وقد أحب الفتاة أكثر مما أحبته، ولكنها كانت غريرة لا تتبين منزلة ما بين الحب والاستسلام، وبين ما يعده الرجل وعدا بالفعل وما يراه وعدا بالكلام، ولم تعرف أن هذا الحب سلاح ذو حدين، فالمرأة تقتل به من ناحية الرجل، فإن غفلت مرة عن نفسها قتلت هي به أيضا من ناحيتها، وأن حب الرجل حب مجنون بطبيعته، فإذا لم يكن حب المرأة عاقلا انقلب كلاهما حيوانا طامس القلب لا يبالي ما جنى على نفسه، وأن الرجل يقاد من رغبته ما دامت أملا في قلبه، فهو يعد المرأة ما شاءت وشاء لها الهوى، حتى إذا انقطع هذا الزمام انقطع ما بين لفظ الوعد ومعناه، فأخذ منها ما أخذ وترك في يدها ما أعطى، وما عسى أن يكون قد أعطاها إلا آمالاً ومواعيد وغروراً من زخرف القول؟ وكذلك أمر الرجل والمرأة: تحسب الفتاة إذا هي أحبت فاستأثرت لصاحبها أنها تبذل في مرضاته أعز ما تملك، وتنوله خير ما استؤمنت عليه، وتعطيه ما لا تستعيض منه آخر الدهر، وأن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما، وأن يكون ميثاقاً للحب غير منقوض، ويحسب الرجل أنها لم تنله إلا شيئاً هيناً قريب المنالة، هو عندها وعند كل امرأة، فإن كان سري الخلق نبيل النفس رثى لها مما صارت إليه، وندم كما يندم على الإثم …#الرافعي#المساكين

Design a site like this with WordPress.com
Get started