“بسم الله الرحمن الرحيم”
تحليل نص فلسفي”:للفيلسوف الألماني “أدموند هوسرل”.
تحت عنوان:”الفلسفة مسألة شخصية”.
من بين أهم المواضيع المرشحة للبكالوريا هذا العام
هذا العمل المتواضع أتقدم به كإهداء خاص”:لأستاذي ومعلمي وشيخي القدير الفاضل صاحب المجهودات العلمية الجبارة الأستاذ :”عبد الباسط فرجان”.
ستلاحظون اليوم أن الموضوع الثالث~وهو موضوع التحليل~ هو من أسهل وأيسر وأجمل وأحلى~ المواضيع الثلاثة المطروحة عليكم في شهادة البكالوريا،وستجدون هنا مبتغاكم وهو فهم وتطبيق منهجية التحليل التي من خلالها يمكن الحصول على العلامة الكاملة20\20
كما وعدكم سابقا أعزائي الطلبة أني في الحصة القادمة سأقدم لكم نموذج لتحليل النص الفلسفي سأقوم بطرح نص هنا ~كنموذج~ وأحلله التحليل الفلسفي الذي هو مطلوب منكم في سؤال الموضوع الثالث إذا كنت مقبل على شهادة البكالوريا،وستعرفون من خلال التحليل الذي أقوم به هنا كيفيت تطبيق المنهجية الصحيحة للتحليل~كما عرضتها عليكم سابقا في الحصة الفائتة~ولكي لا أطيل عليكم الحديث سأطرح النص الفلسفي وسأقوم بتحليله،أطلب منكم التركيز والإنتباه العالي وتحرير عقولكم لأجل أن تبدعوا في كتابة المقالات عموما والتحليل خصوصا،وتذكر عزيزي الطالب أن أسوء مقالة تكتبها بنفسك وباجتهادك الشخصي هي أفضل وأحسن من أقوى “ستوندار”تكتبه،لأن هذا الأخير هو دليل على فشل ذريع، و أن الأساتذة المصحيين لديهم إنطباع جد سيء عنه،سيما إذا علموا أنهم بصدد تصحيح “ستوندار” وليس مقالة فلسفية حقيقية…
البكالوريا التجريبية.
الموضوع الثالث:
{{ من أراد~مهما كان~أن يكون بالفعل، فيلسوفا وجب عليه “مرة في حياته” أن ينطوي على نفسه وينسحب داخلها،ويحاول قلب كل العلوم المقبولة حتى الآن،ساعيا إلى إعادة بناءها~إن الفلسفة أو قل الحكمة~هي إن شئتم ،قضية الفيلسوف الشخصية.يجب أن تتأسس باعتبارها له هو،وحكمته هو،وعلمه هو الذي~على الرغم من نزوعه العالمية~اكتسبه هو،وهو الذي يجب أن يكون قادرا على تبريره منذ الأصل،وكذا الأمر بالنسبة إلى كل مرحلة من مراحله،معتمدا في ذلك على حدوسه المطلقة،وبما أنني قررت النزوع إلى هاته الغاية ~وهو قرار ينفرد وحده،بالقدرة على أن يأخذني إلى الحياة وإلى التطور الفلسفي ~نذرت على نفسي الفقر فيما يتعلق بالمعرفة.وعندئذ،أضحى من الواضح أنه لابد لي من أسأل نفسي، كيف أستطيع أن أجد منهجا قادرا على منحي الخطة التي أتبعها للوصول إلى المعرفة الحقة}} النص لصاحبه”أدموند هوسرل”، “مقتطف من مؤلفه “تأملات ديكارتية”.
السؤال “:حلل النص تحليلا فلسفيا؟
قبل أن أبدء في الإجابة على موضوع التحليل هنالك أمور يجب أن تعرفها أولا وهي كالتالي:
_هل قرأت النص الفلسفي قراءة متمعنة ومعمقة وقررت أن تجيب على الموضوع الثالث، بإرادتك الحرة والواعية؟هل فهمت النص~موضوعه العام الذي يعالجه الفيلسوف~أدموند هوسرل~؟هل إستطعت أن تعي جملة الأدلة والبراهين والحجج التي جاء بها في نصه هذا؟هل لك معرفة قبلية بهذا الموضوع أم أنك لأول مرة تلتقي بهاته الأفكار؟هل بدى لك النص سهلا وبسيطا ومفهوما وقادر أنت على تحليله بأسلوبك الشخصي وبطريقتك الذاتية؟هل لك معرفة بصاحب النص~أدموند هوسرل”~أم أن لأول مرة تعرفه؟وهل أنت على معرفة بالتيار الفلسفي والمدرسة التي ينتمي إليها؟وماهي أهم الأفكار التي تحملها مدرسته ومؤيدوه؟وهل تعرف مذاهب فلسفية أخرى تؤيده أو تعارضه في توجهاته التي يقدمها في نصه هذا؟هل تعي ما يريده أدموند هوسرل وما يريد إيصاله في نصه هذا؟هل لك القدرة على نقد صاحب النص بمعرفة أفكاره الإيجابية والتجاوزات الموجودة في نصه وفي طرحه هنا؟إذا كنت ملم بهذه التساؤلات وغيرها وقادر على الإجابة عنها كلها أو معظمها فأنت قادر على التحليل وبإمكانك تحقيق الغاية المنشودة من التحليل،أم إذا كنت عاجز عن معرفة وفهم هاته الأسئلة وليس بإمكانك الإجابة عنها أو أغلبها~عزيزي الطالب~فلا أنصحك بأن تختار الموضوع الثالث أصلا~وهو موضوع التحليل لأن العملية ستغدوا عبثية بلا معنى على الإطلاق،وسيكون اختيارك للموضوع الثالث مجازفة غير محمودة العواقب.
الإجابة.
الموضوع الثالث.
الطريقة المناسبة للتحليل”:تحليل نص.
المقدمة وطرح المشكلة.
البحث عن المعرفة وعن الحقيقة يعتبر إحدى أهم الخصائص الإنسانية الخالصة،ولقد تعددت وتنوعت الطرق والمناهج والأساليب العلمية والفلسفية والنفسية من قبل العلماء والفلاسفة والباحثين في ذلك،كل يبحث عن طريقة ومنهاج أمثل لإستقصاء المعرفة ولتنظيمها ضمن تصوره الشخصي والذاتي،ولعل تصور الفلاسفة يعتبر أعمق تصور للمعرفة لأنه يبحث عن الوحدة الكلية للمعرفة من خلال نزعته الباطنية القائمة على التأمل النفسي والعقلي الخاص،وهذه الغاية بالتحديد هي ما ألهمت الفيلسوف والمفكر الألماني الحديث “أدموند هوسرل” لأن يقدم لنا المنهاج الصحيح والطريقة المثلى~ التي من خلالها يمكن لأي إنسان أو شخص أو فرد أن يصبح فيلسوفا وباحثا ومفكرا،وهذا بالضبط ما يدفعنا إلى جملة من التساؤلات”:ماهو هذا المنهج وهاته الطريقة والأسلوب أو السر الذي~توصل إليه هوسرل~والذي من خلاله يمكن لأي إنسان أن يكون فيلسوفا في الحياة؟ماهي أهم الدلالات والصفات والركائز النفسية والعقلية التي من خلالها يمكن للذات أن تتجاوز النظرة السطحية للعالم،وأن تغدوا في مصف العلماء والفلاسفة العظام؟وهل هذا المنهاج الذي يقدمه “هوسرل” هنا هو المنهاج الأوحد و الوحيد الذي يوصلنا إلى هاته الغاية العظيمة؟أم ثمة مناهج و طرق وتصورات أخرى للموضوع~القدرة على التفلسف الحقيقي~غير التي يطرحها هوسرل هنا بالأخير؟
العرض ومحاولة حل المشكلة.
{“التعريف بصاحب النص”}
النص الذي بين أيدينا هو للفيلسوف الألماني الظواهري الشعوري~أدموند هوسرل~وهو فيلسوف حديث مؤسس ورائد علم الظواهر وهي مدرسة حديثة في علم النفس المعرفي تختص بدراسة كيفيات الإدراك والمعرفة الأولى في طابعها الأولي عند الإنسان،حيث جاءت المدرسة الظواهرية بتفسير جديد حيال كيفيت الإدراك النفساني عند الإنسان،معتبرة أن الشعور النفساني الذاتي وما تمتلكه الذات من مؤهلات نفسية وشعورية تتحد في صورة واحدة سماها هوسرل~العوامل الذاتية للإدراك~كالرغبة والحرية والقصدية والإرادة والإنتباه… والتركيز ملخصة في العوامل النفسية والفيزيولوجية،وتنتهي وفق هوسرل في النفس التي تحكم على ظواهر العالم الخارجي~الطبيعي أو الإجتماعي،أو ظواهر العالم النفساني الخاص والذاتي إلى ما يعرف “بالإيبوخية” وهي تحليل الظواهر في الذات العارفة والتوقف عن الحكم بإرجاع الظواهر إلى حقائقها الأولى أو مبادئها التي من خلالها يمكن الحكم عليها ذاتيا ونفسانيا،وعليه تصورات المذهب الظواهري الشعوري هي تصورات قائمة على المنهج الوصفي التحليلي والذاتي الذي يعطي للذات قيمتها المطلقة في الإدراك والمعرفة ككل،و”لأدموند هوسرل” إسهامات جبارة في تطوير ميدان علم النفس المعرفي ويعتبر مذهبه الظواهري الشعوري كرد فعل عنيف ضد جميع التصورات الكلاسيكية الحسية والعقلانية في ميدان علم النفس الإبستيمولوجي وضد جميع الآراء والإعتقادات الفلسفية التي تهمل الذات العارفة مهما كانت تصوراتها،ولهوسرل جملة من المؤلفات والأبحاث التي تعزز موقفه الظواهري الشعوري إزاء المعرفة من أهمها على الإطلاق”:الفينومونولوجيا”وكتابه الذي نحن بصدد تحليله”تأملات ديكارتية”.
{التصور الفلسفي الكلي الذي جاء به صاحب النص}
يذهب “هوسرل” في موقفه الكلي وفي فلسفته~الظواهرية الشعورية~ التي يطرحها هنا ضمن كتابه “تأملات ديكارتية” أن عملية التفلسف والتأمل والإدراك الحقيقي للعالم الخارجي والموضوعي من حولنا،هي في حقيقة الأمر تقوم على مقاييس نفسانية وعقلانية وشعورية خاصة وذاتية،وأن عملية التفلسف والتأمل تخضع لمنهاج صارم إذا ما أراد أي إنسان أو شخص أو فرد~مهما كانت قدراته العقلية والنفسية~أن يصبح فيلسوف حقيقيا جديرا بوصفه بهذا المعنى العظيم في الحياة بأن يكون له تصور كلي للعالم وتفسير منطقي للظواهر والعالم والحياة والوجود وفق رؤية نفسية موحدة وكلية،يجب عليه أن ينطلق من ذاته ومن شخصه ومن أناه الخاصة والذاتية وأن يتخذ من منهج “الشك الموضوعي” في ظواهر العالم من حوله القاعدة الأساسية التي ينطلق منها ليؤسس رؤيته الفلسفية والعقلانية والمنطقية،وأن لا يرتكز في بناء فلسفته الخاصة ومنظوره للحياة أي قاعدة خارجية،وذلك بأن يلغي جميع المعارف القبلية والتعودية والإملاءات الخارجية مهما كانت السلطة التي تتبع لها،وهذا التصور الذي آمن به ودافع عنه وطرحه الفيلسوف الألماني أدموند “هوسرل” طيلة نصه بكامله وكإمتداد طبيعي لفلسفته ومنظوره الشعوري الظواهري القائم على أهمية وقدرة الذات الإنسانية من خلال ماتملكه من قوة وإرادة وقصدية وشعور على إكتساب المعرفة وعلى تحقيق تصورها الفلسفي للعالم وظواهر الحياة ككل.
{“تحليل أفكار وفلسفة ومنظور صاحب النص”}
إن منظور “هوسرل” من كون~عملية التفلسف هي عملية شخصية خاصة وذاتية تنطلق من الذات صوب العالم~لم يكن وليد الصدفة أو هو تعبير عن نزوة عابرة،بل هو نتاج تصور فلسفي عميق وتحليل منطقي وعقلاني نابع من جملة من الأدلة والبراهين القادرة على تأكيده والبرهنة عليه من جميع النواحي.
من أراد أن يصبح فيلسوفا وفق~تصور~هوسرل~وجب عليه أن يبني قاعدة معرفية أساسها الشعور النفساني العميق في ذاته،أي أن يؤسس لمنظوره الفلسفي من داخل شعوره الخاص إلى تفسير الظواهر الخارجية المعطاة سواء ما تعلق بظواهر عالم الطبيعة أو ظواهر عالم الإجتماع،وهذا الشعور النفسي العميق لا يبنى على فراغ،بل يؤسس من خلال الشك الموضوعي في هاته الظواهر من قبل الذات العارفة،ومعنى هذا أن الإنسان إذا أراد أن يكون فيلسوف بالمعنى الصحيح للكلمة فوجب عليه قلب جميع المفاهيم والتصورات والآراء والمعتقدات والعادات والأفكار القبلية أو الشائعة في الأوساط العلمية والفلسفية،وأن لا يقف عند حدود ماهو عام وسطحي وظاهر للعيان،بل يجب عليه تنحيت وإستإصال كل الرواسب والخلفيات المذهبية المبسترة وقلب كل المفاهيم الموجودة،لكن الأمر لا يتوقف عند هاته الخطوة فقط،بل يتجاوزها إلى المعنى الثاني الذي يطرحه “هوسرل” في تأسيس العقلية الفلسفية عند الإنسان والمتمثل وفق تصور “هوسرل” في بناء تصورات شخصية وذاتية لظواهر العالم والحياة والوجود من خلال البنية السيكولوجية الداخلية العميقة التي تعمل على ترتيب هاته التصورات والأفكار والدلالات والظواهر وفق النسق الشعوري العقلاني ،ومعنى هذا أن الإنسان يكون قادر على تفسير العالم وفق منظوره الشخصي العميق المبني على أساسات داخلية غير قابلة للشك فيها أو هي متينة وقوية لأنها ترتبط بعد ذلك بالتوازن النفسي والشعوري،وما يمكن فهمه من كل هذا أن “هوسرل” يدعوا جميع من يريد أن يصبح فيلسوف أو له غاية في التفلسف إلى بناء قاعدته الخاصة في التفلسف ومنظوره الشخصي في تصور العالم.
إن هاته الأفكار والمعاني التي جاء بها “هوسرل” ليست بالجديدة أو الحديثة إذا ماعرفنا جذورها التاريخية التي إستلهم منها “هوسرل” هاته القاعدة النفسانية في تأسيسه لعملية الفلسفة والتفلسف فقد سبقه إليها الفيلسوف العقلاني الفرنسي أب الفلسفة الفرنسية الحديثة “روني ديكارت” يرى هذا الأخير في كتابيه “التأملات” و”مقالة الطريقة”وهي من أشهر المؤلفات الديكارتية،أن قاعدة التفلسف تبدأ من الشك الموضوعي إزاء العالم وإزاء الذات،فلقد توصل ديكارت إلى قاعدته المشهورة وإلى كوجته المشهور والمعروف”:أنا أفكر إذن أنا موجود” من خلال هاته القاعدة،لكن ما يعاب على “ديكارت” أنه ركز على القيم العقلانية والصورية في تأسيسه للفلسفة وأهمل الجوانب الذاتية،عندما اعتبر أن العقل أساس كل المعارف والعلوم فاصلا بذلك بين العقل والذات أو بين الجسم والروح في إزدواجية الطرح والتصور الفلسفي.
لقد تقدم ~هوسرل~ خطوات عملاقة وكبيرة في طرحه لمفهوم الفلسفة والتفلسف عندما أوضح أن الخطأ الموجود في المناهج السابقة أنها مناهج تتخذ من الرواسب الفكرية مبادئ لها في بناء المعرفة الفلسفية أوهي تقوم على التقسيم اللامنطقي لقوى الذات كأن تركز على جانب واحد مثل جانب العقل عند العقلانيين أو جانب الحس عند الحسيين أو غيرهم من المدارس الكلاسيكية في علم النفس المعرفي ككل التي تهمل الذات العارفة مثلما حصل مع فلسفة الجشطلت الألمانية على الرغم من حداثتها في علم النفس وبالتالي تتخذ الذات محور العملية المعرفية والفلسفية وفق القواعد النفسية الداخلية،وبكل ما تحتويه الذات الإنسانية من خصائص وميزات في وحدة شاملة.
الأمر الآخر واللافت للنظر كذلك أن ~هوسرل~ لا يؤسس لفلسفة خاصة أو مذهب خاص في التفلسف منغلق على ذاته،بل هي دعوة عامة لجميع الأفراد والأشخاص مهما كانت قدراتهم العقلية والنفسية والشخصية إلى التفلسف والتأمل وتعقل العالم شعوريا ونفسيا،وهو يحرص في بث هاته الدعوة على التركيز على الجوانب الإنسانية الشاملة والعامة ويعتقد أن الفكر الفلسفي المبني على القاعدة النفسية لا يجب أن يخلوا من النزوع إلى العالمية في التوجه وهذا المعنى بالتحديد ربما جاء به “هوسرل” هنا نتيجة تأثره بأستاذه الفيلسوف الفرنسي “روني ديكارت” الذي يعتقد أن وحدة الفكر والعقل هي أقدر الأمور على توحيد المعرفة البشرية ككل”:ولقد جاء من أقوال “ديكارت” في هذا المعنى بالتحديد”:إن العقل أعدل قسمة بين البشر”وهذه المعاني “الديكارتية” كانت حاضرة وبقوة في الطرح “الهوسرلي”.
الأمر الآخر الجديد والمهم الذي جاء في طرح “هوسرل”هو أن الفلسفة والتفلسف الذي يبنيه الإنسان حول ذاته وحول العالم الخارجي بعد قلبه لجميع المفاهيم القبلية مهما كانت تعتمد هاته العملية على تصفية خاصة وغربلة للمفاهيم والتصورات وهاته العملية لا تتم إلا من خلال “الحدوس” النفسانية العميقة الموجودة في الذات،وهي وفق تصورات هوسرل أعمق المشاعر وألصقها بالنفس،بل ربما هي المحرك الحقيقي نحو العلم والمعرفة والإدراك ومن بعد ذلك التفلسف لأنها قوة داخلية تتميز بالحركية والديناميكية وتحتوي ضمنها كل المعاني الشخصية والإنسانية”: كالإرادة والحرية والقصدية والفكر والحس والشعور إنها وحدة يمكن وصفها بالتجلي الحقيقي للذات العارفة،وهاته الحدوس هي التي يجب الإعتماد عليها من أجل بناء المعرفة الفلسفية الذاتية.
إن “هوسرل” عندما طرح موقفه من الفلسفة كونها مسألة شخصية ترتبط بالذات العارفة والمدركة والمتسائلة التي تريد تكوين المعرفة الفلسفية الخاصة بها ضمن رؤيتها الخاصة،لم يكن طرحا إعتباطيا أو تعسفيا خال من الدلالات العملية والعلمية بل هو ناتج عن حركة وفعل وعملية يطبقها هوسرل على ذاته نفسها،فهو ليس طرح تنظيري وفلسفي مجرد من صورته الواقعية،بل هوعملية فعلية طبقها هوسرل على نفسه وأستخلص لنا منها المنهاج الحدسي الذي وصل إليه من خلال تجربته الشخصانية والوجدانية والشعورية ولعل هذا يعبر حقيقة على واقعية الطرح الظواهري الشعوري الهوسرلي ككل،لقد جعل هوسرل من ذاته النموذج للمثال الذي يتكلم عنه في تأسيسه لفلسفته الخاصة،وهو ما تركه يعرب عن قواعد هذا المنهاج والمتمثلة في رأيه بالإفتقار إلى المعارف الخارجية دائما وعدم الإقتناع بالآراء التي تأتي من العالم الخارجي دونما أن يعاد هيكلتها من قبل الذات وفق منهج الحدس النفسي والشعوري وهو ما طرحه وعبر عنه في آخر طرح من نصه هذا.
الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه والذي أشار إليه “هوسرل” هو أن هاته الطريقة من التأمل والتفلسف والتفكير~التي توصل إليها “هوسرل” من خلال الحدوس النفسية الخاصة~ هي الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن معرفة الحياة الحقيقية،بل ومعرفة حقيقة الوجود،وهي الغاية التي سعى إليها “هوسرل”،ومعنى هذا أن الإنسان إذا كان له منظور فلسفي عميق إتجاه ظواهر العالم والحياة،ولديه تفسير خاص لجميع الظواهر فإنه يتجاوز النظرة السطحية والعامة والغوغائية المبنية على الإعتقادات الشائعة والشعبوية التي لا تمت بصلة للروح العلمية والحضارية والتقدمية بأية صلة،وهذا ما يفسر تنوع وجهات نظر الفلاسفة وإختلاف آراءهم وتصوراتهم وأفكارهم حيال الظاهرة والقضية الواحدة،لأن الحدوس النفسية العميقة والشخصية تختلف من شخص لآخر ومن فيلسوف لآخر.
{ نقد وتقويم صاحب النص}
إن النظرة الكلية والعامة لمنظور الفيلسوف “هوسرل” تدل على عمق نظر فلسفي كبير،إن نص “هوسرل”هذا بكامله ~هو دعوة عامة للتفلسف والتأمل في الحياة والعالم والوجود لا يستثنى منها أي أحد~وإن الطريقة والمنهاج الذي جاء بها هنا~والمتمثلة في تصوره عن طريق تحرير الحدوس النفسية الباطنية من خلال الشك المنهجي في ظواهر العالم والحياة و من خلال تبني رؤية شخصية وذاتية في فهم الظواهر والوجود ككل بإعطائها تفسير خاص من قبل الذات العارفة،لهو الطريقة والمنهج الصحيح لبناء المعرفة الفلسفية التي تتميز بالعالمية والإنسانية على حد سواء،وما يمكن قوله عن نص “هوسرل” وفلسفته ومنظوره هنا،هو أن الطريقة الظواهرية والشعورية هي أصدق الطرق والمناهج النفسية التي تعبر بحق عن الروح العلمية والإنسانية والحضارية،فهي تسعى لإقامة العلم والفلسفة والمعرفة على قواعد شخصية وذاتية ونفسانية خالصة في مسعى منها لتوحيد الرؤيا المعرفية والعلمية ككل،ولقد ظهر تأثير المنهج الشعوري الظواهري على جملة من المدارس الفلسفية التي جاءت من بعد كإمتداد للفلسفة الظواهرية~كالفلسفة الحيوية الحدسية مع الفيلسوف الفرنسي “برغسون” والفيلسوف الإسباني “أورتيقا”والفلسفة الوجودية مع “نيتشه” و”سارتر”وهايدغر”،وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظم فلسفة الظواهرية الهوسرلية” وعلى قوة منهجها.
لكن الأمر الوحيد الذي يآخذ عليه “هوسرل” هو إهماله شبه المطلق للعوامل الخارجية والموضوعية في بناء المنهج الفلسفي فهو ركز على العوامل الشعورية الباطنية وأهمل العوامل الخارجية والإجتماعية،إذ من غير المنطقي أن تبني الذات فلسفتها من خلال ذاتها فقط أو من خلال إنغلاقها على نفسها،فهذا ربما ينتج عنه تعدد في المفاهيم والتصورات من ذات إلى أخرى ما يهدد سلامة الفكر والتفكير ويتركنا إزاء صراع مذهبي وشخصي قد يتحول إلى جدل عقيم لا يمت إلى الروح العلمية بأية صلة،ويهدد بعالمية وإنسانية المعرفة والإدراك بدل توحيدها،وبالجملة إن كل ما قدمه “هوسرل” هنا في نصه يعتبر إضاءات معرفية وفلسفية لا يمكن على الإطلاق التقليل من شأنها مهما كانت الظروف،كيف لا و”هوسرل” يدعون إلى التفلسف والتأمل ويحذرنا من الآراء القبلية التي يمكن أن تحول دون ذلك،بل وتحول دون معرفتنا لحقيقة حياتنا ووجودنا ككل.
{“إبراز الرأي الشخصي من موقف صاحب النص”}
إن ما قدمه “هوسرل” هنا يعتبر بحق فتحا فلسفيا حقيقيا،إنه يقرب المعاني الفلسفية والتأملية بالنسبة لنا ويطرح المنهج النفسي والشعوري الظواهري المبني على الحدس العميق كبوصلة له،إن هوسرل يجعل من العالم والحياة والوجود كإمتداد للذات العارفة والواعية،ومنهج “هوسرل” في الفلسفة هو من أصدق المناهج وأوضحها على الإطلاق،ولقد توصلنا ومن خلال أفكاره إلى أن عملية الفلسفة والتفلسف عملية تقوم على الذات وعلى وعي الأنا التي تسعى لتخطي جميع وجهات النظر القبلية من خلال الشك الموضوعي في طبيعة الظواهر،ومن أجل تأسيس لفلسفة شخصية قائمة على الشعور النفسي العميق،وهي التي تعتبر بحق الرؤيا اليقينية والصحيحة للعالم والحياة والوجود.
الخاتمة وحل المشكلة.
ما يمكن أن نخلص إليه من خلال تحليلنا ودراستنا لنص وفلسفة “أدموند هوسرل” هنا أن هاته الفلسفة الظواهرية الشعورية الحدسية التي أسسها الفيلسوف والعالم الألماني الحديث “أدموند هوسرل” هي من بين أهم الفلسفات الحديثة التي عنيت بالمعرفة والإدراك،والتي أسست لمنهج فلسفي قائم على الذات كمحور للعميلة المعرفية والفلسفية،ونص هوسرل هنا هو إمتداد لهاته الرؤيا، فالفلسفة جد مهمة وضرورية وحتمية لأنها الطريق تحو البناءات العلمية،لذا ليس من الغريب أن نجد “هوسرل” قد ركز بحثه حولها معربا عن دورها العلمي الكبير من خلال تأسيسه لمنهج شخصاني وذاتي تنطلق منه الأبحاث والمعارف والعلوم لتنصبغ بالصبغة الذاتية والإنسانية على العموم.
ختاما”:الفلسفة والتفلسف والتأمل والتفكير هي إحدى أهم الخصائص والخواص الإنسانية التي تعبر بحق عن أهم ميزات الذات العارفة والواعية التي تسعى لرفع الجهل عن ذاتها ولإيجاد تفسير كلي وموحد لظواهر العالم والحياة والوجود،وما قدمه هوسرل هنا هو منهج إستبطاني وطريقة نفسانية تمكن أي ذات من الولوج إلى العالم الفلسفي والتأملي، وكما يقول ديكارت ~أستاذ هوسرل~”:إن الفلسفة هي الخاصية الوحيدة التي تعبر عن مدى رقينا وتحضرنا وهي الصفة الوحيدة التي ترفعنا عن الأقوام الهمجيين والبربريين…وكما يقول الفيلسوف ميرسن كذلك~في ضرورة التفلسف”:إن الإنسان يتفلسف مثلما يتنفس و نص هوسرل هو تعبير عن المنهج الصحيح للتفلسف الصادق والواعي والحقيقي.
لا تنسونا من صالح دعاءكم في هذا الشهر الفضيل محرر المقالة{ “فتحي حصباية” }.”بسم الله الرحمن الرحيم”
تحليل نص فلسفي”:للفيلسوف الألماني “أدموند هوسرل”.
تحت عنوان:”الفلسفة مسألة شخصية”.
من بين أهم المواضيع المرشحة للبكالوريا هذا العام
هذا العمل المتواضع أتقدم به كإهداء خاص”:لأستاذي ومعلمي وشيخي القدير الفاضل صاحب المجهودات العلمية الجبارة الأستاذ :”عبد الباسط فرجان”.
ستلاحظون اليوم أن الموضوع الثالث~وهو موضوع التحليل~ هو من أسهل وأيسر وأجمل وأحلى~ المواضيع الثلاثة المطروحة عليكم في شهادة البكالوريا،وستجدون هنا مبتغاكم وهو فهم وتطبيق منهجية التحليل التي من خلالها يمكن الحصول على العلامة الكاملة20\20
كما وعدكم سابقا أعزائي الطلبة أني في الحصة القادمة سأقدم لكم نموذج لتحليل النص الفلسفي سأقوم بطرح نص هنا ~كنموذج~ وأحلله التحليل الفلسفي الذي هو مطلوب منكم في سؤال الموضوع الثالث إذا كنت مقبل على شهادة البكالوريا،وستعرفون من خلال التحليل الذي أقوم به هنا كيفيت تطبيق المنهجية الصحيحة للتحليل~كما عرضتها عليكم سابقا في الحصة الفائتة~ولكي لا أطيل عليكم الحديث سأطرح النص الفلسفي وسأقوم بتحليله،أطلب منكم التركيز والإنتباه العالي وتحرير عقولكم لأجل أن تبدعوا في كتابة المقالات عموما والتحليل خصوصا،وتذكر عزيزي الطالب أن أسوء مقالة تكتبها بنفسك وباجتهادك الشخصي هي أفضل وأحسن من أقوى “ستوندار”تكتبه،لأن هذا الأخير هو دليل على فشل ذريع، و أن الأساتذة المصحيين لديهم إنطباع جد سيء عنه،سيما إذا علموا أنهم بصدد تصحيح “ستوندار” وليس مقالة فلسفية حقيقية…
البكالوريا التجريبية.
الموضوع الثالث:
{{ من أراد~مهما كان~أن يكون بالفعل، فيلسوفا وجب عليه “مرة في حياته” أن ينطوي على نفسه وينسحب داخلها،ويحاول قلب كل العلوم المقبولة حتى الآن،ساعيا إلى إعادة بناءها~إن الفلسفة أو قل الحكمة~هي إن شئتم ،قضية الفيلسوف الشخصية.يجب أن تتأسس باعتبارها له هو،وحكمته هو،وعلمه هو الذي~على الرغم من نزوعه العالمية~اكتسبه هو،وهو الذي يجب أن يكون قادرا على تبريره منذ الأصل،وكذا الأمر بالنسبة إلى كل مرحلة من مراحله،معتمدا في ذلك على حدوسه المطلقة،وبما أنني قررت النزوع إلى هاته الغاية ~وهو قرار ينفرد وحده،بالقدرة على أن يأخذني إلى الحياة وإلى التطور الفلسفي ~نذرت على نفسي الفقر فيما يتعلق بالمعرفة.وعندئذ،أضحى من الواضح أنه لابد لي من أسأل نفسي، كيف أستطيع أن أجد منهجا قادرا على منحي الخطة التي أتبعها للوصول إلى المعرفة الحقة}} النص لصاحبه”أدموند هوسرل”، “مقتطف من مؤلفه “تأملات ديكارتية”.
السؤال “:حلل النص تحليلا فلسفيا؟
قبل أن أبدء في الإجابة على موضوع التحليل هنالك أمور يجب أن تعرفها أولا وهي كالتالي:
_هل قرأت النص الفلسفي قراءة متمعنة ومعمقة وقررت أن تجيب على الموضوع الثالث، بإرادتك الحرة والواعية؟هل فهمت النص~موضوعه العام الذي يعالجه الفيلسوف~أدموند هوسرل~؟هل إستطعت أن تعي جملة الأدلة والبراهين والحجج التي جاء بها في نصه هذا؟هل لك معرفة قبلية بهذا الموضوع أم أنك لأول مرة تلتقي بهاته الأفكار؟هل بدى لك النص سهلا وبسيطا ومفهوما وقادر أنت على تحليله بأسلوبك الشخصي وبطريقتك الذاتية؟هل لك معرفة بصاحب النص~أدموند هوسرل”~أم أن لأول مرة تعرفه؟وهل أنت على معرفة بالتيار الفلسفي والمدرسة التي ينتمي إليها؟وماهي أهم الأفكار التي تحملها مدرسته ومؤيدوه؟وهل تعرف مذاهب فلسفية أخرى تؤيده أو تعارضه في توجهاته التي يقدمها في نصه هذا؟هل تعي ما يريده أدموند هوسرل وما يريد إيصاله في نصه هذا؟هل لك القدرة على نقد صاحب النص بمعرفة أفكاره الإيجابية والتجاوزات الموجودة في نصه وفي طرحه هنا؟إذا كنت ملم بهذه التساؤلات وغيرها وقادر على الإجابة عنها كلها أو معظمها فأنت قادر على التحليل وبإمكانك تحقيق الغاية المنشودة من التحليل،أم إذا كنت عاجز عن معرفة وفهم هاته الأسئلة وليس بإمكانك الإجابة عنها أو أغلبها~عزيزي الطالب~فلا أنصحك بأن تختار الموضوع الثالث أصلا~وهو موضوع التحليل لأن العملية ستغدوا عبثية بلا معنى على الإطلاق،وسيكون اختيارك للموضوع الثالث مجازفة غير محمودة العواقب.
الإجابة.
الموضوع الثالث.
الطريقة المناسبة للتحليل”:تحليل نص.
المقدمة وطرح المشكلة.
البحث عن المعرفة وعن الحقيقة يعتبر إحدى أهم الخصائص الإنسانية الخالصة،ولقد تعددت وتنوعت الطرق والمناهج والأساليب العلمية والفلسفية والنفسية من قبل العلماء والفلاسفة والباحثين في ذلك،كل يبحث عن طريقة ومنهاج أمثل لإستقصاء المعرفة ولتنظيمها ضمن تصوره الشخصي والذاتي،ولعل تصور الفلاسفة يعتبر أعمق تصور للمعرفة لأنه يبحث عن الوحدة الكلية للمعرفة من خلال نزعته الباطنية القائمة على التأمل النفسي والعقلي الخاص،وهذه الغاية بالتحديد هي ما ألهمت الفيلسوف والمفكر الألماني الحديث “أدموند هوسرل” لأن يقدم لنا المنهاج الصحيح والطريقة المثلى~ التي من خلالها يمكن لأي إنسان أو شخص أو فرد أن يصبح فيلسوفا وباحثا ومفكرا،وهذا بالضبط ما يدفعنا إلى جملة من التساؤلات”:ماهو هذا المنهج وهاته الطريقة والأسلوب أو السر الذي~توصل إليه هوسرل~والذي من خلاله يمكن لأي إنسان أن يكون فيلسوفا في الحياة؟ماهي أهم الدلالات والصفات والركائز النفسية والعقلية التي من خلالها يمكن للذات أن تتجاوز النظرة السطحية للعالم،وأن تغدوا في مصف العلماء والفلاسفة العظام؟وهل هذا المنهاج الذي يقدمه “هوسرل” هنا هو المنهاج الأوحد و الوحيد الذي يوصلنا إلى هاته الغاية العظيمة؟أم ثمة مناهج و طرق وتصورات أخرى للموضوع~القدرة على التفلسف الحقيقي~غير التي يطرحها هوسرل هنا بالأخير؟
العرض ومحاولة حل المشكلة.
{“التعريف بصاحب النص”}
النص الذي بين أيدينا هو للفيلسوف الألماني الظواهري الشعوري~أدموند هوسرل~وهو فيلسوف حديث مؤسس ورائد علم الظواهر وهي مدرسة حديثة في علم النفس المعرفي تختص بدراسة كيفيات الإدراك والمعرفة الأولى في طابعها الأولي عند الإنسان،حيث جاءت المدرسة الظواهرية بتفسير جديد حيال كيفيت الإدراك النفساني عند الإنسان،معتبرة أن الشعور النفساني الذاتي وما تمتلكه الذات من مؤهلات نفسية وشعورية تتحد في صورة واحدة سماها هوسرل~العوامل الذاتية للإدراك~كالرغبة والحرية والقصدية والإرادة والإنتباه… والتركيز ملخصة في العوامل النفسية والفيزيولوجية،وتنتهي وفق هوسرل في النفس التي تحكم على ظواهر العالم الخارجي~الطبيعي أو الإجتماعي،أو ظواهر العالم النفساني الخاص والذاتي إلى ما يعرف “بالإيبوخية” وهي تحليل الظواهر في الذات العارفة والتوقف عن الحكم بإرجاع الظواهر إلى حقائقها الأولى أو مبادئها التي من خلالها يمكن الحكم عليها ذاتيا ونفسانيا،وعليه تصورات المذهب الظواهري الشعوري هي تصورات قائمة على المنهج الوصفي التحليلي والذاتي الذي يعطي للذات قيمتها المطلقة في الإدراك والمعرفة ككل،و”لأدموند هوسرل” إسهامات جبارة في تطوير ميدان علم النفس المعرفي ويعتبر مذهبه الظواهري الشعوري كرد فعل عنيف ضد جميع التصورات الكلاسيكية الحسية والعقلانية في ميدان علم النفس الإبستيمولوجي وضد جميع الآراء والإعتقادات الفلسفية التي تهمل الذات العارفة مهما كانت تصوراتها،ولهوسرل جملة من المؤلفات والأبحاث التي تعزز موقفه الظواهري الشعوري إزاء المعرفة من أهمها على الإطلاق”:الفينومونولوجيا”وكتابه الذي نحن بصدد تحليله”تأملات ديكارتية”.
{التصور الفلسفي الكلي الذي جاء به صاحب النص}
يذهب “هوسرل” في موقفه الكلي وفي فلسفته~الظواهرية الشعورية~ التي يطرحها هنا ضمن كتابه “تأملات ديكارتية” أن عملية التفلسف والتأمل والإدراك الحقيقي للعالم الخارجي والموضوعي من حولنا،هي في حقيقة الأمر تقوم على مقاييس نفسانية وعقلانية وشعورية خاصة وذاتية،وأن عملية التفلسف والتأمل تخضع لمنهاج صارم إذا ما أراد أي إنسان أو شخص أو فرد~مهما كانت قدراته العقلية والنفسية~أن يصبح فيلسوف حقيقيا جديرا بوصفه بهذا المعنى العظيم في الحياة بأن يكون له تصور كلي للعالم وتفسير منطقي للظواهر والعالم والحياة والوجود وفق رؤية نفسية موحدة وكلية،يجب عليه أن ينطلق من ذاته ومن شخصه ومن أناه الخاصة والذاتية وأن يتخذ من منهج “الشك الموضوعي” في ظواهر العالم من حوله القاعدة الأساسية التي ينطلق منها ليؤسس رؤيته الفلسفية والعقلانية والمنطقية،وأن لا يرتكز في بناء فلسفته الخاصة ومنظوره للحياة أي قاعدة خارجية،وذلك بأن يلغي جميع المعارف القبلية والتعودية والإملاءات الخارجية مهما كانت السلطة التي تتبع لها،وهذا التصور الذي آمن به ودافع عنه وطرحه الفيلسوف الألماني أدموند “هوسرل” طيلة نصه بكامله وكإمتداد طبيعي لفلسفته ومنظوره الشعوري الظواهري القائم على أهمية وقدرة الذات الإنسانية من خلال ماتملكه من قوة وإرادة وقصدية وشعور على إكتساب المعرفة وعلى تحقيق تصورها الفلسفي للعالم وظواهر الحياة ككل.
{“تحليل أفكار وفلسفة ومنظور صاحب النص”}
إن منظور “هوسرل” من كون~عملية التفلسف هي عملية شخصية خاصة وذاتية تنطلق من الذات صوب العالم~لم يكن وليد الصدفة أو هو تعبير عن نزوة عابرة،بل هو نتاج تصور فلسفي عميق وتحليل منطقي وعقلاني نابع من جملة من الأدلة والبراهين القادرة على تأكيده والبرهنة عليه من جميع النواحي.
من أراد أن يصبح فيلسوفا وفق~تصور~هوسرل~وجب عليه أن يبني قاعدة معرفية أساسها الشعور النفساني العميق في ذاته،أي أن يؤسس لمنظوره الفلسفي من داخل شعوره الخاص إلى تفسير الظواهر الخارجية المعطاة سواء ما تعلق بظواهر عالم الطبيعة أو ظواهر عالم الإجتماع،وهذا الشعور النفسي العميق لا يبنى على فراغ،بل يؤسس من خلال الشك الموضوعي في هاته الظواهر من قبل الذات العارفة،ومعنى هذا أن الإنسان إذا أراد أن يكون فيلسوف بالمعنى الصحيح للكلمة فوجب عليه قلب جميع المفاهيم والتصورات والآراء والمعتقدات والعادات والأفكار القبلية أو الشائعة في الأوساط العلمية والفلسفية،وأن لا يقف عند حدود ماهو عام وسطحي وظاهر للعيان،بل يجب عليه تنحيت وإستإصال كل الرواسب والخلفيات المذهبية المبسترة وقلب كل المفاهيم الموجودة،لكن الأمر لا يتوقف عند هاته الخطوة فقط،بل يتجاوزها إلى المعنى الثاني الذي يطرحه “هوسرل” في تأسيس العقلية الفلسفية عند الإنسان والمتمثل وفق تصور “هوسرل” في بناء تصورات شخصية وذاتية لظواهر العالم والحياة والوجود من خلال البنية السيكولوجية الداخلية العميقة التي تعمل على ترتيب هاته التصورات والأفكار والدلالات والظواهر وفق النسق الشعوري العقلاني ،ومعنى هذا أن الإنسان يكون قادر على تفسير العالم وفق منظوره الشخصي العميق المبني على أساسات داخلية غير قابلة للشك فيها أو هي متينة وقوية لأنها ترتبط بعد ذلك بالتوازن النفسي والشعوري،وما يمكن فهمه من كل هذا أن “هوسرل” يدعوا جميع من يريد أن يصبح فيلسوف أو له غاية في التفلسف إلى بناء قاعدته الخاصة في التفلسف ومنظوره الشخصي في تصور العالم.
إن هاته الأفكار والمعاني التي جاء بها “هوسرل” ليست بالجديدة أو الحديثة إذا ماعرفنا جذورها التاريخية التي إستلهم منها “هوسرل” هاته القاعدة النفسانية في تأسيسه لعملية الفلسفة والتفلسف فقد سبقه إليها الفيلسوف العقلاني الفرنسي أب الفلسفة الفرنسية الحديثة “روني ديكارت” يرى هذا الأخير في كتابيه “التأملات” و”مقالة الطريقة”وهي من أشهر المؤلفات الديكارتية،أن قاعدة التفلسف تبدأ من الشك الموضوعي إزاء العالم وإزاء الذات،فلقد توصل ديكارت إلى قاعدته المشهورة وإلى كوجته المشهور والمعروف”:أنا أفكر إذن أنا موجود” من خلال هاته القاعدة،لكن ما يعاب على “ديكارت” أنه ركز على القيم العقلانية والصورية في تأسيسه للفلسفة وأهمل الجوانب الذاتية،عندما اعتبر أن العقل أساس كل المعارف والعلوم فاصلا بذلك بين العقل والذات أو بين الجسم والروح في إزدواجية الطرح والتصور الفلسفي.
لقد تقدم ~هوسرل~ خطوات عملاقة وكبيرة في طرحه لمفهوم الفلسفة والتفلسف عندما أوضح أن الخطأ الموجود في المناهج السابقة أنها مناهج تتخذ من الرواسب الفكرية مبادئ لها في بناء المعرفة الفلسفية أوهي تقوم على التقسيم اللامنطقي لقوى الذات كأن تركز على جانب واحد مثل جانب العقل عند العقلانيين أو جانب الحس عند الحسيين أو غيرهم من المدارس الكلاسيكية في علم النفس المعرفي ككل التي تهمل الذات العارفة مثلما حصل مع فلسفة الجشطلت الألمانية على الرغم من حداثتها في علم النفس وبالتالي تتخذ الذات محور العملية المعرفية والفلسفية وفق القواعد النفسية الداخلية،وبكل ما تحتويه الذات الإنسانية من خصائص وميزات في وحدة شاملة.
الأمر الآخر واللافت للنظر كذلك أن ~هوسرل~ لا يؤسس لفلسفة خاصة أو مذهب خاص في التفلسف منغلق على ذاته،بل هي دعوة عامة لجميع الأفراد والأشخاص مهما كانت قدراتهم العقلية والنفسية والشخصية إلى التفلسف والتأمل وتعقل العالم شعوريا ونفسيا،وهو يحرص في بث هاته الدعوة على التركيز على الجوانب الإنسانية الشاملة والعامة ويعتقد أن الفكر الفلسفي المبني على القاعدة النفسية لا يجب أن يخلوا من النزوع إلى العالمية في التوجه وهذا المعنى بالتحديد ربما جاء به “هوسرل” هنا نتيجة تأثره بأستاذه الفيلسوف الفرنسي “روني ديكارت” الذي يعتقد أن وحدة الفكر والعقل هي أقدر الأمور على توحيد المعرفة البشرية ككل”:ولقد جاء من أقوال “ديكارت” في هذا المعنى بالتحديد”:إن العقل أعدل قسمة بين البشر”وهذه المعاني “الديكارتية” كانت حاضرة وبقوة في الطرح “الهوسرلي”.
الأمر الآخر الجديد والمهم الذي جاء في طرح “هوسرل”هو أن الفلسفة والتفلسف الذي يبنيه الإنسان حول ذاته وحول العالم الخارجي بعد قلبه لجميع المفاهيم القبلية مهما كانت تعتمد هاته العملية على تصفية خاصة وغربلة للمفاهيم والتصورات وهاته العملية لا تتم إلا من خلال “الحدوس” النفسانية العميقة الموجودة في الذات،وهي وفق تصورات هوسرل أعمق المشاعر وألصقها بالنفس،بل ربما هي المحرك الحقيقي نحو العلم والمعرفة والإدراك ومن بعد ذلك التفلسف لأنها قوة داخلية تتميز بالحركية والديناميكية وتحتوي ضمنها كل المعاني الشخصية والإنسانية”: كالإرادة والحرية والقصدية والفكر والحس والشعور إنها وحدة يمكن وصفها بالتجلي الحقيقي للذات العارفة،وهاته الحدوس هي التي يجب الإعتماد عليها من أجل بناء المعرفة الفلسفية الذاتية.
إن “هوسرل” عندما طرح موقفه من الفلسفة كونها مسألة شخصية ترتبط بالذات العارفة والمدركة والمتسائلة التي تريد تكوين المعرفة الفلسفية الخاصة بها ضمن رؤيتها الخاصة،لم يكن طرحا إعتباطيا أو تعسفيا خال من الدلالات العملية والعلمية بل هو ناتج عن حركة وفعل وعملية يطبقها هوسرل على ذاته نفسها،فهو ليس طرح تنظيري وفلسفي مجرد من صورته الواقعية،بل هوعملية فعلية طبقها هوسرل على نفسه وأستخلص لنا منها المنهاج الحدسي الذي وصل إليه من خلال تجربته الشخصانية والوجدانية والشعورية ولعل هذا يعبر حقيقة على واقعية الطرح الظواهري الشعوري الهوسرلي ككل،لقد جعل هوسرل من ذاته النموذج للمثال الذي يتكلم عنه في تأسيسه لفلسفته الخاصة،وهو ما تركه يعرب عن قواعد هذا المنهاج والمتمثلة في رأيه بالإفتقار إلى المعارف الخارجية دائما وعدم الإقتناع بالآراء التي تأتي من العالم الخارجي دونما أن يعاد هيكلتها من قبل الذات وفق منهج الحدس النفسي والشعوري وهو ما طرحه وعبر عنه في آخر طرح من نصه هذا.
الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه والذي أشار إليه “هوسرل” هو أن هاته الطريقة من التأمل والتفلسف والتفكير~التي توصل إليها “هوسرل” من خلال الحدوس النفسية الخاصة~ هي الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن معرفة الحياة الحقيقية،بل ومعرفة حقيقة الوجود،وهي الغاية التي سعى إليها “هوسرل”،ومعنى هذا أن الإنسان إذا كان له منظور فلسفي عميق إتجاه ظواهر العالم والحياة،ولديه تفسير خاص لجميع الظواهر فإنه يتجاوز النظرة السطحية والعامة والغوغائية المبنية على الإعتقادات الشائعة والشعبوية التي لا تمت بصلة للروح العلمية والحضارية والتقدمية بأية صلة،وهذا ما يفسر تنوع وجهات نظر الفلاسفة وإختلاف آراءهم وتصوراتهم وأفكارهم حيال الظاهرة والقضية الواحدة،لأن الحدوس النفسية العميقة والشخصية تختلف من شخص لآخر ومن فيلسوف لآخر.
{ نقد وتقويم صاحب النص}
إن النظرة الكلية والعامة لمنظور الفيلسوف “هوسرل” تدل على عمق نظر فلسفي كبير،إن نص “هوسرل”هذا بكامله ~هو دعوة عامة للتفلسف والتأمل في الحياة والعالم والوجود لا يستثنى منها أي أحد~وإن الطريقة والمنهاج الذي جاء بها هنا~والمتمثلة في تصوره عن طريق تحرير الحدوس النفسية الباطنية من خلال الشك المنهجي في ظواهر العالم والحياة و من خلال تبني رؤية شخصية وذاتية في فهم الظواهر والوجود ككل بإعطائها تفسير خاص من قبل الذات العارفة،لهو الطريقة والمنهج الصحيح لبناء المعرفة الفلسفية التي تتميز بالعالمية والإنسانية على حد سواء،وما يمكن قوله عن نص “هوسرل” وفلسفته ومنظوره هنا،هو أن الطريقة الظواهرية والشعورية هي أصدق الطرق والمناهج النفسية التي تعبر بحق عن الروح العلمية والإنسانية والحضارية،فهي تسعى لإقامة العلم والفلسفة والمعرفة على قواعد شخصية وذاتية ونفسانية خالصة في مسعى منها لتوحيد الرؤيا المعرفية والعلمية ككل،ولقد ظهر تأثير المنهج الشعوري الظواهري على جملة من المدارس الفلسفية التي جاءت من بعد كإمتداد للفلسفة الظواهرية~كالفلسفة الحيوية الحدسية مع الفيلسوف الفرنسي “برغسون” والفيلسوف الإسباني “أورتيقا”والفلسفة الوجودية مع “نيتشه” و”سارتر”وهايدغر”،وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظم فلسفة الظواهرية الهوسرلية” وعلى قوة منهجها.
لكن الأمر الوحيد الذي يآخذ عليه “هوسرل” هو إهماله شبه المطلق للعوامل الخارجية والموضوعية في بناء المنهج الفلسفي فهو ركز على العوامل الشعورية الباطنية وأهمل العوامل الخارجية والإجتماعية،إذ من غير المنطقي أن تبني الذات فلسفتها من خلال ذاتها فقط أو من خلال إنغلاقها على نفسها،فهذا ربما ينتج عنه تعدد في المفاهيم والتصورات من ذات إلى أخرى ما يهدد سلامة الفكر والتفكير ويتركنا إزاء صراع مذهبي وشخصي قد يتحول إلى جدل عقيم لا يمت إلى الروح العلمية بأية صلة،ويهدد بعالمية وإنسانية المعرفة والإدراك بدل توحيدها،وبالجملة إن كل ما قدمه “هوسرل” هنا في نصه يعتبر إضاءات معرفية وفلسفية لا يمكن على الإطلاق التقليل من شأنها مهما كانت الظروف،كيف لا و”هوسرل” يدعون إلى التفلسف والتأمل ويحذرنا من الآراء القبلية التي يمكن أن تحول دون ذلك،بل وتحول دون معرفتنا لحقيقة حياتنا ووجودنا ككل.
{“إبراز الرأي الشخصي من موقف صاحب النص”}
إن ما قدمه “هوسرل” هنا يعتبر بحق فتحا فلسفيا حقيقيا،إنه يقرب المعاني الفلسفية والتأملية بالنسبة لنا ويطرح المنهج النفسي والشعوري الظواهري المبني على الحدس العميق كبوصلة له،إن هوسرل يجعل من العالم والحياة والوجود كإمتداد للذات العارفة والواعية،ومنهج “هوسرل” في الفلسفة هو من أصدق المناهج وأوضحها على الإطلاق،ولقد توصلنا ومن خلال أفكاره إلى أن عملية الفلسفة والتفلسف عملية تقوم على الذات وعلى وعي الأنا التي تسعى لتخطي جميع وجهات النظر القبلية من خلال الشك الموضوعي في طبيعة الظواهر،ومن أجل تأسيس لفلسفة شخصية قائمة على الشعور النفسي العميق،وهي التي تعتبر بحق الرؤيا اليقينية والصحيحة للعالم والحياة والوجود.
الخاتمة وحل المشكلة.
ما يمكن أن نخلص إليه من خلال تحليلنا ودراستنا لنص وفلسفة “أدموند هوسرل” هنا أن هاته الفلسفة الظواهرية الشعورية الحدسية التي أسسها الفيلسوف والعالم الألماني الحديث “أدموند هوسرل” هي من بين أهم الفلسفات الحديثة التي عنيت بالمعرفة والإدراك،والتي أسست لمنهج فلسفي قائم على الذات كمحور للعميلة المعرفية والفلسفية،ونص هوسرل هنا هو إمتداد لهاته الرؤيا، فالفلسفة جد مهمة وضرورية وحتمية لأنها الطريق تحو البناءات العلمية،لذا ليس من الغريب أن نجد “هوسرل” قد ركز بحثه حولها معربا عن دورها العلمي الكبير من خلال تأسيسه لمنهج شخصاني وذاتي تنطلق منه الأبحاث والمعارف والعلوم لتنصبغ بالصبغة الذاتية والإنسانية على العموم.
ختاما”:الفلسفة والتفلسف والتأمل والتفكير هي إحدى أهم الخصائص والخواص الإنسانية التي تعبر بحق عن أهم ميزات الذات العارفة والواعية التي تسعى لرفع الجهل عن ذاتها ولإيجاد تفسير كلي وموحد لظواهر العالم والحياة والوجود،وما قدمه هوسرل هنا هو منهج إستبطاني وطريقة نفسانية تمكن أي ذات من الولوج إلى العالم الفلسفي والتأملي، وكما يقول ديكارت ~أستاذ هوسرل~”:إن الفلسفة هي الخاصية الوحيدة التي تعبر عن مدى رقينا وتحضرنا وهي الصفة الوحيدة التي ترفعنا عن الأقوام الهمجيين والبربريين…وكما يقول الفيلسوف ميرسن كذلك~في ضرورة التفلسف”:إن الإنسان يتفلسف مثلما يتنفس و نص هوسرل هو تعبير عن المنهج الصحيح للتفلسف الصادق والواعي والحقيقي.
لا تنسونا من صالح دعاءكم في هذا الشهر الفضيل محرر المقالة{ “فتحي حصباية” }.”بسم الله الرحمن الرحيم”
تحليل نص فلسفي”:للفيلسوف الألماني “أدموند هوسرل”.
تحت عنوان:”الفلسفة مسألة شخصية”.
من بين أهم المواضيع المرشحة للبكالوريا هذا العام
هذا العمل المتواضع أتقدم به كإهداء خاص”:لأستاذي ومعلمي وشيخي القدير الفاضل صاحب المجهودات العلمية الجبارة الأستاذ :”عبد الباسط فرجان”.
ستلاحظون اليوم أن الموضوع الثالث~وهو موضوع التحليل~ هو من أسهل وأيسر وأجمل وأحلى~ المواضيع الثلاثة المطروحة عليكم في شهادة البكالوريا،وستجدون هنا مبتغاكم وهو فهم وتطبيق منهجية التحليل التي من خلالها يمكن الحصول على العلامة الكاملة20\20
كما وعدكم سابقا أعزائي الطلبة أني في الحصة القادمة سأقدم لكم نموذج لتحليل النص الفلسفي سأقوم بطرح نص هنا ~كنموذج~ وأحلله التحليل الفلسفي الذي هو مطلوب منكم في سؤال الموضوع الثالث إذا كنت مقبل على شهادة البكالوريا،وستعرفون من خلال التحليل الذي أقوم به هنا كيفيت تطبيق المنهجية الصحيحة للتحليل~كما عرضتها عليكم سابقا في الحصة الفائتة~ولكي لا أطيل عليكم الحديث سأطرح النص الفلسفي وسأقوم بتحليله،أطلب منكم التركيز والإنتباه العالي وتحرير عقولكم لأجل أن تبدعوا في كتابة المقالات عموما والتحليل خصوصا،وتذكر عزيزي الطالب أن أسوء مقالة تكتبها بنفسك وباجتهادك الشخصي هي أفضل وأحسن من أقوى “ستوندار”تكتبه،لأن هذا الأخير هو دليل على فشل ذريع، و أن الأساتذة المصحيين لديهم إنطباع جد سيء عنه،سيما إذا علموا أنهم بصدد تصحيح “ستوندار” وليس مقالة فلسفية حقيقية…
البكالوريا التجريبية.
الموضوع الثالث:
{{ من أراد~مهما كان~أن يكون بالفعل، فيلسوفا وجب عليه “مرة في حياته” أن ينطوي على نفسه وينسحب داخلها،ويحاول قلب كل العلوم المقبولة حتى الآن،ساعيا إلى إعادة بناءها~إن الفلسفة أو قل الحكمة~هي إن شئتم ،قضية الفيلسوف الشخصية.يجب أن تتأسس باعتبارها له هو،وحكمته هو،وعلمه هو الذي~على الرغم من نزوعه العالمية~اكتسبه هو،وهو الذي يجب أن يكون قادرا على تبريره منذ الأصل،وكذا الأمر بالنسبة إلى كل مرحلة من مراحله،معتمدا في ذلك على حدوسه المطلقة،وبما أنني قررت النزوع إلى هاته الغاية ~وهو قرار ينفرد وحده،بالقدرة على أن يأخذني إلى الحياة وإلى التطور الفلسفي ~نذرت على نفسي الفقر فيما يتعلق بالمعرفة.وعندئذ،أضحى من الواضح أنه لابد لي من أسأل نفسي، كيف أستطيع أن أجد منهجا قادرا على منحي الخطة التي أتبعها للوصول إلى المعرفة الحقة}} النص لصاحبه”أدموند هوسرل”، “مقتطف من مؤلفه “تأملات ديكارتية”.
السؤال “:حلل النص تحليلا فلسفيا؟
قبل أن أبدء في الإجابة على موضوع التحليل هنالك أمور يجب أن تعرفها أولا وهي كالتالي:
_هل قرأت النص الفلسفي قراءة متمعنة ومعمقة وقررت أن تجيب على الموضوع الثالث، بإرادتك الحرة والواعية؟هل فهمت النص~موضوعه العام الذي يعالجه الفيلسوف~أدموند هوسرل~؟هل إستطعت أن تعي جملة الأدلة والبراهين والحجج التي جاء بها في نصه هذا؟هل لك معرفة قبلية بهذا الموضوع أم أنك لأول مرة تلتقي بهاته الأفكار؟هل بدى لك النص سهلا وبسيطا ومفهوما وقادر أنت على تحليله بأسلوبك الشخصي وبطريقتك الذاتية؟هل لك معرفة بصاحب النص~أدموند هوسرل”~أم أن لأول مرة تعرفه؟وهل أنت على معرفة بالتيار الفلسفي والمدرسة التي ينتمي إليها؟وماهي أهم الأفكار التي تحملها مدرسته ومؤيدوه؟وهل تعرف مذاهب فلسفية أخرى تؤيده أو تعارضه في توجهاته التي يقدمها في نصه هذا؟هل تعي ما يريده أدموند هوسرل وما يريد إيصاله في نصه هذا؟هل لك القدرة على نقد صاحب النص بمعرفة أفكاره الإيجابية والتجاوزات الموجودة في نصه وفي طرحه هنا؟إذا كنت ملم بهذه التساؤلات وغيرها وقادر على الإجابة عنها كلها أو معظمها فأنت قادر على التحليل وبإمكانك تحقيق الغاية المنشودة من التحليل،أم إذا كنت عاجز عن معرفة وفهم هاته الأسئلة وليس بإمكانك الإجابة عنها أو أغلبها~عزيزي الطالب~فلا أنصحك بأن تختار الموضوع الثالث أصلا~وهو موضوع التحليل لأن العملية ستغدوا عبثية بلا معنى على الإطلاق،وسيكون اختيارك للموضوع الثالث مجازفة غير محمودة العواقب.
الإجابة.
الموضوع الثالث.
الطريقة المناسبة للتحليل”:تحليل نص.
المقدمة وطرح المشكلة.
البحث عن المعرفة وعن الحقيقة يعتبر إحدى أهم الخصائص الإنسانية الخالصة،ولقد تعددت وتنوعت الطرق والمناهج والأساليب العلمية والفلسفية والنفسية من قبل العلماء والفلاسفة والباحثين في ذلك،كل يبحث عن طريقة ومنهاج أمثل لإستقصاء المعرفة ولتنظيمها ضمن تصوره الشخصي والذاتي،ولعل تصور الفلاسفة يعتبر أعمق تصور للمعرفة لأنه يبحث عن الوحدة الكلية للمعرفة من خلال نزعته الباطنية القائمة على التأمل النفسي والعقلي الخاص،وهذه الغاية بالتحديد هي ما ألهمت الفيلسوف والمفكر الألماني الحديث “أدموند هوسرل” لأن يقدم لنا المنهاج الصحيح والطريقة المثلى~ التي من خلالها يمكن لأي إنسان أو شخص أو فرد أن يصبح فيلسوفا وباحثا ومفكرا،وهذا بالضبط ما يدفعنا إلى جملة من التساؤلات”:ماهو هذا المنهج وهاته الطريقة والأسلوب أو السر الذي~توصل إليه هوسرل~والذي من خلاله يمكن لأي إنسان أن يكون فيلسوفا في الحياة؟ماهي أهم الدلالات والصفات والركائز النفسية والعقلية التي من خلالها يمكن للذات أن تتجاوز النظرة السطحية للعالم،وأن تغدوا في مصف العلماء والفلاسفة العظام؟وهل هذا المنهاج الذي يقدمه “هوسرل” هنا هو المنهاج الأوحد و الوحيد الذي يوصلنا إلى هاته الغاية العظيمة؟أم ثمة مناهج و طرق وتصورات أخرى للموضوع~القدرة على التفلسف الحقيقي~غير التي يطرحها هوسرل هنا بالأخير؟
العرض ومحاولة حل المشكلة.
{“التعريف بصاحب النص”}
النص الذي بين أيدينا هو للفيلسوف الألماني الظواهري الشعوري~أدموند هوسرل~وهو فيلسوف حديث مؤسس ورائد علم الظواهر وهي مدرسة حديثة في علم النفس المعرفي تختص بدراسة كيفيات الإدراك والمعرفة الأولى في طابعها الأولي عند الإنسان،حيث جاءت المدرسة الظواهرية بتفسير جديد حيال كيفيت الإدراك النفساني عند الإنسان،معتبرة أن الشعور النفساني الذاتي وما تمتلكه الذات من مؤهلات نفسية وشعورية تتحد في صورة واحدة سماها هوسرل~العوامل الذاتية للإدراك~كالرغبة والحرية والقصدية والإرادة والإنتباه… والتركيز ملخصة في العوامل النفسية والفيزيولوجية،وتنتهي وفق هوسرل في النفس التي تحكم على ظواهر العالم الخارجي~الطبيعي أو الإجتماعي،أو ظواهر العالم النفساني الخاص والذاتي إلى ما يعرف “بالإيبوخية” وهي تحليل الظواهر في الذات العارفة والتوقف عن الحكم بإرجاع الظواهر إلى حقائقها الأولى أو مبادئها التي من خلالها يمكن الحكم عليها ذاتيا ونفسانيا،وعليه تصورات المذهب الظواهري الشعوري هي تصورات قائمة على المنهج الوصفي التحليلي والذاتي الذي يعطي للذات قيمتها المطلقة في الإدراك والمعرفة ككل،و”لأدموند هوسرل” إسهامات جبارة في تطوير ميدان علم النفس المعرفي ويعتبر مذهبه الظواهري الشعوري كرد فعل عنيف ضد جميع التصورات الكلاسيكية الحسية والعقلانية في ميدان علم النفس الإبستيمولوجي وضد جميع الآراء والإعتقادات الفلسفية التي تهمل الذات العارفة مهما كانت تصوراتها،ولهوسرل جملة من المؤلفات والأبحاث التي تعزز موقفه الظواهري الشعوري إزاء المعرفة من أهمها على الإطلاق”:الفينومونولوجيا”وكتابه الذي نحن بصدد تحليله”تأملات ديكارتية”.
{التصور الفلسفي الكلي الذي جاء به صاحب النص}
يذهب “هوسرل” في موقفه الكلي وفي فلسفته~الظواهرية الشعورية~ التي يطرحها هنا ضمن كتابه “تأملات ديكارتية” أن عملية التفلسف والتأمل والإدراك الحقيقي للعالم الخارجي والموضوعي من حولنا،هي في حقيقة الأمر تقوم على مقاييس نفسانية وعقلانية وشعورية خاصة وذاتية،وأن عملية التفلسف والتأمل تخضع لمنهاج صارم إذا ما أراد أي إنسان أو شخص أو فرد~مهما كانت قدراته العقلية والنفسية~أن يصبح فيلسوف حقيقيا جديرا بوصفه بهذا المعنى العظيم في الحياة بأن يكون له تصور كلي للعالم وتفسير منطقي للظواهر والعالم والحياة والوجود وفق رؤية نفسية موحدة وكلية،يجب عليه أن ينطلق من ذاته ومن شخصه ومن أناه الخاصة والذاتية وأن يتخذ من منهج “الشك الموضوعي” في ظواهر العالم من حوله القاعدة الأساسية التي ينطلق منها ليؤسس رؤيته الفلسفية والعقلانية والمنطقية،وأن لا يرتكز في بناء فلسفته الخاصة ومنظوره للحياة أي قاعدة خارجية،وذلك بأن يلغي جميع المعارف القبلية والتعودية والإملاءات الخارجية مهما كانت السلطة التي تتبع لها،وهذا التصور الذي آمن به ودافع عنه وطرحه الفيلسوف الألماني أدموند “هوسرل” طيلة نصه بكامله وكإمتداد طبيعي لفلسفته ومنظوره الشعوري الظواهري القائم على أهمية وقدرة الذات الإنسانية من خلال ماتملكه من قوة وإرادة وقصدية وشعور على إكتساب المعرفة وعلى تحقيق تصورها الفلسفي للعالم وظواهر الحياة ككل.
{“تحليل أفكار وفلسفة ومنظور صاحب النص”}
إن منظور “هوسرل” من كون~عملية التفلسف هي عملية شخصية خاصة وذاتية تنطلق من الذات صوب العالم~لم يكن وليد الصدفة أو هو تعبير عن نزوة عابرة،بل هو نتاج تصور فلسفي عميق وتحليل منطقي وعقلاني نابع من جملة من الأدلة والبراهين القادرة على تأكيده والبرهنة عليه من جميع النواحي.
من أراد أن يصبح فيلسوفا وفق~تصور~هوسرل~وجب عليه أن يبني قاعدة معرفية أساسها الشعور النفساني العميق في ذاته،أي أن يؤسس لمنظوره الفلسفي من داخل شعوره الخاص إلى تفسير الظواهر الخارجية المعطاة سواء ما تعلق بظواهر عالم الطبيعة أو ظواهر عالم الإجتماع،وهذا الشعور النفسي العميق لا يبنى على فراغ،بل يؤسس من خلال الشك الموضوعي في هاته الظواهر من قبل الذات العارفة،ومعنى هذا أن الإنسان إذا أراد أن يكون فيلسوف بالمعنى الصحيح للكلمة فوجب عليه قلب جميع المفاهيم والتصورات والآراء والمعتقدات والعادات والأفكار القبلية أو الشائعة في الأوساط العلمية والفلسفية،وأن لا يقف عند حدود ماهو عام وسطحي وظاهر للعيان،بل يجب عليه تنحيت وإستإصال كل الرواسب والخلفيات المذهبية المبسترة وقلب كل المفاهيم الموجودة،لكن الأمر لا يتوقف عند هاته الخطوة فقط،بل يتجاوزها إلى المعنى الثاني الذي يطرحه “هوسرل” في تأسيس العقلية الفلسفية عند الإنسان والمتمثل وفق تصور “هوسرل” في بناء تصورات شخصية وذاتية لظواهر العالم والحياة والوجود من خلال البنية السيكولوجية الداخلية العميقة التي تعمل على ترتيب هاته التصورات والأفكار والدلالات والظواهر وفق النسق الشعوري العقلاني ،ومعنى هذا أن الإنسان يكون قادر على تفسير العالم وفق منظوره الشخصي العميق المبني على أساسات داخلية غير قابلة للشك فيها أو هي متينة وقوية لأنها ترتبط بعد ذلك بالتوازن النفسي والشعوري،وما يمكن فهمه من كل هذا أن “هوسرل” يدعوا جميع من يريد أن يصبح فيلسوف أو له غاية في التفلسف إلى بناء قاعدته الخاصة في التفلسف ومنظوره الشخصي في تصور العالم.
إن هاته الأفكار والمعاني التي جاء بها “هوسرل” ليست بالجديدة أو الحديثة إذا ماعرفنا جذورها التاريخية التي إستلهم منها “هوسرل” هاته القاعدة النفسانية في تأسيسه لعملية الفلسفة والتفلسف فقد سبقه إليها الفيلسوف العقلاني الفرنسي أب الفلسفة الفرنسية الحديثة “روني ديكارت” يرى هذا الأخير في كتابيه “التأملات” و”مقالة الطريقة”وهي من أشهر المؤلفات الديكارتية،أن قاعدة التفلسف تبدأ من الشك الموضوعي إزاء العالم وإزاء الذات،فلقد توصل ديكارت إلى قاعدته المشهورة وإلى كوجته المشهور والمعروف”:أنا أفكر إذن أنا موجود” من خلال هاته القاعدة،لكن ما يعاب على “ديكارت” أنه ركز على القيم العقلانية والصورية في تأسيسه للفلسفة وأهمل الجوانب الذاتية،عندما اعتبر أن العقل أساس كل المعارف والعلوم فاصلا بذلك بين العقل والذات أو بين الجسم والروح في إزدواجية الطرح والتصور الفلسفي.
لقد تقدم ~هوسرل~ خطوات عملاقة وكبيرة في طرحه لمفهوم الفلسفة والتفلسف عندما أوضح أن الخطأ الموجود في المناهج السابقة أنها مناهج تتخذ من الرواسب الفكرية مبادئ لها في بناء المعرفة الفلسفية أوهي تقوم على التقسيم اللامنطقي لقوى الذات كأن تركز على جانب واحد مثل جانب العقل عند العقلانيين أو جانب الحس عند الحسيين أو غيرهم من المدارس الكلاسيكية في علم النفس المعرفي ككل التي تهمل الذات العارفة مثلما حصل مع فلسفة الجشطلت الألمانية على الرغم من حداثتها في علم النفس وبالتالي تتخذ الذات محور العملية المعرفية والفلسفية وفق القواعد النفسية الداخلية،وبكل ما تحتويه الذات الإنسانية من خصائص وميزات في وحدة شاملة.
الأمر الآخر واللافت للنظر كذلك أن ~هوسرل~ لا يؤسس لفلسفة خاصة أو مذهب خاص في التفلسف منغلق على ذاته،بل هي دعوة عامة لجميع الأفراد والأشخاص مهما كانت قدراتهم العقلية والنفسية والشخصية إلى التفلسف والتأمل وتعقل العالم شعوريا ونفسيا،وهو يحرص في بث هاته الدعوة على التركيز على الجوانب الإنسانية الشاملة والعامة ويعتقد أن الفكر الفلسفي المبني على القاعدة النفسية لا يجب أن يخلوا من النزوع إلى العالمية في التوجه وهذا المعنى بالتحديد ربما جاء به “هوسرل” هنا نتيجة تأثره بأستاذه الفيلسوف الفرنسي “روني ديكارت” الذي يعتقد أن وحدة الفكر والعقل هي أقدر الأمور على توحيد المعرفة البشرية ككل”:ولقد جاء من أقوال “ديكارت” في هذا المعنى بالتحديد”:إن العقل أعدل قسمة بين البشر”وهذه المعاني “الديكارتية” كانت حاضرة وبقوة في الطرح “الهوسرلي”.
الأمر الآخر الجديد والمهم الذي جاء في طرح “هوسرل”هو أن الفلسفة والتفلسف الذي يبنيه الإنسان حول ذاته وحول العالم الخارجي بعد قلبه لجميع المفاهيم القبلية مهما كانت تعتمد هاته العملية على تصفية خاصة وغربلة للمفاهيم والتصورات وهاته العملية لا تتم إلا من خلال “الحدوس” النفسانية العميقة الموجودة في الذات،وهي وفق تصورات هوسرل أعمق المشاعر وألصقها بالنفس،بل ربما هي المحرك الحقيقي نحو العلم والمعرفة والإدراك ومن بعد ذلك التفلسف لأنها قوة داخلية تتميز بالحركية والديناميكية وتحتوي ضمنها كل المعاني الشخصية والإنسانية”: كالإرادة والحرية والقصدية والفكر والحس والشعور إنها وحدة يمكن وصفها بالتجلي الحقيقي للذات العارفة،وهاته الحدوس هي التي يجب الإعتماد عليها من أجل بناء المعرفة الفلسفية الذاتية.
إن “هوسرل” عندما طرح موقفه من الفلسفة كونها مسألة شخصية ترتبط بالذات العارفة والمدركة والمتسائلة التي تريد تكوين المعرفة الفلسفية الخاصة بها ضمن رؤيتها الخاصة،لم يكن طرحا إعتباطيا أو تعسفيا خال من الدلالات العملية والعلمية بل هو ناتج عن حركة وفعل وعملية يطبقها هوسرل على ذاته نفسها،فهو ليس طرح تنظيري وفلسفي مجرد من صورته الواقعية،بل هوعملية فعلية طبقها هوسرل على نفسه وأستخلص لنا منها المنهاج الحدسي الذي وصل إليه من خلال تجربته الشخصانية والوجدانية والشعورية ولعل هذا يعبر حقيقة على واقعية الطرح الظواهري الشعوري الهوسرلي ككل،لقد جعل هوسرل من ذاته النموذج للمثال الذي يتكلم عنه في تأسيسه لفلسفته الخاصة،وهو ما تركه يعرب عن قواعد هذا المنهاج والمتمثلة في رأيه بالإفتقار إلى المعارف الخارجية دائما وعدم الإقتناع بالآراء التي تأتي من العالم الخارجي دونما أن يعاد هيكلتها من قبل الذات وفق منهج الحدس النفسي والشعوري وهو ما طرحه وعبر عنه في آخر طرح من نصه هذا.
الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه والذي أشار إليه “هوسرل” هو أن هاته الطريقة من التأمل والتفلسف والتفكير~التي توصل إليها “هوسرل” من خلال الحدوس النفسية الخاصة~ هي الطريقة الوحيدة التي من خلالها يمكن معرفة الحياة الحقيقية،بل ومعرفة حقيقة الوجود،وهي الغاية التي سعى إليها “هوسرل”،ومعنى هذا أن الإنسان إذا كان له منظور فلسفي عميق إتجاه ظواهر العالم والحياة،ولديه تفسير خاص لجميع الظواهر فإنه يتجاوز النظرة السطحية والعامة والغوغائية المبنية على الإعتقادات الشائعة والشعبوية التي لا تمت بصلة للروح العلمية والحضارية والتقدمية بأية صلة،وهذا ما يفسر تنوع وجهات نظر الفلاسفة وإختلاف آراءهم وتصوراتهم وأفكارهم حيال الظاهرة والقضية الواحدة،لأن الحدوس النفسية العميقة والشخصية تختلف من شخص لآخر ومن فيلسوف لآخر.
{ نقد وتقويم صاحب النص}
إن النظرة الكلية والعامة لمنظور الفيلسوف “هوسرل” تدل على عمق نظر فلسفي كبير،إن نص “هوسرل”هذا بكامله ~هو دعوة عامة للتفلسف والتأمل في الحياة والعالم والوجود لا يستثنى منها أي أحد~وإن الطريقة والمنهاج الذي جاء بها هنا~والمتمثلة في تصوره عن طريق تحرير الحدوس النفسية الباطنية من خلال الشك المنهجي في ظواهر العالم والحياة و من خلال تبني رؤية شخصية وذاتية في فهم الظواهر والوجود ككل بإعطائها تفسير خاص من قبل الذات العارفة،لهو الطريقة والمنهج الصحيح لبناء المعرفة الفلسفية التي تتميز بالعالمية والإنسانية على حد سواء،وما يمكن قوله عن نص “هوسرل” وفلسفته ومنظوره هنا،هو أن الطريقة الظواهرية والشعورية هي أصدق الطرق والمناهج النفسية التي تعبر بحق عن الروح العلمية والإنسانية والحضارية،فهي تسعى لإقامة العلم والفلسفة والمعرفة على قواعد شخصية وذاتية ونفسانية خالصة في مسعى منها لتوحيد الرؤيا المعرفية والعلمية ككل،ولقد ظهر تأثير المنهج الشعوري الظواهري على جملة من المدارس الفلسفية التي جاءت من بعد كإمتداد للفلسفة الظواهرية~كالفلسفة الحيوية الحدسية مع الفيلسوف الفرنسي “برغسون” والفيلسوف الإسباني “أورتيقا”والفلسفة الوجودية مع “نيتشه” و”سارتر”وهايدغر”،وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظم فلسفة الظواهرية الهوسرلية” وعلى قوة منهجها.
لكن الأمر الوحيد الذي يآخذ عليه “هوسرل” هو إهماله شبه المطلق للعوامل الخارجية والموضوعية في بناء المنهج الفلسفي فهو ركز على العوامل الشعورية الباطنية وأهمل العوامل الخارجية والإجتماعية،إذ من غير المنطقي أن تبني الذات فلسفتها من خلال ذاتها فقط أو من خلال إنغلاقها على نفسها،فهذا ربما ينتج عنه تعدد في المفاهيم والتصورات من ذات إلى أخرى ما يهدد سلامة الفكر والتفكير ويتركنا إزاء صراع مذهبي وشخصي قد يتحول إلى جدل عقيم لا يمت إلى الروح العلمية بأية صلة،ويهدد بعالمية وإنسانية المعرفة والإدراك بدل توحيدها،وبالجملة إن كل ما قدمه “هوسرل” هنا في نصه يعتبر إضاءات معرفية وفلسفية لا يمكن على الإطلاق التقليل من شأنها مهما كانت الظروف،كيف لا و”هوسرل” يدعون إلى التفلسف والتأمل ويحذرنا من الآراء القبلية التي يمكن أن تحول دون ذلك،بل وتحول دون معرفتنا لحقيقة حياتنا ووجودنا ككل.
{“إبراز الرأي الشخصي من موقف صاحب النص”}
إن ما قدمه “هوسرل” هنا يعتبر بحق فتحا فلسفيا حقيقيا،إنه يقرب المعاني الفلسفية والتأملية بالنسبة لنا ويطرح المنهج النفسي والشعوري الظواهري المبني على الحدس العميق كبوصلة له،إن هوسرل يجعل من العالم والحياة والوجود كإمتداد للذات العارفة والواعية،ومنهج “هوسرل” في الفلسفة هو من أصدق المناهج وأوضحها على الإطلاق،ولقد توصلنا ومن خلال أفكاره إلى أن عملية الفلسفة والتفلسف عملية تقوم على الذات وعلى وعي الأنا التي تسعى لتخطي جميع وجهات النظر القبلية من خلال الشك الموضوعي.
