حمار الشعراء – الأرجوزة الثانية
يَا شَيْخُ يَحْيَى لَوْ أَعَدْتَ النَّظَرَا
رَأَيْتَ فِي الرَّجَزِ مِثْلَمَا أَرَى
فَالشِّبْهُ نَحْوُ شِبْهِهِ مُنْجَذِبٌ
فَلَا تَقُلْ لِي: قَدْ ظَلَمْتُ الْحُمُرَا
وَلَا تَقُلْ فِي رَجَزٍ إِلَّا كَمَا
تَقُولُ فِي الْعَيْرِ إِذَا الْعَيْرُ جَرَى
كِلَاهُمَا مُسْتَهْجَنٌ لَسْتَ تَرَى
مِنْ جِنْسِهِ إِلَّا ثَقِيلًا مُزْدَرَى
ثُمَّ أَجِدْ سَمْعًا فَقَابِلْهُ بِمَا
مِنَ الْفَضَائِلِ لَهُ قَدْ ذُكِرَا
وَهَا أَنَا أُشَنِّفُ السَّمْعَ فَخُذْ
عَنِّيَ مَا فِي كُلِّ سَمْعٍ وَقَرَا
مِمَّا بِهِ قَدْ نَطَقَتْ بِنَصِّهِ
آيُ الْكِتَابِ، وَلَهَا الْكُلُّ قَرَا
وَمَا بِهِ السُّنَّةُ قَدْ تَوَاتَرَتْ
وَالسِّيرَةُ الْغَرَّاءُ، فَاتْلُ السِّيَرَا
وَمَا بِهِ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا
قَدْ نَوَّهَتْ، وَقَالَ فِيهِ الشُّعَرَا
وَلَسْتُ فِي كُلِّ حِمَارٍ رَاغِبًا
سَمَّوْهُ عَيْرًا أَوْ حِمَارًا أَوْ فَرَا
لَكِنَّنِي يَا شَيْخُ يَحْيَى أَبْتَغِي
رِضَاكَ، لَيْسَ لِأَزِيدَ فِي الْمِرَا
وَإِنَّمَا لِكَيْ أَكُونَ مُنْصِفًا
إِذَا بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِيهِ مُعْذِرَا
وَجِئْتُ فِي أَمْرِ الْحَمِيرِ كُلِّهِمْ
بِمَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ مُخْبِرَا
أَمَّا الَّذِي لَهُمْ فَمِنْ خِلَافِهِ
تَعْرِفُهُ إِنْ تَكُ بَعْدُ مُنْكِرَا
شَأْنُ الْحِمَارِ الْحَمْلُ وَالرُّكُوبُ وَالْـ
ـحَرْثُ، وَجَرُّ الْعَرَبَاتِ فِي الْقُرَى
كَالدَّوْرِ بِالرَّحَى وَدَرْسٍ لِلزُّرُو
عِ وَالْبُذُورِ وَأُمُورٍ أُخَرَا
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ مِمْـ
ـمَا رَبُّنَا لِمِثْلِ ذَاكَ سَخَّرَا
لِتَرْكَبُوهَا، ثُمَّ قَالَ: زِينَةً
لِلنَّاظِرِينَ حِلْيَةً وَمَنْظَرَا
لَكِنَّمَا الْحَمِيرُ أَدْنَى رُتْبَةً
لِذَاكَ جَاءَ ذِكْرُهَا مُؤَخَّرَا
وَلَا تَرَى فِي النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُهَا
إِنْ كَانَ قَدْ خَيَّرَهُ مَنْ خَيَّرَا
فَالْمَشْيُ رَاجِلًا بِلَا مَطِيَّةٍ
وَلَا رُكُوبٌ فِي السِّفَارِ الْحُمُرَا
إِنَّ الْحِمَارَ شَرُّ ظَهْرٍ يُـمْتَطَى
وَشَرُّ مَرْكُوبٍ لِمَنْ يَبْغِي السُّرَى
يَمْشِي مُرَاوِحًا مَكَانَهُ فَإِنْ
أَبْصَرْتَهُ تَخَالُهُ يَمْشِي وَرَا
وَلَوْ مَعَ الْجِيَادِ سَارَ سَاعَةً
لَقَالَ: هَاتُوا لِي سِمَاطًا أَخْضَرَا
فَنَافَسَ الْجِيَادَ فِي مِضْمَارِهَا
لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا تَدَهْوَرَا
وَإِنْ تُرِدْ مِنْهُ الْمَزِيدَ زَاجِرًا
صَارَ الَّذِي أَنْكَرْتَ مِنْهُ أَكْثَرَا
وَإِنْ تَزِدْ فِي حَفْزِهِ بِوَخْزِهِ
ظَنَّكَ تَسْتَوْقِفُهُ فَقَصَّرَا
وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى تَقَدُّمٍ
خَالَكَ تَسْتَأْخِرُهُ فَاسْتَأْخَرَا
يَمْشِي الْهُوَيْنَى وَيَرَاهُ سُنَّةً
فَهُوَ إِذَا سَارَ تَقَفَّى الْأَثَرَا
وَلِلْعِثَارِ نَسَقٌ فِي سَيْرِهِ
لَيْسَ يُبَالِي حُفَرًا أَوْ حَجَرَا
وَكَمْ عِثَارٍ مَا لَهُ مِنْ بَاعِثٍ
وَإِنَّمَا بَدَا لَهُ فَعَثَرَا
وَانْظُرْ إِلَى الْأَمْثَالِ فِي مَضْرِبِهَا
بِهِ، وَكَمْ مِنْ مَثَلٍ بِهِ جَرَى
حَسْبُكَ فِي الْوَحْيَيْنِ كَمْ جَاءَ بِهِ
مِنْ آيَةٍ، وَكَمْ حَدِيثٍ سُطِرَا
وَانْظُرْ إِلَيْهِ فَرَّ مِنْ قَسْوَرَةٍ
وَقَدْ تَوَلَّى مُدْبِرًا مُسْتَنْفِرَا
كَمَا بِهِ قَدْ ضُرِبَ الْمَثَلُ فِي
إِعْرَاضِهِ عَمَّا بِهِ قَدْ ذُكِّرَا
لَوْ كَانَ فِيهِ لِلْقَبُولِ مَوْضِعٌ
مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: إِنَّ أَنْكَرَا
أَلَيْسَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ نَاهِقًا
وَيُسْتَعَاذُ عِنْدَهُ إِذَا انْبَرَى
يَا شَيْخُ يَحْيَى هَذِهِ قَضِيَّتِي
مَعَ الْحِمَارِ مَوْرِدًا وَمَصْدَرَا
قَرَأْتُ فِي آدَابِنَا مِنْ ذَمِّهِ
بَدَائِعًا مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُشْهَرَا
فَكَمْ هَجَاهُ مَنْ هَجَا مِنْ شَاعِرٍ
وَكَمْ حَكِيمٍ عَنْ حِمَاهُ نَفَرَا
فَقِيلَ فِي رَاكِبِهِ: “سَوْفَ تَرَى
إِذَا انْجَلَى الْغُبَارُ” مَا سَوْفَ تَرَى
إِنِ الْحِوَارُ وَالْحِمَارُ اصْطَحَبَا
فِي السَّيْرِ أَلْفَيْتَ الْحِوَارَ اسْتَحْمَرَا
وَصَارَ مِنْ بَعْدِ الرُّغَاءِ شَاهِقًا
وَنَاهِقًا، سُرْعَانَ مَا تَأَثَّرَا
وَلَكَ فِي حِمَارِ تُومَا مَثَلٌ
إِذْ قَالَ عَنْ رَاكِبِهِ مَا أُثِرَا
مَقَالَةً عَنْهُ حَكَاهَا مَنْ حَكَى
عَلَى لِسَانِ حَالِهِ مُعَبِّرَا
لَوْ أَنْصَفُونِي قَالَ مَا كُنْتُ أَنَا
أَحَقَّ أَنْ أُرْكَبَ إِذْ أَنَا بَرَا
لِأَنَّ جَهْلِيَ بَسِيطٌ وَالَّذِي
يَرْكَبُنِي بِالْجَهْلِ قَدْ تَدَثَّرَا
إِنَّ الْحِمَارَ مُعْرِقٌ فِي جِنْسِهِ
كَانَ أَصِيلَ الْعِرْقِ أَوْ تَحَمَّرَا
لَا يَقْبَلُ الْمَجَازَ فِي تَشْبِيهِهِ
وَهَبْهُ قِيلَ: الْعَيْرُ، أَوْ قِيلَ الْفَرَا
وَهْوَ حِمَارٌ كَيْفَمَا قَلَّبْتَهُ
وَلَوْ تَتَوَّجَ بِتَاجِ قَيْصَرَا
أَرَى الْخَلِيلَ فِي الْعَرُوضِ عَدَّهُ
وَلَمْ يُرَاعِ ضَعْفَهُ وَالْخَوَرَا
مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ
رَكْضُ الْحِمَارِ وَزْنُهُ إِذَا جَرَى
فَمَنْ تَرَاهُ عَاجِزًا عَنْ نَظْمِهِ
وَلَوْ أَرَادَ الْأَلْفَ مِنْهَا اسْتَيْسَرَا
فَإِنْ يَكُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ
شِعْرًا، فَكُلُّ النَّاسِ صَارُوا شُعَرَا
لِذَاكَ قَدْ رَكِبَهُ النُّظَّامُ فِي
أَنْظَامِهِمْ وَلَمْ يُطِيلُوا الْفِكَرَا
فَكَثُرَتْ حَمِيرُهُمْ، وَزَاحَمَتْ
أَهْلَ الْقَرِيضِ وَالْقَصِيدِ بِالْهُرَا
لَا تَأْمَنِ الْحَمِيرَ فِي رُكُوبِهَا
وَلَا تَقُلْ فِيهَا: رَكُوبُ الْفُقَرَا
فَكَمْ فَقِيرٍ قَصَمَتْ فَقَارَهُ
فَمَا تَوَلَّى الْيَوْمُ حَتَّى أُقْبِرَا
وَسَقْطَةٍ عَنِ الْجَوَادِ سَلِمَتْ
وَسَقْطَةُ الْحِمَارِ دَقَّتِ الْقَرَا
فَلَا تَقُلْ لِي فِي حِمَارٍ فَارِهٌ
فَكُلُّهَا مَهْمَا تَفَرَّهَ فَرَا
لَوْ لَبِسَ الْحِمَارُ ثَوْبَ حَبْرَةٍ
كَانَ حِمَارًا قَدْ تَرَدَّى الْحِبَرَا
أَوْ قَدْ جَرَى مَعَ الْجِيَادِ غَلْوَةً
قِيلَ: حِمَارٌ فِي السِّبَاقِ غَبَّرَا
جَاءَ أَخِيرًا وَهُوَ يَشْكُو حَظَّهُ
يَرَى لِسُوءِ حَظِّهِ تَأَخَّرَا
وَأَنَّ مَنْ يُعْلِفُهُ مُقَصِّرٌ
فِي حَقِّهِ فَهْوَ لِذَاكَ قَصَّرَا
فَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ إِنْ كَانَ فَهْـ
ـوَ وَاحِدٌ فِيمَا نَعُدُّهُ يُرَى
لَا تَرْكَبِ الْحِمَارَ يَوْمًا إِنَّهُ
بِئْسَ الْمَطِيَّةُ لِمَنْ لَهُ عَرَا
وَلَا تَثِقْ إِذَا بَدَا مُسَالِمًا
فَالنَّارُ قَبْلَ الْوَقْدِ كَانَتْ شَجَرَا
وَلَا تَقُلْ فِي رَجَزٍ: شِعْرٌ فَلَوْ
كَانَ لَمَا قِيلَ: حِمَارُ الشُّعَرَا
لَا تَأْمَنِ الْعَيْرَ فَرُبَّمَا هَوَى
بِرَاكِبٍ فَدَقَّ مِنْهُ الْمِنْخَرَا
لَمْ يَرْعَ فِيهِ ذِمَّةً أَوْ صُحْبَةً
وَلَوْ غَذَاهُ أَشْهُرًا وَأَشْهُرَا
يُعْلِفُهُ مِنْ قُوتِهِ وَيَقْتَنِي
لَهُ الْإِكَافَ وَالْمَخَالِي الْأَوْفَرَا
وَكَانَ يَسْتَوْصِي بِهِ فِي ظَهْرِهِ
فَلَا يُحَمَّلُ سِوَى مَا قَدَرَا
وَلَيْسَ يُرْدِفُ عَلَيْهِ رَاكِبًا
مِنْ خَلْفِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ مِنْ مَرَا
لَكِنَّمَا الْعَيْرُ لِسُوءِ طَبْعِهِ
لَا يَعْقِلُ الْجَمِيلَ مَهْمَا كَثُرَا
وَلَا يُبَالِي صَرْعَةً أَوْ رَفْسَةً
تَغْدُو بِهَا عَلَى الثَّرَى مُعَثَّرَا
وَرُبَّمَا زَادَ فِرَارًا بَعْدَمَا
فَعَلَهَا وَطَاشَ عَنْكَ مَنْظَرَا
ثُمَّ رَمَى إِكَافَهُ وَخُرْجَهُ
وَمَا حَمَلْتَ فِيهِ فِي عُرْضِ الثَّرَى
إِنَّ الْحِمَارَ لَأَمِيرُ نَفْسِهِ
وَلَوْ تَأَدَّبْتَ لَهُ مَا شَعَرَا
وَلَوْ تَخَيَّرْتَ لَهُ بَرْدَعَةً
مِنْ نَسْجِ صَنْعَاءَ وَوَشْيِ عَبْقَرَا
وَلَمْ يَزَلْ فِي جِنْسِهِ مُمْتَهَنًا
كَمَا أَرَاهُ فِي حِمَارِ الشُّعَرَا
وَلَيْسَ هَجْوِي لِلْحِمَارِ غَايَتِي
كَانَ حِمَارَ الشِّعْرِ أَوْ كَانَ فَرَا
وَإِنَّمَا جَعَلْتُهُ وَسِيلَةً
أُمَلِّحُ الْجِدَّ بِهَا إِذَا عَرَا
فَفِي زَمَانِ الْجِدِّ تَحْلُو سَاعَةٌ
لِلْهَزْلِ يَمْرَحُ بِهَا مَنْ سَمَرَا
فَنَمَطُ الْقَوْلِ عَلَى وَتِيرَةٍ
يَمَلُّ مِنْهُ مَنْ بَدَا أَوْ حَضَرَا
فَخُذْ إِلَيْكَ هَذِهِ تَكْمِلَةً
فِي رَجَزٍ طَلَّقْتُ فِيهِ الْأَبْحُرَا
جَبْرًا لِخَاطِرِ أَدِيبٍ بَارِعٍ
أَحَبَّهُ فَقُلْتُ فِيهِ مَا تَرَى
ثُمَّ أَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِمَا
مِنِّيَ مِنْ هَزْلٍ بَرِيءٍ صَدَرَا
وَقَائِلٌ خِتَامَ مَا دبّجْتُهُ
صَلَّى وَسَلَّمَ عَلَى خَيْرِ الْوَرَى
مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ
ثُمَّ عَلَيْكُمْ مَعْشَرًا فَمَعْشَرَا
د. عبد الهادي حميتو
