♦️نظرية تشومسكي التحويلية التوليدية الأسس والمفاهيم♦️

▪️ملخص
يسعى البحث الذي بين يديك إلى إبراز المسار المعرفي لمشهد من مشاهد الفكر اللساني الحديث يتعلق الأمر بالنظرية التحويلية التوليدية لتشومسكي، التي أحدثت ثورة بتغييرها لخارطة الفكر في النصف الثاني من القرن الماضي فقد قوضت الدعائم التي قام عليها علم اللغة وأقامت بناء آخر يختلف في أصوله لاختلاف نظرته إلى طبيعة اللغة . فنجد النظرية تقدم تصورات معرفيه جديدة تنماز بنقدها للمنهج اللساني التوزيعي الذي تأسس على الافتراض الخارجي والسطحي للغة، كما نجدها تدأب على التعمق في المقتضيات النفسية للمتكلم المبدع، كما أن استلهامها للعقل يعد إطارا مرجعيا حدد تشومسكي بموجبه وجهة نظره في مسألة اكتساب اللغة التي لا تتأتى إلا وفق مبدأين اثنين هما الكفاءة اللغوية والأداء.
ولعل ما يشكل مرتكزا فاعلا ومنعرجا في طرحات هذه النظرية تركيز ها على الجانب القواعدي والمكون الدلالي الذين لم يعرفا توحدا في الرؤية بل تغيرا مباشرا بتغير مسارات النظرية بناء على هذا الطرح الرصين سنحاول رصد المسار اللساني لهذه النظرية من خلال تعقب أهم مرتكزاتها وبخاصة المكونين القواعدي والدلالي.

– الكلمات الدالة: البني النحوية, الكفاءة, الأداء, الدلالة التوليدية , التحويل, قواعدية, نظام قواعد الحالة المحدودة.

▪️Abstract
This research seeks to introduce the theory of effective lesson lingual talk, a linguistic theory of Chomsky, which revolutionized changed the map of thought in the second half of the last century, providing the perceptions of new knowledge is based on in-depth requirements psychological speaker creative, and inspired the mind is the frame of reference Select which Chomsky and his point of view on the issue of language acquisition, which can only be achieved according to two principles are the linguistic competence and performance.

– Key words: Syntactic structures, Competence, Performance, Generative semantics, Tranformation, Grammatical ness, Finite state grammar.

♦️️مقدمة

حظيت النظرية التوليدية التحويلية في اللسانيات العامة والمعرفة الآنية بمكانة ورتبة هامة أهلتها لتحتل الصدارة في الدرس اللغوي، نظرا لما قدمته من نتائج تنظيرية وتطبيقية حول طبيعة اللغة الإنسانية، كما لا تقتصر فاعليتها على الدرس اللساني وحسب، بل هي نظرية(1) تفيد منها العديد من المجالات الإنسانية كالفلسفة وعلم النفس، والمنطق.
وإذا ما تم ربط الثورة اللسانية في النصف الأول من القرن العشرين بدي سوسير وبيرس فهي تربط في النصف الثاني من القرن نفسه بتشومسكي. والثورية في منجزاته تتجلى أن تشومسكي قوض الدعائم التي قام عليها علم اللغة الحديث وأقام بناء آخر يختلف في أصوله لاختلاف نظرته إلى طبيعة اللغة.(2)

فنجده يقدم تصورات معرفيه جديدة تنماز بنقدها للمنهج السلوكي الذي تأسس على الافتراض الخارجي والسطحي للغة، كما نجده -أي تشومسكي- يدأب على التعمق في المقتضيات النفسية للمتكلم المبدع، كما أن استلهامه للعقل يعد إطارا مرجعيا حدد تشومسكي بموجبه وجهة نظره في مسألة اكتساب اللغة، التي لا تتأتي إلا وفق مبدأين اثنين هما الكفاءة اللغوية والأداء.

🔸️تشومسكي والبنوية

إذا تأملنا المسار اللساني وتعقبناه منذ بدايته التأسيسية إلى التبلور القاعدي ندرك دون أدنى شك أنه كان موسوما ومسيطرا عليه من قبل البنوية، ذلك أنها الاتجاه الذي كان سائدا قبل. وقد تبلورت أفكاره ونمت في ظل عقليات وسمت –في الإطار المعرفي العام- بالانفتاحية والأكثر دراية لكن كان لا بد لهذا الامتداد الفكري من اتجاه آخر يكون بمثابة النزعة المجابهة أو التكميلية وأقصد بذلك النظرية التوليدية التحويلية، التي لا تخرج في نطاقها الشمولي من حيث موضوع الدراسة عن الاتجاه الأول، ولكن هذا لا يعني تبنيها لمقترحات البنويين، إذ نلحظ نقدا وإقصاء لكثير من الطرق والنتائج التي سجلتها اللسانيات البنوية.

ومما سجله تشومسكي من نقد بناء على البنوية اكتفاؤها بالجوانب السطحية للغة، يقول تشومسكي: “تنحصر (اللسانيات البنوية) في تحليل ما سميناه البنية السطحية، وفي الخصائص الواضحة في الإشارات والتركيبات والوحدات التي يمكن أن تكون جلية الإشارة Signal من خلال تقنيات التقطيع والتصنيف وهذا الانحصار هو كامل الوعي لكن لا يكتفى به في ظل غياب التفسيرات العميقة” “يبدو أن نقطة الضعف الأساسية في مقاربة البنويين والسلوكيين هي انعدام التفسيرات العميقة والاعتقاد بأن الذهن ينبغي أن يكون أبسط في بناه من كل عضو فيزيائي معروف وأن أولى التقديرات تسمح بتفسير بعض الظواهر التي يمكن أن تلاحظ” (4)
إن البنوية من منظور تشومسكي اكتفت بوصف التراكيب اللغوية وتحليلها بطريقة شكلية متجاهلة بذلك الدور الذي يلعبه المعنى على مستوى اللغات، ولم تبذل أي جهد لتحديد القواعد التي يلجأ إليها المتكلم عند تكوين جمل غير محدودة ومن ثمة فإنها لم تعط أو تعر أي اهتمام للكفاءة اللغوية يضاف إلى ذلك أن البنوية لم تلق النجاح اللازم لاهتمامها بالبنية السطحية فقط، ولم تتمكن بذلك من وضع قوانين شاملة وتعميمات عميقة، وعلى العكس من ذلك فإن القواعد التوليدية التحويلية لم تتوقف عند وصف اللغة بل تعدته إلى تحليلها وتفسيرها، واستنباط القواعد العامة التي تحكمها. (5)
وقد ذهب جي بي تون P.Thoun .J إلى أن الفشل الذي مني به علم اللغة ما قبل تشومسكي يمكن إرجاعة للاتجاهات المتطرفة المناهضة للمذهب العقلي، وقد نتج ذلك الفشل عن حصر انتباه اللغويين في الأساس بالوقائع البنوية التي يمكن ربطها ربطا مباشرا بما هو قابل للملاحظة في اللغة. وللقواعد التوليدية مهمة في غاية الأهمية، لأنها معنية بالإضافة إلى وقائع “البنی السطحية” هذه بما يسمى بـ “البنى العميقة” للغة؛ أي الوقائع الخاصة بالبنية اللغوية التي يمكن وصلها مباشرة بما هو قابل للملاحظة (6)

إذن الترميم أو البناء الجديد الذي قدمه تشومسكي في إنماء الفكر وتوطيد منهجية خاصة، هو محاولة جادة لإيجاد نسق تفسيري قادر على الأقل أن يفي بمتطلبات العلامة والمعنى، وخصوصا الجانب الثاني –المعنى- الذي لم يعط حقه من التحليل في المدرسة التوزيعية. باعتبار أن المنهج الموظف من قبلها هو منهج وصفي يركز على الجانب السطحي للعلامات اللسانية كما هي ملفوظة بالفعل، دون إيغال أو تجاوز ذلك إلى المضمون أو العمق أو ما يسمى بالبنية العميقة.

ولهذا حدد تشومسكي الخطوط الرئيسة لنظريته اللغوية مند بداية أعماله البحثية في أطروحة الدكتوراه بعنوان التركيب المنطقي للنظرية اللغوية” (LSLT) حيث كان الهدف الأساسي من هذه الدراسات إبراز حقيقة التوليد اللغوي، وأن هذه الفكرة لم تكن مطروحة في المناهج البنوية والدراسات التقليدية، وبذلك استطاعت النظرية التوليدية التحويلية أن تعرج بالبحث اللساني من منهج يتوخى معطيات علم النفس السلوكي إلى منهج عقلي همه إزاحة النقاب عن القدرة الكامنة وراء الفعل اللساني، والسعي من أجل تعليله وتفسيره بدلا من وصفه وصفا شكليا.(7)

لعل التغيرات التي أحدثتها اللسانيات التوليدية التحويلية هي مفارقات منهجية كان هدفها في البداية سد هفوات وفجوات الفكر البنوي الذي اكتفى بعلاج الأشكال اللغوية كما هي منطوقة أي إن اللسانيات التوليدية التحويلية تؤكد وتفرض نقل مركز الاهتمام من اللغة المجسدة إلى اللغة المبنية داخليا، بمعنى تحويل موضوع البحث من دراسة العلامات اللسانية التي تعد موضوعا مجسدا إلى دراسة نظام معرفة العلامات المحصلة والممثلة داخليا في العقل.

ويؤكد تشومسكي أن وضع نظام محدد ثابت لتحليل العلامات اللسانية هو هدف طموح جدا وأن أقصى ما يمكن أن تطمح إليه أية نظرية لغوية هو أن تقدم معيارا أو إجراء تقويميا يهدف إلى ربط المعرفة اللسانية أو الفعل اللساني بالتكوينات البيولوجية الإنسانية، بحيث يتبين أن للعامل الجيني الوراثي تأثيرا على قدرة الإنسان اللغوية، وأن ما يتمتع به الكائن البشري من عقل يسمح له من إدراك اللغة وتكوينها والإبداع فيها، وأن العقل البشري يمتلك نظاما من القواعد، هي التي توجه الفعل اللساني الملفوظ (8)
ومن ثم، قد تبين أن تشومسكي وأصحابه أطاحوا بمقترحات الفكر اللغوي السلوكي باعتباره فكرا بنويا يرى علماؤه وأتباعه أن العقل البشري مجرد لوح أملس فارغ من كل شيء والإنسان هو الذي يملؤه فيما بعد بالمعرفة اللغوية من خلال تجاربه وانطباعاته. (9) هذا التصور للعقل لا نلفية البتة في النظرية التوليدية، بل ما وجدناه مؤسسا هو تصور أرقي وإقرار بالفضل ونظرة إيجابية تناهض وتجابه الفكر السلوكي في رؤيته الهامشية للعقل فالعقل عند تشومسكي «هو العضو الأرقى عند الإنسان، وهو يقوم بدوره بأرقى الوظائف الإنسانية وأسماها، ومن ثم فإن التخمينات العقلية ينبغي أن تكون بديلا نعول عليه في القول بصدق الحدس اللغوي عند الإنسان». (10)

وحقيقة الأمر أن الصراع بين الاتجاه التجريبي والاتجاه العقلي هو صراع طويل الأمد تعود جذوره إلى البدايات الأولى في إنتاج المعرفة، فما ذهب إليه التجريبيون من أن المصدر الأساسي للمعرفة هو التجربة وليس العقل هذا الفكر مؤسس في التراث الغربي ويمثله لوك Loke وبروكلي brokely وهيوم hume أما ما ذهب إليه العقليون من أن المصدر الأساسي للمعرفة هو العقل أو العلة وليس التجربة، هذا التقعيد -بدوره- شيء قار وثابت في التراث الغربي ويمثله الفيلسوف ديكارت Descart. (11)
إذا نحن أمام جدل معرفي وفق رؤى ومناهج آنية يمكن وصفها بأنها أكثر ملاءمة لتحليل الظاهرة اللسانية، انطلاقا من فكرة مفادها أننا في حوار جدلي هدفه توضيح المعرفة لا تلبيسها وعليه يمكن إقرار الآتي: (11)

🔸️المنهج البنوي

– منهج وصفي.
– يرتكز على الاستقراء Inductive.
– يعني بالبناء السطحي للكلام
– النزعة التجريبية أساسه Empirisme.
– اللغة في كنف هذا المنهج تعد عملية آلية.
– الغرض منه وصف الوحدات اللسانية وتصنيفها (مورفيمات فونيمات).
– إهمال وإقصاء للدور الإيجابي للمتكلم.
– الانطلاق في تحليل اللغة من مدونة Corpus.
– اختزال افتراض العموميات والاقتصار على وصف الصيغ الملاحظة من خلال الفئات والأقسام الخاصة بكل لغة.
– يهتم بمظهر اللغة (السلوكي).
– يحاول الإجابة عن السؤال الآتي: ما هي اللغة؟

🔸️المنهج التوليدي التحويلي

– منهج نظري تفسيري.
– يرتكز على الاستنتاج الاستنباطي Déductive.
– يعنى بالعمليات الداخلية التي تسبق الكلام.
– النزعة الذهنية Mentalisme أو العقلية Rationalisme أساسه.
– اللغة في كنف هذا المنهج عملية إبداعية حيوية.
– يفسر الآلية الكامنة في الذهن، والقادرة على توليد عدد غير محدود من الجمل.
– الاهتمام بالخلق اللغوي اللامتناهي للمتكلم.
– الانطلاق من حدس المتكلم لنحوية الجمل.
– البحث عما هو مشترك كل اللغات (الكليات اللغوية)، من خلال تفسير العمليات الداخلية.
– يهتم بمظهر اللغة الحركي، داخل ذهن المتكلم.
– يحاول الإجابة عن السؤال الآتي: كيف يتم إنتاج اللغة وإبراز المعنى؟

لا نجاوز الحقيقة إذا أقررنا بأن الآراء النظرية التي قدمتها المدرسة التوليدية التحويلية هي الآراء الأكثر توافقا ومطاوعة مع طبيعة اللغة، وهي الآراء التي ما كانت أن تستقيم لولا مرورها بفترات زمنية تجددت فيها، وهذا التجدد اقتضاه البحث العلمي قصد إعادة النظر في الثغرات والهفوات الملاحظة، إذ إن الإطار المعرفي يقتضي الاستدراك وجبر النقص دائما بهدف تقديم أنموذج نظري يفسر ويوضح القدرة الموجودة خلف الفعل اللساني.

المكون القواعدي والدلالي في المسار التاريخي للنظرية
المتتبع للمسار التاريخي لهذه النظرية يجدها قد مرت بمراحل عدة عرفت خلالها العلامة اللسانية تحولات جريئة بدءا من الإبداعية وختاما بالمكون الدلالي.

🔹️المرحلة الأولى: مرحلة المباني التركيبية (1957-1965).
بظهور أول كتاب لتشومسكي بعنوان: المباني التركيبية Structures Syntaxiques وقد تضمن هذا المصنف أهدافا كما احتوى قواعد -وتسمى أنحاء أو نماذج- تفسر العلامة اللسانية. أما الأهداف فإن تشومسكي يركز إجمالا على النقاط الآتية (12)

▪️ النقطة الأولى:
يلح على الخاصية الإبداعية بوصفها النهاية المفتوحة في اللغات الإنسانية؛ بمعنى أن «اللغة تقدم وسائل محدودة لتعبر عن إمكانات غير محدودة .(13) وهذا يجعل الغالبية العظمي من الجمل في أي نص مدون هي جمل جديدة، وأن هذا يبقى صحيحا مهما طال تسجيلنا لما ينطق به المتكلم، وحسب تشومسكي فإن القواعد تولد جميع الجمل في اللغة ولا تميز بين ما ثبت منها وما لم يتم إثباته.

ويبدو جليا تأثره بديكارت الذي أولى أهمية للمظهر الإبداعي للغة، يقول تشومسكي: «أحد الإسهامات الأساسية فيما سميناه اللسانيات الديكارتية أن نلاحظ أن اللغة الإنسانية في الاستعمال العادي ليست خاضعة لرقابة المثير الخارجي أو الحالات الداخلية القابلة للتعيين بطريقة مستقلة، وليست محدودة بوظيفة تطبيقية التواصل»(14).

فالإبداعية في جوهرها«استعداد المتكلم التلقائي لفهم وإنتاج عدد لا نهائي من الجمل لم يسبق له تلفظها أو سماعها»(15) باستعمال عدد محدود من العلامات اللسانية، فهي خاصية تبرز كفاءة المتكلم وتثبت أن الذهن الإنساني مبدع «فامتلاك الإنسان ملكة خاصة بنوعه هي نموذج لتنظيم فكري وحيد. الإنسان ملكة خاصة بنوعه هي نموذج لتنظيم فكري وحيد. لا يختص بأعضاء خارجية ولا يرتبط بالذكاء العام وهو ما يتجلى فيما يمكن أن نسميه “المظهر الإبداعي” l’aspect Créateur لاستعمال اللغة وميزة هذه الملكة أنها تفتح مجال الإمكانيات بدون حدود وبدون الاعتماد على أي مثير» (16) وهذا يحيلنا على أننا عندما نتكلّم لا ننتج جملا قد سمعناها من قبل، وإنما نبدع جملا جديدة.

▪️ النقطة الثانية:
النقطة الثانية التي تتميز بها أعمال تشومسكي الجديدة و موقفه من أهداف اللسانيات الحديثة متعلقة بالدور الذي يوكله إلى ما يسميه بالحدس أو المقدرة على الحكم اللغوي عند المتكلم، وذلك لتمييز بين مجموعة من الجمل المترادفة في المعنى أو الجمل ذات اللبس اللغوي.(17).

فالحكم على استقامة العبارة نحويا راجع إلى حدس المتكلم، ولكي يكون حدسه إطارا مرجعيا يحتكم إليه، لا بد أن تكون لغة العبارة هي لغة المتكلم، ومن هنا أضحت المكانة التي أفردها تشومسكي للحدس دليلا على القطيعة التامة التي نشبت بينه وبين الأبحاث السلوكية، وهي التي تحدد المعنى –كما أسلفنا- من خلال القرائن المحيطة بالتخاطب، أما النظرية التوليدية فقد أعادت للمتكلّم اعتباره ومكانته في التعبير كما ردت إليه المعنى.(18)

▪️النقطة الثالثة:
النقطة الثالثة التي نبّه عليها تشومسكي في (المباني التركيبية) هي أنّ الاتجاه الذي سلكه البلومفيديون هو اتجاه غير مستقيم ولا مُجْد. من هنا ينبغي علينا ألاّ ننظر إلى النظرية اللغوية على أنها كتاب يجمع عدداً من أساليب الاكتشاف المفيدة، الشيء الأساسي أن نصل إلى نتيجة ونبررها دون الرجوع إلى الأساليب التي استخدمت في التوصل إليها، كما ناقش تشومسكي احتمال تشكيل مجموعة من المعايير يمكن في ضوئها البت في مدى سلامة صيغة نحوية معينة وتفضيلها على سواها من الصيغ بهدف وصف المعطيات اللغوية.(19).

▪️النقطة الرابعة:
وهي نقطة هامة تتمثل في أن أطروحات تشومسكي تفوق في طموحها أطروحات من سبقوه فما أوجده تشومسكي في اللسانيات يستند إلى الدقة الرياضية المتناهية المتوخاة في صياغة النظم البديلة في الوصف النحوي، إذ أنه يشبه القواعد النحوية بالقواعد والقوانين الحسابية إذ يتحتم عليها أن تكون دقيقة التحديد.(20)

يضاف إلى ما سلف ذكره أن البحث في اللسانيات التوليدية موجه نحو الجملة، وهذا الاهتمام مبرر «فالجمل فقط هي التي يمكن أن يكون لها معنى، ولما كان للكلمات معان إشارية فإنها تكتسبها إما من خلال كونها أجزاء من جمل، وإما بتحديد أكثر من خلال التعريفات الظاهرية، غير أن التعريفات الظاهرية تكتسب أيضا عن طريق معاني الجمل».(21)

وأما فيما يخص النماذج التي اقترحها تشومسكي في هذه المرحلة المهمة من أجل تفسير العلامة اللسانية (الجملة)، فهي محصورة في ثلاث قواعد مستمدة من القدرة الإبداعية، ترجمت هذه القواعد إلى العربية بتراجم مختلفة على النحو الآتي: {لاحظ الجدول 01}

1- نحو المواقع المحدودة

نحو المواقع المحدودة أبسط النماذج النحوية التي قدمها تشومسكي، وُضع لوصف اللغة، وهو يعدّ أنموذجا للقواعد البسيطة، يكفل توليد مجموعة غير نهائية من الجمل عن طريق عدد محدود من القوانين المكررة، هذه القوانين المحدودة تطبق على مفردات اللغة المحدودة «أي إنه سلسلة من الاختيارات تتم في السياق الخطي للكلام على أن الاختيار اللاحق يحدّده اختيار العناصر السابقة»(26)، وكل هذا يتم في إطار الجملة.
ويوضح جون ليونز هذا النموذج أكثر، حيث يرى أن هذا النحو يقوم على مبدإ ينص أنّ الجمل تولّد عن طريق سلسلة من الاختيارات، تبدأ من اليسار إلى اليمين (أو من اليمين إلى اليسار كما في اللغة العربية)؛ أي عند الانتهاء من اختيار العنصر أو اللفظ الأوّل فإنّ كلّ اختيار يأتي عقب ذلك يرتبط بالعناصر أو الألفاظ التي سبق اختيارها مباشرة، وبناء على ذلك يجري التركيب النحوي للجملة(27). ويمكن توضيح هذا الإطار النظري بالإجراءين العمليين الآتيين:

▪️الإجراء العملي الأول: مثاله: «هذه سيرة الرجل الذي أنقذ الأمة وخلصها من جهل وجور الأعداء بحكمة ربانية وقبس نوراني نفذ إلى قلوب… ».
ما نلحظه من هذا المثال الإجرائي هو إمكانية تمديد الجمل إلى ما لا نهاية بإضافة المداخل اللسانية المناسبة ، بيد أنه عند دخول العمل اللساني بؤرة أو حيز التواصل فنحن ملزمون بتوظيف جمل محدودة الطول، ومع ذلك فإن هذا لا يعني أنه باستطاعتنا وضع حد لطول الجملة بحيث لا يجوز تعديه و تجاوزه.

وما يمكن أن نلحظه أيضا من المثال السابق أنّ المتكلّم يوظّف عدة عمليات في توليد الجمل وما يَسِم بعض هذه العمليات أنّها مكرّرة (تكرار أسماء الإشارة، وحروف العطف…)، ويمكن أن نبرّر ذلك بأنّه «ما دام أنّ النحو يتألّف من عدد محدود من القواعد التي تعمل من خلال عدد من المفردات، وهذه المفردات قادرة على توليد عدد غير محدود من الجمل، فإنّ هذا يعني بالضرورة أنّ عددا من هذه القواعد لا بدّ أن يصلح للتطبيق أكثر من مرّة، وتسمى هذه القواعد والتراكيب التي تولّد باسم التراكيب أو القواعد المكرّرة»(28).

وهذا الموقف يقارب الموقف المؤصّل في التراث اللساني العربي، فقد نفذ الرماني إلى بنية الحدث اللساني، ورأى أنّه صدور اللانهائي عن النهائي توليديا وعن طريق التأليف يقول الرّماني: «دلالة الأسماء والصفات متناهية فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية » ويبرر ذلك «لأنّ دلالة التأليف ليس لها نهاية كما أنّ الممكن من العدد ليس له نهاية يوقَف عندها لا يمكن أن يزاد عليها»(29)

▪️الإجراء العملي الثاني: سنحاول في هذا الإجراء العملي توضيح مقولة “ليونز” في تعريف نحو المواقع المحدودة التي قال بها تشومسكي. وهي أن الجمل تولد عن طريق سلسلة من الاختيارات تبدأ من اليسار إلى اليمين (أو من اليمين إلى اليسار كما في العربية)؛ أي عند الانتهاء من اختيار العنصر أو اللفظ الأول فإن كل اختياريأتي عقب ذلك يرتبط بالعناصر أو الألفاظ التي سبق اختيارها مباشرة وبناء على ذلك يجري التركيب النحوي للجملة، لو تدبرنا المثالين الآتيين:

1- جاء الموظف المكلف بالصيانة.
2- جاء الموظفون المكلفون بالصيانة.
فإنه حتما سنحصل على الاختيارات الآتية:
أ‌- اختيارالمدخل اللساني”جاء” باستطاعته –لغويا- أن يحيل على كلمة “موظف” وعلى كلمة “موظفون”.
ب- اختيار الملفوظ اللساني”موظف” يستدعي في الجملة كلمة “مكلف” فقط، في حين الملفوظ “موظفون” يستدعي المنطوق اللغوي “مكلفون”.
ج- ومع ذلك الملفوظان اللسانيان “مكلف” و”مكلفون” يقبلان معا المنطوق اللغوي “بالصيانة”. ويمكن توضيح ذلك بالخطاطة الآتية: { لاحظ المخطط 01}

ونستطيع أن نمد الجملة، بحيث تتفق والإجراء العلمي كالأتي: {لاحظ المخطط 02}

بعض الطرق الطبيعية لتشكيل الجمل حتى وإن كان يوجد لدينا استعداد لقبول تحليلات غير مستساغة، أو استعداد للتسامح مع تحليلات لا تستوعب الحدس الذي يملكه المتكلم عن اللغة فجملة «العامل الذي عينه واقفة»، هذه الجملة تبدأ من اليمين إلى الشمال، وهي مرتبطة لفظا- أي مقبولة نحوية- وغير مستقيمة المعنى فكلمة “عين” وكلمة “واقفة” ليس بينهما ترابط دلالي، ومن هنا وصفت اللغات التي تتضمن هذا النوع من الجمل بأنها لغات خارجة عن دائرة نموذج القواعد المحدودة.(30)

2- نحو بنية العبارات:

خلصنا آنفا إلى أن التركيب النحوي للجملة يمكن معرفته بناء على تحديد الكلمات التي تتكون منها الجملة، وكذا بناء على الترتيب الذي تظهر فيه هذه الكلمات، ونفذنا أيضا إلى أن نموذج القواعد النحوية المحدودة الذي اتخذ من هذا النسق التقعيدي أساسا له غير كاف لتوليد أنواع معينة من الجمل في اللغة، ولهذا كان لا بد من نحو ثان وهو نحو بنية العبارات ليكون أشد تلاؤما، على أساس أنه يمكن أن يولد عددا من الجمل في غير مقدور نحو المواقع المحدودة أن يولدها.
إذن يتمتع نحو بنية العبارات بقوة توليد الجمل أكثر من القوة التي يتمتع بها نحو المواقع، كما ينماز بالدقة الشديدة المتوخاة النظر إلى كل كلمة تنتمي إلى طبقة معينة من الكلام، كأن تكون اسما أو فعلا، بمعنى أنه لا بد من تحديد الكلمة من الناحية النحوية تحديدا دقيقا، فإخضاع كل كلمة لفئة نحوية أو طبقات نحوية تنتمي إليها شيء قار وثابت في هذا النموذج النحوي.

والفكرة الهامة التي أمدنا بها تشومسكي من خلال هذا النوع من الأنحاء تتجلى في “قواعد إعادة الكتابة”، والمراد بها مجموعة من القوانين التي تمكن الباحث من أن يفرِّع مبتدئا بـ (ج) رمز أولي إلى مختلف عناصرها في مختلف مستوياتها حتى تتولد الجمل»(31) ويمكن أن نوضح الصورة التي وضع عليها تشومسكي قواعد تركيب الجملة بالقواعد الآتية: {لاحظ الشكل 01}

يركز تشومسكي من خلال هذه القواعد على طريقة اشتقاق الجملة وذلك بواسطة منهج إعادة الكتابة، وهو يرمز إلى هذا المنهج بالسهم: (⬅️)؛ أي أن ما قبل السهم يعاد كتابته بما بعد السهم وذلك لأجل توضيح العلاقة القائمة بين مكونات الجملة. ولعل تيسير وتبيين ما سلف يمكن أن يدرك من خلال التحليل الشجري الآتي:{لاحظ المخطط 03}

الملاحظ على المشجّر أنه يفسر العلامات اللسانية بطريقة مباشرة على الشكل الآتي:

– سلسلة العناصر الدائمة: ال + تائب حفظ + ال + بقرة.
– هذه العناصر تعطينا جملة مؤلفة من مركبين ما + م ف. المركب الاسمي يظهر على يمين المركب الفعلي، ويتألف من (ال) واسم (اس) (تائب).
– المركب الفعلي يظهر على يسار المركب الاسمي، ويتألف من فعل (ف) (حفظ) ومركب اسمي (م ا) يتكون بدوره من أداة (ال) واسم (اس) (بقرة).

وهناك تفريعات وأنماط كثيرة ومختلفة لكي يتسع ويمتد النموذج البسيط لنحو بنية العبارات (الجمل)، ولكن هل القواعد النحوية في هذه الصورة العامة قادرة وكافية لدراسة ووصف جميع الجمل التي نرى أنها صحيحة نحويا؟. يرى تشومسكي أن نحو بنية العبارات هو أكثر ملاءمة من نحو المواقع المحدودة، ولكن يظل نموذجا نحويا محدودا؛ لأنه لا يستطيع استيعاب كل الظواهر اللغوية. (33) كما أنه يقف عاجزا عن تحليل بعض الجمل التي تحتمل أكثر من معنى.

3- النحو التحويلي

التحويل آلية من الآليات التي وظفها تشومسكي في مدونته اللسانية، وقد استعارة من أستاذه هاريس مثلما استعار منه الرموزالجبرية(34)، وهو موكول له مهمة ربط البني العميقة بالبنى السطحية، وعلى هذا الأساس تم التفرقة وكشف النقاب على أن التوليد يدل على الجانب الإبداعي في اللغة؛ أي القدرة التي يمتلكها كل إنسان لتكوين وفهم عدد لا متناه من الجمل، في حين التحويل ناقل للبني العميقة إلى بني متوسطة وسطحية، وإن اقتضى الأمر أكثر من عملية تحويل.
والسر في تفضيل تشومسكي للنحو التحويلي على غيره، أن القواعد التحويلية تعكس حدس أصحاب اللغة أفضل من غيرها من القواعد، وتولد عددا لا حصر له من الجمل وتولي اهتماما كبيرا بالمعنى أكثر مما توليه قواعد نحو بنية العبارات، وتزيل اللبس التركيبي الذي وقعت فيه القواعد السابقة.(35) ونقف هنا لنشير أنه تم اقتراح قوانين مساعدة لسد نقص نموذج نحو بنية العبارات تعمل على البنية النحوية للجملة فتغير فيها وتحيلها على بنية نحوية مختلفة، وقد اختار تشومسكي بنية المساعد الفعلي ليبرهن على أن دقة الوصف وضبطه تستدعي توليد مكونات إضافية كالزمن، والاستمرار، والتمام… وهي علامات وأنساق فعلية تظهر على شكل لواصق في نهاية الفعل (36) مثال ذلك قولنا: “قد كابد الشيخ المرض” باتباع القواعد التوليدية التحويلية يتبدى الأتي: {لاحظ الشكل 02 + المخطط 04}

وتنقسم قواعد النحو التحويلي إلى قواعد اختيارية وقواعد إجبارية والتي تعرف في التراث العربي بالجواز والوجوب، ولا مندوحة أن نسميه قواعد اختيارية، وقواعد إجبارية وبذلك تحقق شيئين حسب مازن الوعر الأول أننا لم ننقطع عن التراث بل حاولنا استثماره باستمرار، والثاني أننا ننقل المفاهيم اللسانية الغربية على نحو واضح وسليم ومفهوم»(37).

ويمكن توضيح القواعد الجوازية والقواعد الوجوبية كالآتي:
إن البنية السطحية للجملة العربية لها على مستوى البنية العميقة ركنان: مسند إليه + مسند

باستطاعتنا تطبيق القاعدة التحويلية الجوازية على جملة من الجمل العربية بحيث نحذف ركن المسند في مثل قول القائل: من قام؟ الجواب: علي، فالركن المحذوف (المسند) مدرك على مستوى البنية العميقة لى السائل بـ (قام).

كما باستطاعتنا تطبيق قاعدة تحويلية وجوبية على جملة عربية بحيث نحذف ركن المسند، قال تعالى: “وإن أحد من المشركين استجارك”(38) فالركن المحذوف (المسند) مدرك على مستوى البنية العميقة لدى المخاطب ب (استجارك)، وضابط هاتين القاعدتين هو الدليل المقالي بالنسبة للأولى والمتمثل في السؤال، وبالنسبة للثانية فدليلها دخول الكلمة على اسم لا تدخل إلا على جملة فعلية تقتضي حذف العامل (الفعل) الذي يرفع الفاعل على أن يكون هناك فعل يفسر الفعل المحذوف (المسند)، وهو في الآية “استجارك”.

🔹️المرحلة الثانية (1965.1970)

هذه المرحلة تبدأ من سنة 1965 مع ظهور كتاب أوجه النظرية التركيبية “Aspects de la Théorie Syntaxique “، ويقترح تشومسكي هنا نظرية أكثر اتساعا للقواعد التحويلية وتختلف في الوقت ذاته عن النظرية التي قال بها في كتابه الأول “المبادئ التركيبية”، وأهم مبادئ هذه المرحلة نوجزها في النقاط الآتية: (39)

🔸️ المبدأ الأول:الكفاءة (المهارة) والأداء: Performance- compétence:

الكفاءة في المفهوم العام هي المعرفة اللغوية الباطنية للمتكلّم، والأداء هو الاستعمال الفعلي للغة في المواقف الحقيقية، وتقتضي دراسة الكفاءة درجة من التجريد على اعتبار أنها تكشف عن الحقيقة الضمنية، التي هي أساس استعمال عدد كبير من الجمل والعبارات. يقول تشومسكي محددا مصطلح الكفاءة: «من الجلي أن نعد الكفاءة اللغوية أي معرفة اللغة نظاما مجردا متضمنا في الأداء، يتكون من قوانين تسمح بتحديد الشكل والمعنى الأصلي لعدد غير محدود من الجمل الممكنة (40) ، ويحدد الكفاءة في موضع آخر بأنه «ما يشير إلى قدرة المتكلم المستمع المثالي على الجمع بين الأصوات والمعاني في تناسق مع قواعد لغته»(41)

ونلاحظ هنا اقتراب مفهوم الكفاءة عند تشومسكي من مفهوم الملكة اللسانية عند ابن خلدون. ومبدأ الكفاءة من حيث إنه نظام عقلي، هو موجود خلف السلوك الفعلي، نصل إليه بواسطة الحدس، فالمتكلم يستبطن نظام قواعد لغته فهو «يشعر بوجود كفاءته عندما يتساءل إن كانت جملة نحوية أو غير نحوية»(42)

في ظل ما سلف يمكن التسليم بأن العلامة اللسانية واستقامة المعنى تفسران في كنف هاذين المبدأين، بمعنى أن جل الناس يمتلكون مقدرة لغوية، تمكنهم من استعمال اللغة استعمالا جيدا ولكنهم عند تطبيق هذه المقدرة خلال الكلام أو التلقي قد يحتاجون إلى وقت للتفكير. وعلى الرغم من هذا فقد يرتكبون بعض الأخطاء وهذا ما دفع تشومسكي إلى التمييز بين الكفاءة والأداء، من حيث إنهما مصدر الفعل والتواصل اللساني.

أي إن الكفاءة تقويض المعنى من خلال علامات لسانية، على أن يتم ذلك في الباطن والأداء هو استنطاق هذه العلامات وإظهار للمعنى من خلال الاستعمال الفعلي للغة، يقول رونالد إيلوار المهارة (الكفاءة) تناولها تشومسكي من زاوية الإنسان المتكلم، وهي كل ما يتيح لمنظومة من القواعد أن تباشر عملها، أي إنها ظاهرة نفسية لاشعورية في معظمها تعين الفرد على الانتقال إلى مرحلة الأداء.(43)

🔸️ المبدأ الثاني: البنية العميقة والبنية السطحية Structure Profonde et Structure superficielle

من المصطلحات التي استحدثها تشومسكي في نظريته مصطلح البنية السطحية ومصطلح البنية العميقة، وكلاهما يشكل مفتاحا من مفاتيح اللسانيات التوليدية، «فالبنية السطحية للجملة عبارة عن نظام مكون من مقولات Catégories ومكونات تركيبية تكون برمتها مرتبطة مباشرة بالإشارة الفيزيقية إلى البنية العميقة التي تكون بدورها عبارة عن نظام من المقولات والمكونات التركيبية»(44).

ومن أهم ميزات البنية العميقة أنها موحدة ومشتركة بين جميع اللغات، يقول تشومسكي: «إن البنية العميقة التي تحدد المعنى (…) مشتركة بين كل اللغات، وذلك لأنها ليست سوى انعكاس لأشكال الفكر»(45).
وتتميز البنية العميقة بكونها: (46)

1- بنية مولدة في قاعدة التركيب بواسطة قواعد إعادة الكتابة والقواعد المعجمية.
2- البنية التي تمثل التفسير الدلالي للجملة.
3- إنها البنية التي يمكن لها أن تحول بواسطة القواعد التحويلية إلى بنية سطحية.

أما البنية السطحية فتمثل الجملة كما هي مستعملة في عملية التواصل، أي إنها مجموعة من العلامات اللسانية الملفوظة أو المكتوبة، تتميز بأنها تختلف من لغة إلى أخرى.

وفي فكر التحويليين هاتان الجملتان “وَظَّف أحمد زيدا” و”وُظِّف أحمد من قبل زيد” لا تختلفان إلا من الناحية التركيبية أي على مستوى البنية السطحية، ولكنهما مرتبطتان ارتباطا وثيقا على مستوى البنية العميقة.

🔸️المبدأ الثالث: المكون الدلالي (47)
من أهم الأشياء الملاحظة في هذه المرحلة هو إشراك تشومسكي مكونا لم يعطه حقه من الاهتمام سابقا وإن كان قد أومأ إليه يتمثل هذا الشيء في المكون الدلالي الذي كان له دور كبير في تغيير نظرة تشومسكي إلى القواعد، ويرجع الفضل في إشراك هذا المكون إلى فودر Fodor وكاتز Katz وبوستل Postel، والهدف منه أن يكون مكملا مع القاعدة التوليدية في مستوى البنية العميقة (48)

وقد أشار إلى ذلك تشومسكي في معرض حديثه عن قواعد اللغة بقوله: «إن قواعد لغة ما بالمعنى الذي أعطيه لهذا المصطلح تستطيع أن تحدد إجماليا كنظام من القوانين التي تعبر في هذه اللغة نفسها عن العلاقة بين الصوت والمعنى» (49)

والإحساس بقيمة الدلالة ما لبث ينمى إلى أن اقتنع تشومسكي بأن «هناك شعورا عاما بأن الدلالة هي ذلك الجانب العميق أو الهام من اللغة، وأن دراسة هذا الجانب تضفي على الدراسات اللغوية طابعا مثيرا ومميزا»(50)، والكيفية التي يطبق بها المكون الدلالي تفرض استحضار مجالين(51).

1- مجال المعجم: هو مجموعة من العلامات اللسانية (كلمات) تنماز بسمات صوتية وتركيبية ودلالية، ويعطي المعجم لكل كلمة منها معنى أوليا.
2- مجال قواعد الإسقاط: وهي القواعد التي تقرن بين العلامات اللسانية (الكلمات) والبنى التركيبية المولدة، فيتوصل بهذه الطريقة إلى مدلول الجملة.
ولعل الأمر يتضح أكثر من خلال التمثيل الآتي:{لاحظ الشكل 03}
وتتلخص خطوات هذه المرحلة في الآتي:

1- توليد مجموعة كبرى من المؤشرات التركيبية التحتية من طرف قواعد الأساس(قواعد إعادة الكتابة، قواعد تحت تصنيفية، القواعد المعجمية)، وتمثل المؤشرات الأنفة البنية العميقة لكل جمل اللغة.
2- تتحول المؤشرات الأولى عن طريق استخدام قواعد التحويل إلى مؤشرات تركيبية ثانية ومشتقة، وتمثل هنا البنية السطحية للجمل وتصبح قواعد التحليل كلها في هذه الحالة ذات صيغة إجبارية.
3- معنى كل جملة يشتق كلية من بنيتها التحتية (العميقة)، وذلك عن طريق التمثيل الدلالي.
4- يشتق التمثيل الصوتي لكل جملة من بنيتها السطحية، وذلك عن طريق توظيف قواعد فونولوجية. أما الشكل التوضيحي لهذه الأسس والخطوات، فهو كالأتي: {لاحظ المخطط 05}

🔸️المرحلة الثالثة: النظرية النموذجية الموسعة

بدأت هذه المرحلة بعد سنة 1970، تميزت بظهور نظريتين دلالتين تقاربان المعنى في اللغة الطبيعية، النظرية الدلالية التفسيرية لـ كارتز وفودر، والنظرية الدلالية التوليدية لـ ليكوف ومكاولي، وروس، وبوستال، ثم غروبر، والنظريتان لا تشكلان فقط تعديلا للجانب الدلالي، بل تسعيان أيضا إلى إعادة صياغة لكل نموذج لغوي.

🔷️️ النظرية الدلالية التفسيرية

ترى أن الوظيفة الأساسية للمكون الدلالي هي إسناد التفسير الدلالي الملائم للمتواليات التي يولدها التركيب بواسطة المعلومات المركبية على أن يتم هذا التفسير على مستوى البنية العميقة دون البنية السطحية، فجملة ضرب زيد مشتقة من البنية العميقة المبنية للمعلوم ضرب “أ” زيدا حيث -أ- مجهول، فهاتان الجملتان المرتبطتان بقاعدة تحويلية ترجعان إلى بنية دلالية واحدة، مع أن الأولى مبنية للمجهول والثانية مبنية للمعلوم؛ أي مع اختلافهما سطحا، وهذا الأختلاف هو الجاعل في إسناد التفسير الدلالي إلى البنية العميقة.(52)

🔷️ النظرية الدلالية التوليدية

تسعى هذه النظرية إلى معرفة كيفية ارتباط المفاهيم الدلالية مع بعضها داخل الجمل للتعبير على معان جديدة، ولمعرفة ذلك تم الاستعانة بالإضافة إلى نموذج الذاكرة الدلالية بقواعد الربط بين المفاهيم داخل الجمل، والتي تكفل لنا في النهاية توليد جمل ذات معنى.

وقد ارتبطت الدلالة التوليدية في الثقافة اللسانية بكل من تشومسكي و ماك كاولي وليكوف وفلمور، والمفارقة الكائنة بين المجموعة الأخيرة وتشومسكي حاصلة في الحد الذي يمكن أن نبصر به مدى مساهمة العنصر النحوي والعنصر الدلالي في توليد الجمل. وقد تقرر أن البناء العميق الذي يولده العنصر النحوي يضم كافة المعلومات التركيبية اللازمة للتفسير الدلالي، على حين يأخذ العنصر الدلالي على عاتقه مهام التفسير التام وذلك بالتعامل مع مخرجات العنصر النحوي..(53)

فلو عقدنا مقارنة بين جملة “حطم زيد الجهاز” و”حطمت المطرقة الجهاز” نخلص إلى أن البناء يعوزه علاقات معينة يعيها أبناء اللغة؛ لأن منطوق الجملتين جعل كلا من زيد والمطرقة فاعلا لذلك تقرر إيجاد أو إثراء التحليل اللغوي بأدوات تستطيع النفاذ أعمق إلى لب الظاهرة.

وهذا ما جعل تشومسكي يؤكد أن نظريته لا تحتمل مضامين تتعلق بالسياق الرمزي للترتيب الفعلي الذي تتولد به الجمل، وإنما الشغل الشاغل هو رسم ورصد العلاقات بين المستويات النحوية الثلاثة، وهذا كان مدعاة للتوجه إلى دراسة البناء العميق «لأن البناء العميق يمثل مخرجات قواعد تراكيب العبارات في صورة يمكن للقواعد التحويلية أن تتعامل معها لكي تقدم لنا البناء السطحي النهائي للجمل»(54). وفي الوقت ذاته يتكفل البناء العميق بربط المعاني والأصوات، ومرد ذلك احتواؤه لكل ما يلزم من معلومات نحويه ودلالية.
إن النظرية التوليدية ركزت اهتمامها على الوظيفة الهامة التي يشغلها البناء العميق والمتمثلة في العمل كحلقة وصل بين العلامات الملفوظة (الأصوات) والمعاني، وبذلك فهي تهمل مسألة كيفية انتقال المرء من تجسيدات المعنى الكامنة إلى البناء السطحي النهائي للجمل الحقيقية، أي إن الدلالة التوليدية أبدت اهتماما كبيرا بوصف المعاني المخبوءة وراء الجمل، ولكنها ما استطاعت أن ترسم خريطة لعلاقات المعنى بالبناء السطحي.

وفي الإطار العام ما تم ملاحظته على النظريتين الدلاليتين، أن الأولى لا تعطي للدلالة إلا دورا تفسيريا، أما النظرية الثانية فتحاول أن تبرر أن هذا الدور لا يليق بالمكون الدلالي، إن المكون الدلالي بحسب النظرية الثانية مسؤول عن توليد الجمل واتخاذها الشكل الذي تتخذه في التركيب كما أن جزءا مهما من العلاقات التركيبية ليس سوى انعكاس للمعلومات الدلالية وليس العكس.(55)

وبهذا نخلص إلى أن المعنى في اللغة الطبيعية منظور إليه على أنه عبارة عن بنية تحمل المعلومات المرمزة ذهنيا عند الكائنات البشرية، وهذا ما يتيح البحث في اتجاهين، الاتجاه الأول من الذهن إلى اللغة، أي البحث في طبيعة التمثيل الذهني البشري، والاتجاه الثاني من اللغة إلى الذهن أي البحث في النتائج التي يتوصل إليها في إطار النظرية الدلالية.

===========
♦ الهوامش
===========
1- ينظر المدارس اللغوية -التطور والصراع-، جيفري سامبسون، تر: أحمد نعيم الكراعين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط 1، سنة 1993، بيروت ص 151- 134 .
2- النحو العربي والدرس الحديث، عبده الراجحي، دارالنهضة العربية، ط 1979، بيروت، ص 51.
3- Le langage et La pensée. Chomsky, tra Louis jean Calvet payot, parais. p36.
4-Ibid. P45.
5- ينظر اللسانيات النشأة والتطور، أحمد مومن، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص 204 .
6- ينظر اللغة والخطاب الأدبي: القواعد التوليدية والتحليل الأسلوبي، جي بي تون، تر: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي ط 1، سنة 1993، لبنان، ص 80.
7- مباحث في اللسانيات، أحمد حساني، ديوان المطبوعات الجامعية، ط 1999، الجزائر، ص 119.
8- ينظر اللغة والمسؤولية، نعوم تشومسكي، تر: حسام البهنساوي، ص70-15.
9- ينظر المصدر نفسه، ص 16.
10- المصدر نفسه، ص 61.
11- ينظراللغة والمسؤولية، نعوم تشومسكي، تر: حسام البهنساوي، ص 66. وينظر اللغة ومشكلات المعرفة، نعوم تشومسكي، تر: حمزة بن قبلان المزيني، دار توبقال، ط 1، سنة 1990، المغرب ص 122. وينظر اللغة والعقل، نعوم تشومسكي، تر: إبراهيم مشروح ومصطفى خلال، دا رتيمنل، ط1، مراكش ص 23.
12- Structures Syntaxiques. Chomsky. tr: Michel braudeau. paris le seuil, 1991 p10..
وينظر تشومسكي، البني النحوية، تر: يؤيل يوسف عزيز، مراجعة مجيد الماشطة، دا رالشؤون الثقافية العامة، ط 1، 1987، بغداد، ص 35…
13- La Linguistique Cartésienne Noam Chomsky tr: E. Delanoë et D.Seperber édition du seuil paris. P56.
14- Ibid. P45.
15- Dictionnaire de Linguistique, jean Dubois et autres. Paris Larousse 1994. p131.
16- La Linguistique Cartésienne. Chomsky. P20.
17- ينظر تشومسكي، مازن الوعر، مجلة الموقف الأدبي، العددان 212 – 213، كانون الأول، 1988 . كانون الثاني 1989، ص63.
18- ينظر مدخل إلى اللسانيات، رونالد إيلوار، تر: بدر الدين القاسم، ص140.
19- ينظرتشومسكي، مازن الوعر، مجلة الموقف الأدبي، ص 63.
20- ينظر المرجع، نفسه، ص 63.
21- علم الدلالة إطار جديد، ف. ر بالمر، تر: صبري إبراهيم السيد، ص 157.
22- اللغة والمسؤولية، تشومسكي، تر: حسام البهنساوي، ص 14- 43.
23- نظرية تشومسكي اللغوية، جون ليونز، تر: حلمي خليل، دار المعرفة الجامعية، 1995 مصر، ص 114-113- 96
24- تشومسكي، مازن الوعر، مجلة الموقف الأدبي، ص 64.
25- النظرية التوليدية ومناهج البحث عند تشومسكي، منذر عياشي، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد -40 –تموز- آب، 1986م، مركز الإنماء القومي، لبنان، ص 35.

26- الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية (الجملة البسيطة)، ميشال زكرياء المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ط 1 ، سنة 1983، بيروت، ص127.
27- ينظر نظرية تشومسكي اللغوية، جون ليونز، تر: حلمي خليل، ص 103.
28- المصدر السابق، ص .96-97.
29 -النكت في إعجاز القرآن، الرماني، تح: محمد خلف الله ومحمد زغلول، دارالمعارف، ط 2، سنة 1968، مصر، ص 107.
30- Voir structures syntasciques. Chomsky. Tra Michel Braudeau ed. Paris, le seuil. 1991.p26-28.
وينظر أيضا نظرية تشومسكي اللغوية، جون ليونز، تر: حلمي خليل، ص 109.
31- النظريات النحوية والدلالية في اللسانيات التحويلية والتوليدية مازن الوعر، مجلة اللسانيات، العدد 06 ، سنة 1982 ص 29.
32- Voir Essais sur la forme et le sens Noam chomsky. Tra Joëlle sampy Seuil1980 Paris. P23-66.
33- ينظر نظرية تشومسكي اللغوية، جون ليونز، تر: حلمي خليل، ص 128.
34- ينظر المدارس اللغوية التطور والصراع، جيفري سامبسون، تر: أحمد نعيم الكراعين، ص 142.
35- ينظر نظرية تشومسكي اللغوية، جون ليونز، تر: حلمي خليل، ص 130-129.
36- ينظر مقدمة نظرية القواعد التوليدية، مرتض جواد باقر، دار الشروق، ط 1، سنة 2002، عمان، ص 61.
37- تشومسكي، مازن الوعر، مجلة الموقف الأدبي، ص 67.
38- سورة التوبة، {الآية 06}

39- Voir Aspects de la Théorie Syntaxique. Chomsky, tra jean Claude Millnered paris le seuil 1978. p10…
40- Le langage et La pensée. Chomsky, p106.
41- La Linguistique Cartésienne. Chomsky. P126. 42 -Dictionnaire de didactique des Langues R.Galisson /D.coste, Hachette. P105.
43- مدخل إلى اللسانيات، رونالد إيلوار، تر: بدرالدين القاسم، ص .138.
44- اللغة والعقل، نعام تشومسكي، تر: إبراهيم مشروح ومصطفى خلال دارتينمل، ط 1، مراكش، ص42.
45- La Linguistique Cartésienne Chomsky. P64.
46 ينظر اللسانيات واللغة العربية، عبد القادر الفهري الفاسي، دار توبقال 1985، الدار البيضاء،1/68.
47- ينظر علم الدلالة، كلود جرمان ريمون لوبلان، تر: نور الهدی لوشن، دارالفاضل 1994، دمشق، ص 112.
48- ينظر اللغة والمسؤولية، تشومسكي، ص 49.
49- Question de Sémantique. Chomsky, Ed. Seuil 1975. p9.
50- اللغة والمسؤولية، تشومسكي، تر: حسام البهنساوي، ص 49.
51- ينظر اللسانيات التوليدية التحويلية، عادل فاخوري، دار الطليعة، ط 2، سنة 1988، بيروت، ص 54،55. وينظر المعرفة اللغوية طبيعتها وأصولها واستخدامها، نوم تشومسكي، تر: محمد فتيح، دا رالفكر العربي، ط 1، سنة 1993 ص 170.
52- ينظر مدخل إلى الدلالة الحديثة، عبد المجيد جحفة، ص 72،73،76،77، وينظر اللسانيات التوليدية التحويلية، عادل فاخوري، ص 54.
53- ينظر التفكير واللغة، جوديت جودين، تر: عبد الرحيم جبر، ص177.
54- ينظر التفكير واللغة، جوديت جودين، تر: عبد الرحيم جبر، ص 179 . 55- ينظر مدخل إلى الدلالة الحديثة، عبد المجيد جحفة، ص 78.

=============================
د. مختار درقاوي
تخصص لسانيات (علم الدلالة)
جامعة حسيبة بن بوعلي –الشلف-
=============================

Design a site like this with WordPress.com
Get started