اوبنهايمر ” اب القنبلة النووية” يقول “لقد اصبحت الموت, مدمّر العالم”.
يحتل روبرت أوبنهايمر موقعًا فريدًا في تاريخ الفكر العلمي المعاصر، لا بوصفه فيزيائيًا لامعًا فحسب، بل باعتباره تجسيدًا حيًا للمأزق الفلسفي الذي بلغه العقل الإنساني حين امتلك قدرة التدمير الشامل. إن الحديث عنه لا ينفصل عن الحديث عن القنبلة النووية، لا كاختراع تقني، بل كحدث وجودي غيّر صورة الإنسان عن نفسه، وعن حدود ما يجوز له أن يفعله باسم المعرفة.
قاد أوبنهايمر مشروع مانهاتن في سياق تاريخي محكوم بالخوف والضرورة، حيث بدا العلم آخر خطوط الدفاع في حرب تهدد مصير العالم. في تلك اللحظة، كان العقل العلمي يعمل بمنطق الإمكان: ما دام الأمر ممكنًا تقنيًا، فلا بد من تحقيقه. غير أن لحظة النجاح نفسها حملت بذور الانكسار. فعند أول تفجير نووي تجريبي في نيومكسيكو، لم يكن انتصار العقل سببًا للاحتفال الخالص، بل مناسبة لوعي مثقل بالمسؤولية. في تلك اللحظة استدعى ادرك أوبنهايمر التالي: «لقد أصبحتُ الموت، مدمّرَ العوالم». لم تكن العبارة تعبيرًا شعريًا عابرًا، بل اعترافًا فلسفيًا بأن الإنسان تجاوز حدوده، وأن المعرفة بلغت منطقة لم تعد البراءة ممكنة بعدها.
بعد هيروشيما وناغازاكي، بدأ أوبنهايمر ينظر إلى القنبلة لا بوصفها إنجازًا علميًا، بل بوصفها عبئًا أخلاقيًا. لقد أدرك أن الفيزياء، التي سعت طويلًا إلى فهم قوانين الطبيعة، تحولت فجأة إلى أداة قادرة على محو المدن والبشر في لحظات. ولهذا قال بمرارة: «كان الفيزيائيون يعرفون الخطيئة، وهذه معرفة لا يمكن نسيانها». فالخطيئة هنا ليست دينية، بل وعي لا رجعة فيه بأن العلم لم يعد بريئًا، وأن العالم لم يعد قادرًا على الاحتماء بحجة الحياد.
ما يميز موقف أوبنهايمر أنه لم يهرب من مسؤوليته، ولم يتبرأ من دوره، بل حاول أن يحوّل تجربته إلى تحذير إنساني. لقد فهم أن القنبلة النووية غيّرت طبيعة الحرب والسياسة معًا، وأدخلت العالم في عصر أصبح فيه الفناء خيارًا واقعيًا. ولهذا قال: «القنبلة النووية غيّرت كل شيء إلا طريقة تفكيرنا، ولذلك فإننا نسير نحو كارثة». في هذا القول تختصر أزمته الفكرية: فالمشكلة لا تكمن في التقدم العلمي ذاته، بل في تأخر الوعي الأخلاقي عن ملاحقته.
من هنا جاءت دعوته إلى الرقابة الدولية على السلاح النووي، ومعارضته لتطوير القنبلة الهيدروجينية، إدراكًا منه أن منطق القوة إذا تُرك بلا قيد، فإنه سيقود إلى سباق لا نهاية له، حيث يصبح البقاء نفسه مرهونًا بالتوازن الهش للرعب. وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين قال: «نحن العلماء قد صنعنا أداة لا يمكن لأي أمة أن تحتكر استخدامها دون أن تهدد الإنسانية كلها». إنها لحظة انتقال العالم من دور الصانع إلى دور الشاهد القَلِق، ومن الثقة بالعقل إلى الخوف من نتائجه.
لكن هذا الموقف الأخلاقي كلّفه كثيرًا اذ عوقب أوبنهايمر سياسيًا، وسُحبت منه تصاريحه الأمنية، وكأن النظام الذي احتفى بعقله حين خدم القوة، لم يعد يحتمل صوته حين طالب بالحكمة. وهنا تتجلى المأساة الحديثة في أوضح صورها: العالم يُستدعى حين يكون أداة، ويُقصى حين يصبح ضميرًا. حتى انه بامكاننا القول ان العالم مجرد تكنوقراط او اداة تبيض المعرفة فتبيعها ومن ثم تغترب عنها فلم تعد تحت سيطرتها…
إن أوبنهايمر، فيالحقيقة، ليس مجرد «أب القنبلة النووية»، بل رمز للوعي المأزوم في العصر العلمي. لقد كشف أن السؤال الأخطر ليس: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل؟ بل: ماذا ينبغي له أن يفعل؟ وأن التقدم، إذا لم يُرافقه نضج أخلاقي، قد يتحول من وعد بالتحرر إلى تهديد للوجود ذاته. ولهذا يبقى إرث أوبنهايمر الحقيقي ليس في القنبلة التي صنعها، بل في القلق الذي تركه لنا جميعًا، قلق الإنسان أمام قوة عقله حين تتجاوز حكمته.
philobac اوبنهايمر انشتاين prof dhahak العلم بين الحقيقة والنمذجة الحدود الفلسفية

