحب الأفكارالهشة والمصطنعة، مثل حكاية العبد الذى أزال سيده شعر رأسه ليكتب رسالة لغريمه، وهى مثل نكتة فى إشارة إلى مسرحية: الملك هوالملك تأليف الكاتب السورى (سعدالله ونوس) لأنّ شخصيات المسرح يجب أنْ تكون من لحم ودم.

وعن ظاهرة مشاركة الجمهورفى أحداث المسرحية قال:

لقد فعلتُ ذلك فى مسرحية الفرافير.

وعن الشخصية المصرية (الجماعية) قال:

إنها تكره التفكير..وتريد الحصول على طلباتها (جاهزة) ولاتبذل أى جهد عقلى للدفاع عن مصالحها ضد الظلم والقهرالسياسى والاقتصادى..والذات الجماعية فى المدينة، مثلها فى الريف، مع بعض الاختلافات البسيطة.

وعن شخصيات مسرحه قال:

لاتوجد شخصية تتشكل من تلقاء نفسها..وهذا نوع من الدجل. الكاتب هوالذى يشكل شخصياته..وهذا ما برع فيه شكسبيرفى معظم مسرحياته.

وعن مشاكل المسرح المصرى قال:

أسوا وأصعب مشكلة هى العلاقة بين الكاتب والمخرج، الذى يريد أنْ يفرض رأيه..ويتدخل فى النص بالشطب والإضافة..وأتذكرأننى قلت لأحدهم: لما إنت غاوى تأليف، ما بتكتبش ليه..وتورينا شطارتك؟!

وسؤال: هل تضع الجمهورفى حسابك وأنت تكتب؟ قال:

إننى وأنا أكتب أعتبرنفسى أخاطب الجمهور..وبالأدق أخاطب ذاتــًـا جماعية ولذلك جعلتْ فرفوريلقى بعض النكت..وقد تفاعل الجمهورحيت أنّ شعبنا مولع بالنكت، التى هى من سمات الشخصية المصرية.

وفى حديث آخرقال:

فى الريف وُجد (مسرح السامر)..وفى المدن (مسرح الميادين) وكان يقام على سطح عربة خشب، أوعلى أى منصة من الخشب..وكل ذلك من إختراع الأميين العاشقين للفن..والذين عشقوا (خيال الظل والأراجوز)..وقد حاولتُ أنْ أخلق المسرح المصرى، بعد ملاحظتى أنّ شكل المسرح الحالى متطابق مع شكل المسرح الأوروبى، بالرغم من إيمانى بضرورة التفاعل بيننا..وبين أوروبا..وفى نفس الوقت لابد أنْ تكون لنا شخصيتنا المستقلة فى الأدب..وفى كل الفنون..ومن هنا وقعتُ على شخصية الفرفورالساخرالفيلسوف..والذى يرمزلشخصية أولاد البلد، الذين لهم وجهة نظرفى الحياة، سواء توافقتْ مع ميولنا أواختلفنا معها..وأنّ الفرفورليس نبيــًـا..ولكنه مجرّد تلميذ من تلامذة (الفرفوية الطبيعية) التى لاتعترف بالمذاهب..ووجدتُ فيه الشكل المناسب للكوميديا المصرية.

***

Design a site like this with WordPress.com
Get started