الشرارة الفطرية الميتافيزيقية

الشرارة الفطرية الميتافيزيقية المقتصدة – محاولة في فضاءات الممكن

طالما ألح سؤال البدايات، السؤال الأعظم، على العقل البشري من حيث هل من تفسير لسبب وجود هذا الكون و وجودنا نحن فيه؟ و هل هنالك سبب و معنى لهذا الوجود؟ و تنوعت الإجابات، على مدى عمر البشرية و توزعت على مساحات مختلفة من أشكال و أطر التفكير، حيث امتدت هذه الإجابات في المساحة فيما بين الرؤية المادية التي ترفض أي تفسير يخرج خارج إطار هذا الكون المادي، إلى رؤى استثمرت كل ما قد يصل اليه العقل البشري من تأملات ميتافيزيقية.

لقد حاول الإنسان أن يبتكر معايير و أسس يحاكم فيها مجمل الإنتاج العلمي و الفكري الإنساني، ليضمن أعلى مستوى من الوضوح و الدقة عند تقييم أية فلسفة أو رؤية أو نظرية تساهم في تقديم أية أجوبة على مثل تلك الأسئلة الكبرى، أسئلة المعنى، فظهر المنطق بأنواعه المختلفة و ترسخت فلسفات العلوم و غيرها من المرجعيات المعرفية ذات الصلة.

لا بد لنا من التأكيد على أهم المخرجات العلمية و الفكرية التي يمكن اعتبارها كثوابت مرجعية لا يمكن تجاوزها عند تناول أو تقديم أية رؤية فكرية فيما يخص الأسئلة الكبرى، حيث أن استبعاد مثل هذه الثوابت سيفقد أي طرح، كإجابة عن تلك الأسئلة الكبرى، تماسكه و متانته, حيث أن من أهم هذه الثوابت ما يلي:

1- أن الطرق المتاحة أمام الإنسان لاستكشاف العالم تتمثل في إتباع منهجيات العلوم الصارمة بكل ما يستدعيه ذلك من توظيف للملاحظة و التجربة و الأساس المنطقي التي تقوم عليه الفرضيات و النظريات العلمية، إضافة إلى أسس عقلانية و أشكال استدلال متينة تؤسس لأي فلسفة أو رؤية فكرية. 

2- كثير من مكونات هذا العالم و أسراره مازالت غير مكتشفه، و ما زال الطريق طويلا أمام العلم لاستجلاء بعض حقائقه، أي أن ما هو معروف لدى البشر عن هذا العالم بأشيائه و مكوناته هو الجزء القليل.

3- خلال مسيرة البحث العلمي، تم اكتشاف العديد النظريات و القوانين التي تفسر بعض أشياء الكون و العلاقات التي تربط فيما بين هذه المكونات و سير عملها، هذا على مستوى الأجسام الكبيرة و العالم المنظور، و إضافة إلى ذلك تم الكشف عن بعض القوانين التي تضبط سير الأشياء على المستوى الذري، و تم رصد العالم ألموجي غير المنظور، و هذا هو ما تختص به نظرية الكوانتم بكل تشعيباتها.

4- ما زال مفهوم الوعي الإنساني و ما يرتبط به من أبعاد روحية، لغزا محيرا للبشر و ما زالت العلوم و الفلسفة لم تستطع تقديم تفسير موثوق و شمولي لهذا المفهوم.

5- أثبتت تجربة الإنسان العلمية و الفكرية، أنه لا بد أن يتسلل شيئا ما من الميتافيزيقا إلى تفكير الإنسان و طروحاته الفكرية، حتى في نظرياته العلمية الصارمة، لذا فلا مناص للإنسان من هذا التأثر و لو الطفيف من هذا الشكل الفكري.

6- أن أكثر النظريات و الفلسفات و الرؤى التي تحاول تقديم إجابات على الأسئلة الكبرى و معنى هذا الوجود، هي تلك التي تستند و تنطلق من أرضية علمية واقعية مثبتة و واضحة، و أن تستوعب حقيقة أنها تلعب في مساحات من الاحتمال و الممكن، و أن تبقى حذرة من الغرق في أي خطاب ميتافيزيقي.

   لو نظرنا إلى جميع العلوم و الفلسفات و المعارف التي تناولت الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، لأمكننا التوقف عند أهم تلك الأسس و المنطلقات التي استندت إليها هذه المعارف في إجاباتها على هذه الأسئلة، فمثلا هنالك رؤية صلبة و قطعية عند بعض العلماء حيث تعتبر أن لا وجود إلا للعالم المادي و أن أي مفهوم أو تفكير خارج هذا الإطار يعتبر بلا معنى، كما يتضح ذلك عند العلماء المسترشدين بالوضعية المنطقية ( هذه رؤية حذرة، تسعى إلى الوصول إلى أعلى مستويات الحقيقة وضوحا، لكنها في المقابل قد أغلقت أي احتمال لأي وجود أخر خارج الإطار المادي، و هذا بحد ذاته مجازفة و قطعية لا تثبت عدم وجود آخر خارج المادة)، كما و يوجد رؤية علمية أخرى تؤكد بأن مجال العلم هو الكون المادي، و يتوقف عن أي إجابة عن إمكانية وجود آخر خارج الإطار المادي و يعتبر مثل هذه الإجابات هي خارجة عن اختصاصه و من اختصاص فلسفات و معارف أخرى (أي لا يثبت و لا ينفي وجود عالم خارج الإطار المادي، حيث يبقى الأمر مفتوحا على عالم الاحتمالات)، هنالك بعض الفلاسفة و المفكرين من يحاولون الإخلاص للمنتج العلمي، و يحرصون على الانطلاق منه من أجل بناء رؤية تتأسس على أرضية علمية، و لكن بان تسمح لنفسها باللعب في ساحة الميتافيزيقا من أجل بناء تصوراتها الخاصة و تقديم إجاباتها على الأسئلة الكبرى بحيث تضمن تماسك منطقي في طرحها (أي أن هذه الرؤية تعتبر نفسها أنها قامت باستثمار المنتج العلمي ألوثوقي، و استندت إلى أبنية منطقية من أجل قديم أجوبة على الأسئلة الكبرى، حتى لو كان هيكل هذه الرؤى ميتافيزيقي في جوهره، و تعتبر نفسها أنها تجرب في مساحات الاحتمال و الممكن)، و أخيرا هنالك رؤى تقوم بالأساس و في جوهرها على خطاب ميتافيزيقي متعالي، لا يحتكم إلى العالم المادي وقوانينه، مثل الأديان و الرؤى الروحية الأخرى .

ماذا عن الشرارة الفطرية الميتافيزيقية المقتصدة ؟ 

هي ذلك الوميض أو الشرارة الداخلية، التي تولد مع الإنسان و تنغرس في أعماقه، و لا تفعل أكثر أو أبعد من التنبيه إلى وجود عظمة مفارقة خارج الإطار المادي للكون و الحياة، و هي مفهوم إخباري و ليس تفسيري، و يعتبر أية محاولة لتفسير هذه العظمة أو محاولة فهم ماهيتها أو فعلها هو انزلاق و توهان في الميتافيزيقي، أما فيما يخص جانب المقتصدة من المفهوم، فهو أنها لا تقبل بأي شكل من أشكال الغرق في الميتافيزيقا، و جل ما استندت عليه و اعتمدته من الميتافيزيقا هو الأيمان بفطرية تلك الشرارة فقط.

أما ما هو مطلوب من الإنسان فعله في هذه الدنيا وفقا لهذا المفهوم، فهو الامتثال إلى العقل في كل مسعى، فالعقل هو الأساس لكل منجز علمي، فكري و معرفي، العقل هو من يؤسس للدساتير الأخلاقية و القيمية المرنة، العقل هو من يجب أن يناط به إدارة المكون العاطفي للإنسان لضمان سلوكه العاطفي الغني الفاعل، حيث و إن جاز لنا القول و على سبيل التقريب، فإن العقل هو مطلب تلك الشرارة من الإنسان بقدر ما هو العقل يمثل الطريق إلى تلك الإشارة.

و كما هي نقطة التفرد بالنسبة للنظريات الفيزيائية في ال Big Bang ، هي النقطة التي ابتدأ عندها الكون، ولا إجابة لأي سؤال عن ما قبلها، فالشرارة الفطرية الميتافيزيقية المقتصدة كذلك هي تلك النقطة المتفردة التي لا يمكن السؤال عن ماهيتها و تفاصيلها.

لذا نجد أن مفهوم الشرارة الفطرية الميتافيزيقية المقتصدة، هو محاولة في إطار المحتمل و الممكن، حافظت على المنظور المادي للكون و وجاهته و فتحت نافذة لها مبررها الاحتمالي، على عالم آخر مستغلق على الإدراك البشري و لا طريق للوصول إلى فضاءاته.

Design a site like this with WordPress.com
Get started