إنّ مقتضى الحكمة في مجال الممارسة العملية يفرض على الإنسان ألا يقف مكتوف الأيدي أمام ضرورة الفعل؛ فبينما يطلب العقل اليقين المطلق، يجد الفرد نفسه مضطراً لاتّباع آراء أكثر الناس حُسناً في الحكم، وتنظيم سلوكه وفق آراء الجماعة التي يعيش بينها، حتى لو وُجدت رجاحة العقل لدى شعوب أخرى بعيدة كالفُرْس أو الصينيين. إننا نضطر أحياناً إلى اتخاذ آراءٍ كما لو كانت فوق الشك، رغم إدراكنا العميق لمظانّ الارتياب فيها، وذلك لأنّ حياة الإنسان الاجتماعية لا تحتمل التأجيل.
على هذا الأساس، يتحدد الحس المشترك (Sensus Communis) ليس بوصفه معرفة برهانية جافة، بل كقدرةٍ حية تُمكّن من إدراك ما هو ظاهر وراجح، وهي القدرة التي أسّس عليها “فيكو” دلالة البلاغة وحقوقها المستقلة. فالحس المشترك هو إحساس بما هو صواب وبما يحقق الخير العام، وهو ليس هبة فطرية معزولة، بل ممارسة تُكتسب من خلال العيش داخل الجماعة وبُناها وغاياتها.
إنّ هذا النوع من المعرفة، وإن كان قائماً على الشهادة التاريخية، فإنه يُحدث فينا يقيناً لا يقلّ قوة عن يقين البديهيات الرياضية. فالتاريخ (Historia) يظلّ مصدراً للحقيقة مغايراً تماماً للعقل النظري، بل هو منبع للحقائق كما رأى “أوتنغر” في بحثه العميق للحس المشترك.
ومن هنا، وجب التصحيح: إنّ كل فهم ينطوي بالضرورة على نوع من التحامل أو الأحكام المسبقة، وهذا لا يُنقص من قيمة الحقيقة، بل يمنح الإشكال التأويلي قوته. فالتحاملات التي يحملها الفرد هي التي تُكوّن الواقعية التاريخية لوجوده، وهي أكثر تأثيراً من أحكامه الواعية. ولعلّ من أكبر أخطاء عصر التنوير هو الحطّ من شأن “السلطة” واعتبارها نقيضاً للحقيقة، في حين أنها مصدر لها. إنّ التحيّزات والمعاني السابقة التي تشغل وعي المؤوّل ليست عوائق صمّاء أمام الفهم، بل هي تحيّزات مُنتِجة، وهي الشرط الأساسي الذي يجعل فعل الفهم ذاته ممكناً.
المرجع: Hans George Gadamer – Truth and Method

