مبادئ التعلّم في القرآن الكريم(الترغيب والترهيب)



نزل القرآن الكريم أساسًا من أجل هداية الإنسان وتوجيهه وتعليمه؛ ولذلك كان من الطبيعي أن يتضمّن القرآن الكريم كثيرًا من المعلومات عن الإنسان؛ ففي القرآن الكريم معلومات في خَلْقِ الإنسان وطبيعة تكوينه من مادة وروح، وما ينشأ عن ذلك من صراعٍ نفسي، وعن الدوافع المختلفة الفسيولوجية والنفسية التي توجّه سلوكه، وعن الانفعالات المختلفة التي يشعر بها والتي تؤثّر في حياته، وعن وسائل اكتساب الإنسان للمعرفة سواءٌ عن طريق الإدراك الحِسِّي أو العقلي أو عن طريق الإلهام والرؤيا الصادقة.

وفي القرآن الكريم أيضًا معلومات عن الإنسان ومراحله، وعن التعلّم ومبادئه، وعن الشخصية وأنماطها وصفاتها المختلفة، وعن تقويم الإنسان وعلاجه النفسي وغير ذلك من المعلومات عن الحياة النفسية للإنسان، ولن نستطيع في هذا المقال المحدّد أن نتناول جميع ما جاء في القرآن الكريم من معلومات عن الحياة النفسية للإنسان، فهذا أمر يتجاوز كثيرًا العدد المحدّد لنا من صفحات في هذا المقال؛ ولذلك فسوف نكتفي في هذا المقال بتناول مبادئ التعلّم التي وردت في القرآن الكريم، أمّا المعلومات الأخرى التي وردت في القرآن الكريم عن الحياة النفسية للإنسان فقد تناولها الباحث بشيء من التفصيل في مكان آخر[2].

ونحن إذا درسنا المنهج الذي اتّبعه القرآن الكريم في دعوته لعقيدة التوحيد، وفي تربيته للمؤمنين، وغرس المبادئ والقيم الإسلامية في نفوسهم، لاستطعنا أن نستخلص من هذا المنهج بعض المبادئ العامة لعملية التعلّم التي استخدمها القرآن الكريم في تغييره لسلوك المؤمنين، وفي تعليمهم العقائد والقيم الإسلامية.

وسنرى أنّ هذه المبادئ التي استخدمها القرآن الكريم في التربية الروحية للمؤمنين لم يكشف علماء النفس عن أهميتها في التعلم إلا أخيرًا في أوائل القرن العشرين، وسنحاول فيما يأتي أن نستعرض مبادئ التعلم في القرآن الكريم.

الدافع:

للدافع أهمية كبيرة في التعلم، فإذا توفّر الدافع القوي للحصول على هدف معيّن توفرت الظروف المناسبة لكي يقوم الإنسان ببذل الجهد الضروري لتعلّم الطرق الصحيحة للوصول إلى هذا الهدف، وإذا جابه الإنسان مشكلة وشعر بحاجة إلى حلّ هذه المشكلة، فإنه يقوم في العادة بكثير من المحاولات لحلّ هذه المشكلة، حتى ينتهي به الأمر إلى تعلّم الحلّ الصحيح لهذه المشكلة، وقد بيّنَت كثيرٌ من الدراسات التجريبية التي أُجريت حديثًا على الحيوان والإنسان أهميةَ الدافع في حدوث التعلم، وقد استخدم القرآن الكريم في تربيته الروحية للمسلمين أساليب مختلفة في إثارة دوافعهم إلى العلم، فاستخدم الترغيب والترهيب، واستخدم القصص للتشويق، كما استعان بالأحداث الجارية المهمّة التي تُثير دوافع الناس وانفعالاتهم، وتجعلهم مهيئين لتعلّم العِبرة من هذه الأحداث.
إثارة الدوافع بالترغيب والترهيب:

حينما يكون لدى الإنسان دافع قوي للحصول على هدفٍ ما، فإنّ الحصول على هذا الهدف الذي يُشبِع دافعه يعتبر ثوابًا أو مكافأة تُسبِّب له الشعور باللذة أو السرور والرضا، والفشل في الحصول على هذا الهدف يُعتبر نوعًا من العقاب الذي يُسبِّب له الشعور بالألم أو الضيق والكدر. والإنسان -وكذلك الحيوان- يميل بطبيعته إلى ما يسبِّب له اللذة، ويتجنب ما يسبِّب له الألم؛ ولذلك كان الإنسان ميّالًا بطبيعته إلى تعلم الاستجابات أو الأفعال التي تؤدي إلى الحصول على الثواب، وإلى تجنّب الاستجابات أو الأفعال التي تؤدي إلى الفشل أو العقاب، وقد أثبتت التجارب الكثيرة التي أجراها علماء النفس المحدَثون هذه الحقيقة.

وقد اهتم القرآن الكريم في دعوته إلى الإيمان بعقيدة التوحيد بإثارة دوافع الناس بترغيبهم في الثواب الذي سيحظى به المؤمنون في نعيم الجنة، وبترهيبهم من العقاب أو العذاب الذي سيلحق بالكافرين في نار جهنم. وآيات الترغيب التي تصف نعيم الجنة تبعث في المسلمين الأمل في الحصول على هذا النعيم، وتدفعهم إلى التمسّك بالتقوى والإخلاص في أداء العبادات والعمل الصالح، والجهاد في سبيل الله، وعمل ما يُرضِي اللهَ ورسولَه، آملين أن يكونوا من أهل الجنة، والآيات التي تصف عذاب جهنم تبعث فيهم الرهبة من هذا العذاب الأليم الذي ينتظر الكافرين والمنافقين والعاصين لأوامر الله تعالى، ويدفعهم ذلك إلى الابتعاد عن ارتكاب الذنوب والمعاصي وكلّ ما يغضب الله ورسوله، آملين أن ينجيهم الله من عذاب جهنم، وهكذا كان المسلمون متأثّرِين بدافعَيْن قويَّيْن؛ أحدهما وهو دافع الرجاء في الثواب، يدفعهم إلى القيام بالعبادات والتكاليف وكلّ ما يأمرهم به الشرع، والآخر وهو دافع الخوف من العقاب يدفعهم إلى تجنّب القيام بالذنوب والمعاصي وكلّ ما ينهاهم عنه الشرع، وشعور الإنسان بهذين الدافعين القويّين المتكاملين والمتّفقين في الهدف يجعله في حالة استعداد تام وتهيؤ كامل للطاعة التامة لله والرسول، ولتلبية كلّ ما يُطلب منه من واجبات ومسؤوليات، ولتعلّم كلّ ما يوجهه إليه الإسلام من نظام جديد للحياة، وطريقة جديدة في التفكير والسلوك، ولتجنّب كلّ ما ينهى عنه الله -سبحانه وتعالى- ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.

ويلاحظ أنّ القرآن الكريم لا يعتمد فقط من أجلِ إثارة الدافع لقبول الإسلام على تخويف الناس وترهيبهم من العذاب الأليم في نار جهنم، وإنما يعتمد أيضًا في نفس الوقت على ترغيبهم في الاستمتاع بنعيم الجنة…

Design a site like this with WordPress.com
Get started