#هل لاحظتَ تغيّر ميزاج طفلك؟
ازدياد حدّة بلا سبب ظاهر، حركة فائضة تشبه الارتعاش، استجابة مفرطة للمثيرات الصغيرة، إدراكا مشتّتا، ارتباكا لا اسم له، قلقا يتسلّل بلا مبرّر، انطواء مفاجئا، اضطرابا في النوم، في الشهية، في النظرة إلى الأشياء؟
هذه التحوّلات لا تسقط من السماء، ولا تولد من فراغ سلوكيّ غامض، إنها أعراض، والعارض لا يظهر دون مُسبّب، والمُسبّب هنا يلمع في يد الطفل، شاشة مضيئة، هاتف صغير بحمولة هائلة من العنف الرمزي، والإثارة العصبية، والضغط النفسي الصامت…
الهاتف الذي اشتريتَه له بدافع المحبة، الهاتف الذي تُعطيه إيّاه أحيانا كي “يلعب قليلا”، كي “يسكت”، كي تنجو من الضجيج، من الأسئلة، من التعب…
ذلك الهاتف ذاته يعيد تشكيل جهازه العصبي، يدرّبه على الإشباع الفوري، يعلّمه القفز بين الصور دون تثبيت، يعلّمه الاستهلاك دون تأمّل، ويغرس فيه اقتصاد الانتباه بوصفه نمط وجود.
الطفل الذي يهدأ بالهاتف لا يهدأ.
إنه يُخدَّر. السكوت هنا علامة انسحاب، علامة استسلام داخلي، علامة انطفاء مؤقت لقلق سيعود لاحقا أكثر شراسة.
الطفل الذي تظن أن مقاطع الفيديو، والألعاب، ومواقع التواصل ستزيد من صحته العقلية أو رصيده المعرفي، يعيش داخل مختبر مفتوح، خوارزميات تقايض انتباهه بالمتعة، وتحوّل وعيه إلى مادة خام، وتعيد تشكيل مخياله وفق إيقاع السوق….
أنت لا تربي طفلا حين تتركه للشاشة.
أنت تفوّض وعيه. تفصل الجسد عن الخبرة المباشرة، تفصل العين عن العمق، تفصل الزمن عن معناه. تزرع فيه انفصاما دقيقا، غير صاخب، انفصاما بين العالم الواقعي البطيء، والعالم الرقمي المتسارع، بين الصبر والتدفّق، بين المعنى واللذة…
هذا الانفصام لا يظهر فورا. إنه يعمل بصمت، كتشقق داخلي.
سيظهر في المراهقة على هيئة عدوانية بلا سبب، سيظهر في العشرينات كفراغ، سيظهر لاحقا كعجز عن التركيز، كفقدان للدهشة، كملل وجوديّ دائم.
لقد دُقّ ناقوس الخطر مرارا…
الدراسات الحديثة تتحدّث بلغة الأرقام عن ارتفاع القلق، عن اضطرابات الانتباه، عن الاكتئاب المبكّر، عن الإدمان السلوكي، عن تآكل القدرة على التعاطف.
الدماغ الطفولي لا يحتمل هذا السيل من التحفيز المستمر، هذا التبدّل السريع، هذه الإثارة الدائمة… النتيجة دماغ يبحث عن الجرعة الأعلى، عن الصورة الأقوى، عن الصوت الأعلى، عن المكافأة الأسرع…
المخدر لا يقاس فقط بالمادة. يقاس بالأثر. وأثر الهاتف على الطفل يحاكي منطق الإدمان، دائرة المكافأة، الدوبامين، التعلّق القهري، الانسحاب، التهيّج.
تخيّل أنك تضع في يد طفلك مادة تغيّر كيمياء دماغه، تسرق انتباهه، تضعف قدرته على الاحتمال. هذا ما يحدث، دون رائحة، دون حقنة، دون خوف اجتماعي.
أنت تصنع مدمِنا حين تعتقد أنك تُسليه. تُضعف ذاتا ناشئة حين تعتقد أنك تُريحه. تهدي له أداة تفكّك علاقته بنفسه، وبالآخر، وبالزمن….
ما كان ميشيل فوكو ليغيب عن هذا المشهد، فهنا سلطة ناعمة، لا تعاقب، لا تمنع، بل تُغري، تُسلي، تعيد إنتاج الطاعة عبر المتعة، وتحوّل الجسد الصغير إلى ذات مُنضبطة دون أوامر…
نحن لا نعيش أزمة تكنولوجيا. نعيش أزمة معنى،
أزمة تربية، أزمة وعي بالحدود…
الطفل يحتاج فراغا كي يتخيّل،مللا كي يبدع، احتكاكا كي يتعلّم، بطئا كي يفهم.
لا تتهوّر.
الوعي مسؤولية.
والحب لا يقاس بعدد التطبيقات، إنما بقدرتك على حماية إنسان في طور التشكّل، من عالم لا يرحم الضعفاء،
ولا ينتظر من لم يتعلّم الصبر…
اللهم اني قد بلغت فٱشهد ..
