
____________________________________________
يتناول كتاب “دليل تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها” تخطيط ـــ انتاج ـــ تقييم للباحثة الدكتورة ماجدولين النهيبي (2018)، مجموعة من المكونات الأساسية للغة العربية صوتا وصرفا ومعجما منطلقة من نتائج الدرس اللساني الحديث ومعتمدة في ذلك على مقاربة نسقية لبناء الكفايات الأساسية في هذه المكونات باحثة عن طرق انتاج مواد تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها.
يقع هذا الكتاب في 202 صفحة، وقسمته الباحثة إلى ستة محاور أساسية، بدأتها بمقدمات نظرية طرحت فيه الإطار المرجعي الذي تبنته فيما يخص وصف مكونات اللغة العربية من صوت وصرف وتركيب ومعجم، بالإضافة إلى استثمار آليات النقل الديداكتيكي تروم بناء كفايات لغوية لدى متعلم اللغة العربية الناطق بغيرها، وانتهت بخاتمة وبيبليوغرافيا تضم المراجع بالعربية وبالأجنبية.
في المحور الأول، تناولت الباحثة أهمية بناء الوعي الصوتي والمهارات النطقية في تعلم اللغات الأجنبية، ووقفت عند أهم ملامح النسق الصوتي العربي، مبرزة بعض الصعوبات التي تعترض متعلمي العربية الناطقين بغيرها بسبب اختلاف عاداتهم النطقية عن النطق العربي حيث يؤدي ذلك إلى الغربلة الصوتية. ثم انتقلت بعد ذلك إلى تقديم ملامح تصور جديد لإدماج عناصر مهمة من مكون الصرف العربي في تدريس اللغة العربية الناطقين بغيرها، وفي هذا الإطار أشارت إلى بعض الصعوبات التي يطرحها تدريس هذا المكون نظرا لتعدد صيغه وتشعبها مما يشكل سدودا حائلة أمام المتعلم لمعرفة كل هذه الصيغ. وافترضت الباحثة من الناحية اللسانية العلمية، بأن التمكن من النسق الصرفي العربي يتطلب تحقق تصور واضح لبناء الصرفي للكلمة العربية، وفي هذا الإطار بينت أهمية تشكيل الوعي الصرفي في بناء الكفايات الأساسية في هذا المكون، بالإضافة إلى ذلك أبرزت إمكانات استثمار عددا من الجوانب النسقية التي تحكم النسق الصرفي في بناء كفايات أساسية لدى المتعلم لا سيما في بعض الأبواب الصعبة كتصريف الفعل المعتل الذي لم يجد له النحاة حلا غير الحفظ واعتماد الذاكرة، وأشارت إلى أن ما يلاحظ من صعوبات لدى المتعلمين في مكون الصرف العربي خاصة في باب تصريف الفعل المعتل، راجع إلى تغييب الجانب النسقي للغة العربية الذي يروم بناء كفاية صرفية لدى متعلم اللغة العربية. وفي هذا الصدد اقترحت الباحثة، اعتماد مقاربة نسقية استنادا إلى نظرية انشطار الفتحة للدكتور ادريس السغروشني، التي تقوم على أساس نظام التناوب الحركي من أجل جعل عملية ضبطها وتيسير تعلمها أمرا ممكنا. ومن أهم الظواهر التي تطرقت إليها الباحثة، أيضا في كتابها نجد ظاهرة الاشتقاق، وأشارت إلى أنه لا بد من تدريسه وفق منهج تحليلي/تركيبي يتجاوز الطرائق التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين، إلى الاهتمام بجوانب الامتاع والجاذبية لتشجيع المتعلمين وتمكنهم من تمثل إبداعية اللغة، وانتقلت إلى إبراز أساسيات النسق المعجمي وامكانات استثمارها في تعزيز القدرات المعجمية لدى المتعلمين.
في المحور الثاني، خصصته الباحثة لتقديم اقتراحات جديدة تخص تدابير انتاج مواد تدريس اللغة العربية لغة ثانية، مرتكزة على المرجعيات الأساسية في اللسانيات التعليمية وعلى معايير الإطار المرجعي الأمريكي “الأكتفل”، وانتقلت إلى الحديث عن مميزات المهارات الأربع (استماع، محادثة، قراءة، كتابة)، محددة مؤشرات ومعايير قياس الكفاءة اللغوية في كل مهارة من المهارات السابقة، وذهبت إلى أن إعداد المادة الدراسية يتطلب من القائم عليها أن ينطلق من هندسة دقيقة لقياس الكفاءات اللغوية في المستوى الذي يشتغل عليه (مبتدئ/متوسط/متقدم/متفوق/متميز)، وعرجت الباحثة على رسم نموذج لقياس الكفاءة في كل مهارة من المهارات الأربع بالنسبة لجميع المستويات باعتماد مؤشرات ووسيطا الشكل والمضمون، وخلصت إلى أن هناك تشابها في كل المهارات من حيث معايير مستويات الكفاءة ووسيطي الشكل والمضمون، وأن الاختلاف يوجد في مؤشر القياس لأنه يرتبط بكل مهارة على حدة، كما اقترحت إجراءات بناء الكفاءات اللغوية وتحفيز استراتيجيات التعلم، ووضحت كيفية ارتباط المادة الدراسية بالمعايير المرجعية وببناء الكفاءات اللغوية في مهارة المحادثة والقراءة بالنسبة للمستوى المتوسط. وفي ختام هذا الفصل قدمت شبكة عامة للاستعمالات اللغوية التي يمكن اعتمادها لبناء الكفاءات اللغوية في جميع المهارات الأربع بالنسبة للمستوى المذكور.
في المحور الثالث تطرقت الأستاذة إلى مسألة تكوين مدرسي اللغة العربية الناطقين بغيرها، باعتبار المدرس هو المحرك الأساس في العملية التعليمية التعلمية، وأوضحت أن الاهتمام بتكوين المدرس مرده إلى طبيعة المجال الذي يختلف كثيرا عن تدريس اللغة العربية كلغة أولى، حيث تختلف الفئة المستهدفة وأهداف التدريس، وخصوصية البرامج وعدد الساعات، بالإضافة إلى خصوصية اللغة المدرسة كلغة ثانية أو لغة أجنبية، وفي هذا الاطار أشارت الى مجموعة من القضايا النظرية والمنهجية والمهنية التي يجب على المدرس ضبطها ومعرفتها لتنمية كفاءته المهنية، وبينت أن الاهتمام بالمهارات من بين الأولويات التي يجب على المدرس ضبطها والتعامل معها في عملية التدريس نظرا لأنها تشكل الحجر الأساس لعملية التعلم ولا بد من مراعاتها في بناء الكفاءة اللغوية لدى المتعلم، ويتم اكتسابها في الغالب في ترتيب الاستماع أولا، ثم التحدث، ثم القراءة، ثم الكتابة، وذلك استنادا إلى ما هو معروف في الأدبيات اللسانية التي اهتمت بالاكتساب اللغوي. وذهبت الأستاذة بالقول إلى الأخذ بعين الاعتبار اللغة الأم والاستفادة منها في بلورة عملية تعليم اللغة الثانية، حيث يتم بناء الدرس التعليمي بالتناظر مع عملية اكتساب اللغة الطبيعية، هذا بالإضافة إلى معرفة عدد من أساسيات استراتيجيات التعلم لأن المتعلم ليس مجرد متلق سلبي بل يساهم في العملية التعليمية التعلمية، وتحدثت عن إجراءات تدريس المعجم نظرا لأهميته في التمكن من اللغة، وأشارت إلى مجموعة من طرائق الاسترجاع الناجحة للوحدات المعجمية من أجل تعزيز القدرة وبناء الكفاءة اللغوية لدى المتعلم، ومن القضايا التي تطرقت إليها كذلك تنمية الوعي اللغوي لدى المتعلمين في جميع مكونات اللغة صوتا وصرفا وتركيبا ومعجما ودلالة مع الأخذ بعين الاعتبار التشابه والاختلاف بين اللغة الأم واللغة الهدف، وقدمت مجموعة من الإجراءات التدريس للرفع من الوعي اللغوي لدى المتعلمين كالانغماس اللغوي، واجتناب الترجمة واستثمار التعبير الشفوي والوسائل الإيضاحية…
في المحور الرابع أثارت قضايا تعد من أسس برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وهي قضية القياس والتقييم والتصنيف، وأوضحت أن ما يميز تدريس اللغة الثانية هو اختبار القياس، حيث يتم تصنيف المتعلمين في المستويات التعليمية الملائمة وفق معايير الكفاءة اللغوية المستنبطة من الإطار المرجعي الأمريكي “الأكتفل” وباعتماد درجات ILR، وانتقلت إلى اقتراح نماذج لقياس درجات الكفاءة في كل مهارة من المهارات الأربع بالنسبة للمستويات من المتميز إلى المبتدئ باعتماد مؤشرات مختلفة ووسيطا الشكل والمضمون.
في المحور الخامس قدمت فيه الباحثة مجموعة من الدعامات واختبارات القياس وهي وسائل لقياس الكفاءة اللغوية في كل مهارة من المهارات الاربع بالنسبة للمستويات من المتميز الى المبتدئ وختمت هذا الكتاب بشق تطبيقي استعرضت فيه تجربتها كخبيرة مشرفة على مجموعة من البرامج بمؤسسة قلم وولوح لفائدة طلبة من جنسيات مختلفة ومستويات متعددة، حيث قدمت فيه مجموعة من الدروس تتناول مواضيع مختلفة منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي واجتماعي أو علمي أو تكنولوجي مستندة في ذلك إلى معايير الإطار المرجعي الأكتفل، وهذه الدروس عبارة عن نصوص قرائية مرفقة بأسئلة وأنشطة وتقييمات ضمن برنامج مدته ستة أشهر.
إذن، يعد الكتاب دليل تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها: تخطيط انتاج تقييم من المراجع الأساسية في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، فهو إضافة نوعية للمكتبة العربية لكونه يمكن الباحثين وكذا المشتغلين في تكوين المدرسين في مجال تعليم اللغة العربية الناطقين بغيرها من عدة معرفية وديداكتيكية تهم جميع مكونات اللغة العربية من صوت صرف ومعجم، بالإضافة إلى ذلك فهو وثيقة مساعدة للمشتغلين في مجال تخطيط وإعداد برامج تعليم اللغات الثانية أو الأجنبية، ويزيد للكتاب أهمية أنه من تأليف أستاذة وباحثة متخصصة في اللسانيات وديداكتيك اللغة العربية وخبيرة مشرفة على برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بمؤسسة قلم وولوح، وقد استطاعت من خلال ذلك التوافق بين خلفياتها النظرية كباحثة في اللسانيات النظرية والتطبيقية وبين ما يقتضيه تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها حيث الاحتكاك المباشر بالفئة المعنية، وإشرافها على برامج واعداد المواد والدروس وتكوين أساتذة في مجالي الإنتاج وتقييم المواد.
المراجع:
النهيبي، ماجدولين (2018)، دليل تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها: تخطيط، انتاج، تقييم، منشورات كلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس، الرباط.
