توقفت الحافلة، التي كانت تقل التلاميذ في طريقها إلى مجموعة سكنية تبعد حوالي 20 كيلومترًا، قرب مزرعة تعكس الهدوء الريفي. نزلتُ منها عازمًا على التوجه إلى منزل عائلتي لقضاء الليل والصباح مع أحبائي. كانت الأجواء مليئة بالتوتر وسط ظلام دامس حالك، حيث كانت الساعة تشير إلى نحو الثامنة ليلاً، وعندها شعرت أنني أفتقد أي إحساس بالاتجاه. كانت الطرقات غير مرئية تقريبًا، ولذا كان من الضروري تجنب كل ما من شأنه أن يُعرّضني للسقوط أو التعثر. كما كانت الأصوات الخارجة من الكلاب تُثقل الأجواء، كلما سمعت صوت خطواتي على الأرض المغطاة بنبات البَرْوَق (البرواگ باللهجة الدارجة)، كنت أشعر بأن الكلاب قد تستنفر وتبدأ في النباح وملاحقة الغريب، مما يزيد من شعوري بالخوف. كان سكان القرية لا يزالون مستيقظين، والكلاب تُراقب بحذر، مما جعل الأجواء أكثر توترًا.فكرت في كم هو مرعب أن أضل الطريق في هذه الليلة المعتمة، فكيف يمكن أن أضل في أماكن لطالما كانت مسرحًا لذكرياتي وطفولتي السعيدة؟ هل يُعقل أنني يمكن أن أتشتت في غابة الكينا الصغيرة التي كانت على يساري، أو في سياج الصبار الذي كنت أعرفه عن ظهر قلب؟ رغم كل ذلك، واصلت السير بخطوات حذرة.وأخيرًا، بعد جهدٍ مضنٍ، وصلتُ إلى المنزل. مع بضع خطوات أخيرة، جادتني بوادر الأمان. كان ذلك الملاذ الآمن الذي حلمت دومًا بالعودة إليه، وكنت أعرف أنني سأندم لاحقًا على مغادرته. عندما رأتني والدتي ووالدي، عُمِر المكان بفرح كبير، وكانت عيونهم مليئة بالبهجة كأنما أعدت إليهم الحياة. تلك اللحظات نادرة وقيمة، إذ إن الحياة الريفية ليست سهلة، وأوقات الِلّقاء مع الأسرة تصبح كنزًا لا يُقدر بثمن. كل شيء اعتدته منذ الطفولة بدا حيويًا من جديد، وكأنني عدتُ إلى ما كنت عليه قبل وقت طويل.

Design a site like this with WordPress.com
Get started