من ظواهر العصر تعميم التعليم. فرضته الضرورة الاقتصادية والاجتماعية، فتجد الناس في تهافت منقطع النظير لتعليم أبنائهم وبناتهم، بغية الحصول على مؤهل فكري ومهارات حياتية تضمن المعاش والعيش الكريم، وهي غاية دنيوية محضة، أضف إلى ذلك ما يتخلل التعليم من تربية على المواطنة، وأخلاق ودين، ووفق هذا الترتيب القيمي تسير الكثرة الكاثرة.
إن رعاية النشء تقتضي بسط الهوية الاسلامية على البرامج والكتب، والتأليف، وغيره مما يسمح بتعريف الأجيال بقضايا الأمة المصيرية.
وعليه وجب أن تحشر جهود الفاعلين جميعهم، واعتبار التعليم أولوية الألولويات، من خلال احتضان النشء وحمايته من كساد البضاعة إذا جاز مثل هذا التعبير.
وأصعب معركة في التاريخ هي معركة الوعي وتحرير النفوس والعقول، بعيدا عن أي تلكؤ، فتكون الضرورة قصوى إلى تلبية الدعوة، من طرف الفضلاء ومن خبر الحياة وخبرته وشربها وشربته.
وإن أي تفريط في حقل التربية والتعليم أمام الحضارة المادية، وسفنها التائهة على وجهها، لا مبدأ ولا وجهة ولا هدف لها، سنؤدي ثمنه غاليا، فتنهار القيم، ويرتفع صوت الباطل، وتنهد ملكات الانسان وطاقاته الظاهرة والباطنة، من قلب، وعقل، وجسم، وأشياء صنعتها المهارة، وعلاقات نسجتها الأعراف. فنبتعد عن سلامة الفطرة، ونوحل في انسداد النظرة.فطرة محجتها هي القرآن الكريم، قبس السماء، الذي ما ترك شيئا إلا بينه ووضحه.
قال تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء) سورة الأنعام: 38
وقال جل وعز (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) سورة النحل 89.
لا جرم أن أجيال اليوم تحتاج الى أن تسطع قلوبها بنور القرآن، ويضيء الأرجاء، فتتلقح العقول والقلوب، وترتقي الهمم في معارج السابقين. وأكرم بها من معية!
ويشرح المؤرخ الجهبيذ عبد الرحمن بن خلدون في كتابه المقدمة، وهو يتحدث عن التدريس والقران:(فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القران فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله، واختلاف حملة القرآن فيه. لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم… وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القران والكتاب من حيث هو… فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب، والترسل وأخذهم بقوانين العربية، وحفظها وتجويد الخط والكتاب… وأما أهل أفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب، ومدارسة قوانين العلوم، وتلقين بعض مسائلها…) “االمقدمة، ص 1038 وما بعدها”.
إنها عناية السلف الصالح بالتعليم والقرآن، فكان الموسر وصاحب الحظوة من المال يوقف أموالا للتعليم، فتخرجت أجيال صالحة، تعترف وتكرم التلميذ، وتحتفل به عند ختمه القرآن وحفظه في مناسبة اجتماعية سعيدة تفتخر الأسر بها، ويكرم معه أستاذ القرآن..
نسوق هذه الأمثلة حتى لا ترتفع أصوات هجينة ضد العلم والعلماء، وتحارب المتعلم والمعلم، فتضيع الأجيال وتنسلخ عن قيمها وفطرتها.
إن متاهة الأجيال وضياع القيم تشير إلى التحديات والصعوبات التي يمكن أن يواجهها أفراد الأجيال المختلفة في فهم وتبني القيم والمبادئ الأخلاقية. تظهر هذه المتاهة نتيجة تباين الظروف والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي تحدث عبر الأجيال.
أحد الأسباب الرئيسية لمتاهة الأجيال وضياع القيم هو التغيرات السريعة في المجتمع والتكنولوجيا. فالتقدم التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يؤديان إلى تحولات في شكل التفاعلات الاجتماعية والثقافية والقيم التي يتبناها كل جيل.
إضافةً إلى ذلك، قد تكون التغيرات الاقتصادية والظروف المالية الصعبة تسببًا في تحديات لفهم القيم والمبادئ الأخلاقية. فقد يجد الأفراد أنفسهم في مواجهة ضغوط مالية تجعل من الصعب التمسك بالمبادئ الأخلاقية.
من التجليات البارزة لهذه المتاهة يمكن أن تكون زيادة التباعد بين الأجيال وصعوبة نقل القيم والمعرفة التقليدية من جيل إلى آخر. كما قد يؤدي ضغط الحياة الحديثة والتحولات السريعة إلى تقليل الوقت الذي يخصصه الأفراد للتفكير والتأمل في القيم والمبادئ.
للتغلب على هذه المتاهة، يمكن أن يكون من المفيد تعزيز التواصل والحوار بين الأجيال المختلفة، وتشجيع الاهتمام بالتعلم المستمر والتفكير النقدي في القيم والمبادئ الأخلاقية. كما يمكن أن يكون من المفيد تعزيز التربية والتوجيه الأخلاقي منذ سن مبكرة لبناء أسس قوية للقيم في المجتمع.
