لقد بعث الله رسوله محمّداً صلى الله عليه وسلم في مجتمعٍ متفرق متناحر أفراده ، فهداهم به بعد غيٍّ وضلال، وجمع بينهم بعد فرقة وشتات…
ولذلك أمَرَهم اللهُ بالاستمرار على تلك الوحدة، ونهاهم عن الرُّجوع إلى ما كانوا عليه قبلَ ذلك مِن تشَتُّتٍ وفُرقة، فقال سبحانه: (واعتصموا بحبل الله حميعاً ولا تفرَّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا). إنّها نعمةٌ من الله عظيمة، ومنّةٌ كريمة، ورحمةٌ عامّة، أَجراها اللهُ على يد نبيِّه محمّدٍ صلى الله عليه وسلم للعالمين، فأَلّف به بين قلوبٍ متباغضةٍ متنافرة، وجَمَع به بين قبائلَ متقاتِلةٍ متناحِرة، فكانوا إخواناً متحابِّين، وأنصاراً متعاوِنين، ولذلك ذَكّر النّبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه الأنصارَ بهذه النِّعمةِ ذاتَ يومٍ فقال: {“ألَم أَجِدْكم ضُلاّلاً فهداكم اللهُ بِي، وعالةً فأغناكم اللهُ بِي، ومتفرِّقين فجَمَعَكم اللهُ بِي؟”}. متّفقٌ عليه. عباد الله، الوحدةُ والجماعةُ فيهما الرّحمةُ والسّعادة، وهما شعارُ هذه الأمّة، ومِيزةُ هذه المِلّة، فالتزامُ الوحدةِ ولزومُ الجماعة فيه النّجاةُ والسّلامة، وفيه العزُّ والكرامة، وفيه خيرُ الدنيا والأخرة، ومَن شَذّ عن جماعة المسلمين فقد عرَّض نفسَه للأخطار، وسلَك بها طريقَ الهلاكِ والبوَار، رَوى الإمامُ أحمد وأبو داوود أنّ النّبيَّ قال: {“عليكم بالجماعة، فإنّما يأكلُ الذِّئبُ من الغنم القاصية”}. أي: البعيدةَ المنفردةَ عن القطيع.
إنّ الأمّةَ المحمّدية إذا اجتَمعت كلمتُها؛ وتوحّد صفُّها؛ وأطاعت وُلاَة أُمورِها؛ تعلُو رايتُها، وتَرتفِعُ بين الأمم مكانتُها، وتزدادُ قوّتُها، ولذلكم نهاهم اللهُ عن الفُرقة وأسبابِها، وحذّرَهم من الفتنة وأمَرَهم بسدِّ أبوابِها، فقال تعالى: (ولا تَنازعوا فتَفشلوا وتذهب ريحُكم واصبروا…). فبالجماعةِ تَقْوى الشُّعوبُ المسلمة، وبالوحدةِ تَتقدّمُ هذه الأمّةُ الخاتمة، وبالطّاعةِ تَستقيمُ شُؤونُها الدِّنيةِ وأُمورُها الدُّنيوية، والشّعبُ المغربيُّ المؤمنُ الآمِن، المسْلِمُ المسَالِم، ما استَقامَ أمرُه؛ ولا استَقرّ قُطْرُه؛ ولا تَحقّقَ له نصرُه؛ إلاّ بالوحدة والجماعة، والاِلْتِزامِ بقيودِ الطّاعة، والوفاءِ بعُهود البيعةِ الشّرعية، فكانت له بفضل ذلكَ مَلاحِمُ تاريخية، خرَج منها منتصراً على الغُزاةِ الطّامعين في استِعْبادِه، فائزاً على الطُّغاة المُتَرَامِين على بلادِه، وأعظمُها ملحمةُ الاستقلال، التي أَبَانت على تماسُكِ المغاربةِ ووحدتِهم، ووُقُوفِهم صفّاً واحداً وراء ملِكِهم في مواجهة الطُّغيان، ومقاومةِ الظُّلْمِ والعدوان، ورَفْضِ الخُنُوعِ والخضوعِ لهَيْمَنةِ الأعداء، فجاهَدوا دفاعاً عن دينِهم ووطنِهم، وذَوْداً عن شرفِهم وكرامتِهم، وضَحُّوا بكل غالٍ ونفيسٍ من أَجل التّمتُّعِ بالحريّة ونَيْلِ الاستقلال، والاِنْعِتاقِ من رِبْقَةِ الهَيْمَنةِ والاحتلال، فحقّق اللهُ أملَهم، وكَلّل بالنّجاح عملَهم، فجاء الفتحُ المبينُ من عندِه، وأَنزل النّصرَ العظيمَ على جندِه، كما قال سبحانه في وعْدِه وعَهْدِه: (إن تَنصروا اللهَ يَنصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعْساً لهم وأضلّ أعمالَهم ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللهُ فأحبط أعمالهم). صدق الله العظيم.
يقول الله تعالى في كتابه الحكيم: (وذكِّر فإنّ الذكرى تنفع المومين).
مِن بين الذِّكريات الوطنيةِ المجيدة التي يُخلِّدُها المغاربةُ في الثّامن عشر من شهر نونبر كلِّ سنة، ذكرى عيدِ الاستقلال، وهي مناسبةٌ وطنيّةٌ غاليةٌ، يَتذكّرُ فيها الشّعبُ المغربيُّ أحداثَ ملحمةِ التّحرير، ويَستحضِرُ من خلالِها ما تَرمزُ إليه من معانِي التّضحيةِ والنِّضال، من أجْل الكرامة والحرِّيّة والاستقلال، كما أنّها فرصةٌ لاستعراض المواقفَ البطولية؛ التي قام بها العرشُ العلويُّ المجيد، والشّعب ُ المغربيُّ الأَبِي، بزَعامة الملِكِ المجاهد؛ جلالةِ المغفورِ له محمّدٍ الخامس طيّب الله ثراه، ووليِّ عهده آنذاك جلالةِ المغفور له الحسنِ الثّاني أكرم الله مثواه، رافِضين الوِصايةَ والحماية؛ التي أَراد المحتلُّون أن يَّفرِضوها على المغرب بالقوّة، ما دَفعهم إلى الإقدام على إبعادِ الملِكِ الشّرعِي على عرشه، ونفيِه عن وطنه، والحيلولةِ بينه وبين شعبِه، فكان ذلك سبباً في تأجُّجِ نارِ المقاومة المسلَّحة في طُول البلاد وعُرضِها، وقيامِ الثّورة في كلِّ المناطق المغربية؛ لتطهيرِ المغرب من الطُّغاة الظالمين، وتحريرِ أرضِه من الغُزاة الغاشمين، فهَبَّ المغاربةُ الأحرار، وانخرَطوا في صفوف المقاوَمةِ الوطنية، يَبذلون النّفسَ والنّفيس، ويُقدِّمون كلَّ غال ورخيص، فِداءً لمَلِكِهم، ودفاعاً عن وطنِهم، وغَيرةً على دينِهم وكرامتِهم، واستَمرَّ الجهادُ والكِفاح، حتّى تَحقّقَ الانتصار، وهُزم الاستعمار، وزال كابوسُ الاحتلال، وأَشرقت شمسُ الحرِّية والاستقلال، فعاد الملِكُ محمّدٌ الخامس إلى عرشِه، واحتَفل بالانتصار مع شعبِه، لاهِجاً بحمد الله وشكرِه، فرِحاً بفتحه ونصرِه، مُرَدِّداً ما جاء في حُكْمِ ذِكْرِه: (الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفورٌ شكور). ومُردِّداً: رَجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. وانطَلق بعد ذلك جهادُ البنَاءِ والتّنمية، وإقامةِ مؤسّساتِ الدّولة المخْتَلِفة، والعملِ على تحرير بقيةِ الأراضي المغربيةِ المحْتَلّة، وذلك في عهد الملِكين الرّاحليْن جلالةِ المغفورِ له محمّدٍ الخامس طيّب الله ثراه، وجلالةِ المغفور له الحسنِ الثّاني أكرم الله مثواه، وها هو وارثُ سرِّهما جلالةُ الملِكِ محمّدٍ السّادس أعزّ الله أمرَه، وأدام حفظَه ونصرَه، يَحذو حذوَهُما، ويَقْفُو خَطوَهُما، مواصِلاً بعدهما جهادَ البِناء والتّشْييدِ والتّنميةِ في كلِّ الميادين، وفي جميع المجالاَت، من أقصى شمال المغرب إلى أقصى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، وفي سائر مدُنه وقراه، فرَبط بذلك حاضرَ المغرب الجميل، بماضِيه العريقِ والأصيل، مستشْرِقاً غداً أفضل، ومتطلِّعاً إلى مستقبلٍ أجمل، فبارِكِ اللّهمّ جُهُودَه وجهادَه، وبلِّغْه مقصودَه ومرادَه.
