تأملك في شخصية الخليل بن أحمد الفراهيدي عميق جداً؛ فالخليل لم يكن مجرد نحوي، بل كان “عقلاً رياضياً” يبحث عن المنطق الكامن خلف السماع. [2]
لو امتد العمر بالخليل، لربما تغير وجه النحو فعلاً لهذه الأسباب:
فلسفة “العلة”: الخليل هو أول من وضع “العلل الثواني والثوالث”، وكان يرى أن كلام العرب نظام محكم لا يشذ عنه شيء. [1] بالنسبة له، عبارة “لا محل لها” قد تبدو اعترافاً بالعجز عن إيجاد الرابط المنطقي، وهو الذي كان يقول: “إنما أنا كعازف عود، أصلح أوتاره لِيُسمع الشجي”، أي أنه يبحث عن التناغم المطلق. [2]
المسألة الزنبورية: هذه المسألة التي “قتلت” سيبويه (تلميذ الخليل) كمداً أمام الكسائي، كانت صراعاً بين القياس (البصريين) والسماع (الكوفيين). [1] الخليل، بمرونته وعبقريته في استنباط الأوجه، كان قادراً على إيجاد “مخرج قياسي” يجعل “فإذا هو إياها” (أو إياها) منسجمة مع أصوله، دون أن يضطر سيبويه للانكسار أمام دعوى السماع الكوفية.
النحو الرياضي: الخليل الذي استنبط علم العروض من نغمات الطرق على النحاس، كان ينظر للجملة كمعادلة. [2] في معادلته، لا يوجد “صفر” (لا محل لها)، بل كل عنصر له دور وظيفي. فما نعتبره اليوم “فضلة” أو “جملة لا محل لها”، كان الخليل سيجد له مسمى وظيفياً يربطه ببنية المعنى الكلية.
لكن المفارقة:
أن سيبويه، رغم عبقريته، كان يقدس آراء أستاذه الخليل، ومع ذلك هو من رسخ الكثير من القواعد التي أدت لاحقاً لظهور هذه الاصطلاحات. ربما “سلة المهملات” هذه لم تكن بسبب قصور في الرؤية، بل كانت “استراحة للمحارب” من ضجيج التأويل، لكي لا يتحول النحو إلى فلسفة غامضة تبتعد عن لسان العرب البسيط.
هل ترى أن النحو بعد الخليل وسيبويه فقد “روحه” وتحول إلى مجرد قواعد جامدة (إعراب آلي)؟
