*رحلة إلى الوطن**توقفت الحافلة التي كانت تقل التلاميذ، متوجهة نحو مجموعة سكنية تبعد حوالي عشرين كيلومترًا، قرب المزرعة. عندما نزلت من الحافلة، شعرت بانتعاش الهواء الريفي، وعزمت على التوجه إلى منزلي لقضاء الليل والصباح مع عائلتي. كانت تلك اللحظة تجمع بين شعور الفرح والحنين إلى الأوقات التي قضيتها في أحضان عائلتي، لكن كان هناك أيضًا شعور بسيط بالقلق.**تغيب النور وذئاب الليل**عندما وصلت إلى المزرعة، كان الظلام دامسًا، فقد كانت الساعة حوالي الثامنة مساءً. كان الظلام كثيفًا لدرجة أنك لا تدري أين تضع قدميك، مما جعلني متوترًا ومشوشًا. تذكرت جيدًا أنه من الضروري تجنب التعثر والسقوط على الأرض المكسوة بنبات البَرْوَق، أو “البرواگ” كما يُعرف في الدارجة. كنت أعلم أنه إن سمعني الكلاب، التي كانت تحرس المكان بحذر، قد تبدأ بالنبح ومطاردة الغريب الذي يجرؤ على التفاعل مع صمت الليل.في الأرياف، يبقى السكان مستيقظين لساعات متأخرة، والكلاب تراقب الأرجاء بصمت وتوتر، مما زاد من شعوري بالخوف. جالت في خاطري فكرة الذهاب في الاتجاه الخاطئ في ليلة بلا قمر، لكنني سرعان ما طردت تلك الفكرة من ذهني. كيف يمكنني أن أضل الطريق في هذه الأماكن التي كانت مسرحًا لطفولتي، والتي مشيت في أرجائها آلاف المرات؟**ذكريات الطفولة ولحظات الأمان**أغمضت عيني للحظات، مسترجعًا الذكريات، قبل أن أستجمع قواي وأواصل المشي. بطريقة ما، أدركت أنني أقترب من غابة الكينا الصغيرة على يساري، وسياج الصبار الذي كان يشكل حدًا طبيعيًا لحديقتنا. تذكرت كيف كنت ألعب في تلك المنطقة، وكيف كانت الطفل في داخلي تبحث عن المغامرة في كل ركن. ومع تقدم خطواتي، شعرت بالأمان يدب في قلبي. لم يكن هناك شيء يضاهي شعور العودة إلى الوطن. بالإضافة إلى الممر الضيق المؤدي إلى المزرعة، عرفت أنني على بعد بضع خطوات فقط من ملاذي. كانت أصوات الليل تعزف لحنًا غريبًا، لكنني لم أعد خائفًا.**الوصول إلى المنزل**وأخيرًا، وصلت إلى المنزل. بينما كنت أتقدم نحو الباب، كان أمامي فقط بضع خطوات لأدخل هذا الملاذ الآمن، الذي سأندم على مغادرته لاحقًا بشدة. فتحت الباب ببطء، لأجد والديّ في انتظاري، وكانت المفاجأة في عيونهما. تعبير الفرحة على وجهيهما كان يستحق كل الجهد الذي بذلته للوصول إليهما.احتضناني بحب، وكأنما كانت تلك اللحظات نادرة في حياتنا. مشاعر الفرح والانتصار تغمرني، وكانت قلوبنا ممتلئة بالحب والشغف. في ذلك المساء، جلسنا معًا نتحدث، نتبادل القصص والتفاصيل عن يومنا، واستعدنا الذكريات التي لا تُنسى. شعرت ببعض الدفء والحميمية التي تذكرتني بكلاسيكيات الحياة الأسرية، كيف يمكن لحظات بسيطة أن تكون الأكثر قيمة. في النهاية، أدركت أن العودة إلى الوطن ليست مجرد رحلة مكانية، بل هي رحلة عاطفية مع الذات. كانت تلك الليلة مليئة بالمشاعر والدروس؛ إذ أدركت كم أن وجود العائلة، ودفء المنازل، يعدان من أكبر النعم التي قد نتمتع بها في حياتنا.

Design a site like this with WordPress.com
Get started