في ذكرى الرجل الأنيقكان هناك رجل، يُعتبر واحدًا من أكثر الرجال أناقة في سجل الذاكرة، ترك أثراً عميقًا في قلوب من عرفوه. كان مشيته تحمل سحرًا خاصًا، كما لو كان يستمع إلى نغمة موسيقية فريدة لا يسمعها سواه. ضحكته كانت تنقل شعوراً بالتفاؤل، مقنعة العالم بأن الحياة لا تزال تستحق العيش بكل خضرتها وألوانها.**عائلته الصغيرة**أنجب الرجل أربع بنات وولداً واحداً. كان هذا الولد أشبه بشعاع الشمس في حياته، فتجسدت فيه كل صفاته وأحلامه. تحملت العائلة الصدمة الثقيلة عندما رحل الابن قبل عام، فبدلاً من الاعتراف بحقيقة الفقد، تواطأت معًا على صياغة هذه الخسارة بطريقة لطيفة، قائلين له إنه “سافر لاستلام عملٍ مهم، ولن يعود قريبًا.” ابتسم الأب كعادته، لكنه بعد برهة، طرح سؤالاً جعل قلبه ينفطر: “ولماذا لم يتصل بي ليودعني؟” كان سؤاله كخنجر مغطى بالبراءة، يحمل في طياته ألم الفقد والحنين.**الظلال التي تتراقص**اليوم، أصبحت حياته مليئة بالظلال التي تتدلى أمامه، بعضها يشبه زوجته التي سبقته إلى الرحيل، والآخر يمثل بناته اللاتي يتجادلن حول دوائه. وهناك ظل صغير يضحك، يتراقص كالشمس في الفجر، وظل حفيد لم يستطع تمييز اسمه من بين الحروف المتناثرة.أذكر أنني كنت طفلة، وعندما أنظر إليه، كنت أظنه لا يخاف شيئًا. لكن تلك اللحظة التي كان يفك فيها ساعته ويضعها بعيدًا قبل النوم ساورتني بالخوف. تساءلت بسذاجة: “كيف سيعرف الزمن إذا استيقظ من دونها؟ وهل سيفوته صباح جميل؟”**السمات الموروثة**على الرغم من وسامته القديمة، لم يرث أحد من عائلته ملامحه، إلا حفيدة واحدة، وُلدت بصافية العينين، وقدم والدها لها اسمًا خاصًا. قال قبل زواجه بسنوات: “إن رُزقت بفتاة فسأسميها سيدرة المنتهى…” وعندما وُلدت، أضحت تلك الكلمات أغنية تتردد في المنزل، تحمل معها عبق البساطة والبراءة.**حكايات الزمن الماضي**مثل كل رجال الزمن الماضي، كان هذا الرجل حكاءً بارعًا، لكنه كان يفتخر بإيمانه بأن السعادة تسرق منا مع أول ضوء. كان يستيقظ قبل بزوغ الفجر، يتوضأ بصمت عجيب، ويذهب إلى شرفته كأنه في طريقه إلى عزاءٍ أو عيد، محاطًا بمشاعر مختلطة من الهيبة والسرور.لم يكن يختفي في عالم يتطور بسرعة؛ بل كان يسافر سرًا إلى الله، حتى يعود صوته أكثر نقاءً، كأنه كان في حوار دائم مع ذاته ومع الكون.**التقاليد القديمة**لم تغره شاشات العصر وزحام المدن. بقي متمسكًا بطقوسه القديمة؛ أكواب الشاي الثقيلة والنُسخ القديمة من القرآن، وصوره بالأبيض والأسود التي تحكي قصصًا لم تُروَ. كان وكأنه يرفض تحديث روحه، محتفظًا بجوهره القديم وسط عالم متغير.قبل عشر سنوات، بدأت ذاكرته تنطفئ رويدًا رويدًا، حتى صار عالمه خاليًا من الذكريات. تخيل أنه أمضى عقدًا كاملاً يشاهد أحبابه يتساقطون من ذاكرته، واحدًا تلو الآخر، وكأنه يودع العالم على مهل، بما يضمن ألا يوقظ أحدًا من سباته.**ختام الذكريات**في النهاية، كان هذا الرجل صياغة فريدة من النوع الإنساني، شخص يحمل في طياته حكمة العمر وجمال الروح. ترك وراءه ذكريات ترفرف كالعصافير في سماء الحياة، وما زالت تلك الذكريات تعيش في قلوب من أحبوه، تجعلهم يبتسمون في رحيلهم عن الدنيا واستعادة لحظاتهم الجميلة. تظل قصته رمزًا للأناقة والحنين، تركت بصمة لا تُنسى في سجل الذاكرة.

Design a site like this with WordPress.com
Get started