#
المرمدة، فصول الرماد…رماد الفصول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الجبالي ـ المنامة ـ البحرين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس أطرف من أن يكون العمل الإبداعي نادّا جامحا، وليس أجمل من أن يكون غريبا شابّا عن الطوق، جامحا عن كل عقال أو معيار.
ذاك شيء مما يوحي به إليك، بدءًا، عنوان الرواية “المرمدة”! إذ يدعوك إلى تأوّل معناه قبل أن تتدبر متن الأثر ومداه. يبدو لك العنوان قبل تفتيق أكمام النصِّ الجسدِ رأسًا بلا ملامح، أو وجهًا خلف قناع، أو شيئا كالآل يتريّع، ولا ممسك ولا قرار.
المرمدة كومةُ الرماد، المرمدة أرضُ الرماد، المرمدة مآلُ النار الموقدة، المرمدة همودُ أجيج المحرقة، المرمدة العنقود، وحبّاتُه الحروفُ، يطرح بالتقليب والتشقيق مُرًّا، ورمدًا، وردًّا، ومَرَدّا، ورِدّة، ومدًّا، ومُدّة، ورَمّا ورمّة و”مرمّة”… لا يسعفك تركيب الأصوات في العبارة، ولا ما تدانت دلالاته من ذيّاك التركيب أو تناءت بشيء مريح يقرُّ به قرارُك وأنت على سِيفِ الرواية تُزمع اقتحام خضمّها المتقلّب الدوّار.
وإذ تدخل غيرَ مطمئن لجَّ الرواية متحسّسا أماراتِ “المرمدة” تصادفك قصةُ القصة معترضةً في عتبات ثلاث تكاد تشغلك عن غايتك؛ “بول ريكور” و”إدغار موران” يؤسسان للنص، وكاتبة النص تُوَطّئ للقص.
أصوات ثلاثة لجوقة متناغمةٍ أصواتُها يفتتحها “ريكور” (الذات قادرة على التذكّر…)، ويرد عليه “موران” (تنفذ الرواية إلى عمق الإنسان)، وتختم على صوتهما الكاتبة (إنّا لا نكتب من فراغ ولا لتعمير إحساس مضجر بالعدم، ولكن نكتب من أجل شيء ما).
تسعفك العتباتُ بوجهةٍ ما للحكاية، وشيءٍ من المعنى يسير، هما زادٌ لسفرٍ غيرِ مأمون في ثنيّاتِ الأثر، وسراجٌ يبدّد دجى النصّ بمقدار.
“الكخورة” أو قصة القصة، نص الكاتبة التمهيدي استدراج متقصّد، يراود القارئ على قارعة القصة، يغريه بحديث في الكتابة والكاتب، والرواية والراوي، والواقع والتاريخ، والذات والجماعة حتى يغويه… يحلِّق الكلام حالِمًا حائِمًا بين يدي القصة المنتظرة المشتهاة، فينزح بقارئه بعيدا كأنما يستميله إلى عالم ناءٍ قصيّ يصرفه عن أصل القصة ويلهيه، ثم سرعان ما تهوي به الكاتبة من عليائه إلى قاعٍ صلدٍ قاسٍ، إلى واقع بين يدي القارئ، إلى فعله، وزمنه، ومسيره، ومصيره. تحمل الكاتبة صوت القارئ المفرد البارد إلى أتُّون الجماعة الصاهر فإذا القصةُ قصته، ثم قصتنا، وإذا الأحداث مما اجترحت أيدينا والمسار يهمنا والمصير.
(عشنا القصّة الجماعيّة في لحظة انفجاريّة خارقة حارقة، قادت الكلّ دون استثناء إلى أن “يكتشف روعة صنعته وصنيعه في آن”.)
القصة قصتنا إذن. وليس للكاتبة إلا أن تكون صوتَنا، أو أن تُعيد صوتنا، أو تستعيده.
أغوت الكاتبة القارئ بقصة القصة، فلما سكن إليها، وتقبلها، دفعت به إلى القصة، فارتدّ بطلا يخترق مسارها مفردا وجمعا دون اسم يظهر، أو خيال يرى (فلقد أضحى”ديغاجنا” لأنفسنا قبل غيرنا، وصرنا نعيش يوميّا فنونا من التّراجيديا المأسويّة تؤدّى بإتقان وعفويّة أيضا على مسرحنا السيّاسي الأشدّ قسوة وصلفا و”عبثيّة”).
“سيارة صغيرة تصل إلى بيت ريفي في جهة السباسب، تنزل منها سناء وزوجها الضابط العسكري وبنتاهما ضيوفا على أهل زوجها”.
تلك هي القصة. القصة كلها!
لم تسرف الكاتبة في بنائها، ولم توغل في التشعيب والتفريع، بل اكتفت من كساء الحكي بما يسد الخلّة ولا يجاوز الحاجة.
من قصة الزيارة والحلول بأكناف البيت الصغير بريف سيدي بوزيد تنطلق القصة الأم، تُوسِعها الكاتبة عناية وتجميلا أول الأمر، فتلاحق تفاصيلها، وتُجري فيها سيلَ السرد مندفعا يحيط في طريقه بالأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحداث والمواقف والرؤى… تعلوه دوائر الوصف منداحةً توزعها الكاتبة بمقادير معلومة، ويعضده الحوار كاشفا ما استطاع من وجوه المرايا وبؤر التكثيف (أمسك يدي أمّه بحنان، ورفعهما إلى شفتيه وجبينه يقبّلهما قبلات ملهوفة متتالية، فأحسّ بجلدة بشرتها قد صارت أكثر خشونة وسمكا، وأدرك أنّ جسم العجوز يزداد نحافة وهزالا وقد صار ظهرها أكثر تقوّسا ووهنا مقارنة بما لاحظه أثناء زيارته السّابقة، مثلما صارت نظراتها أبعد غورا، تلوح داخل محجرين سميكين غطّاهما الشيب وتغمّدتهما القطوب.
سمعت سناء زوجها يخاطب أمّه بصوت متهدّج متظاهرا بالمزاح:
– “أشحوالك أ دادة؟ لا باس عليك؟ مازلت عايشة ماهو؟” واشبيك ضعفت وتسلّيت هكّ؟ علاه صالحة ما تطيّبش ياخي؟”
نكّست العجوز رأسها وأمسكت بعصاها كي لا تسقط وتتعثّر في خطوها الوئيد، ثمّ جمّعت قواها لعناقه ثانية…)
ما كادت دواليب القصة الأم تدور حتى أوقفتها الكاتبة، وانبرت تعالج قصصا فرعية وليدة انفرطت من تحتها كالفراخ تغادر وكناتها في كل اتجاه لا تلوي على شيء، تتتابع حينا، وتتساوق أحيانا، أو تتقاطع أو يحضن بعضها بعضا، فتَحُول القصة قصصا، والبطلة أبطالا، ومسارات السرد خيوطا كنسج العنكبوت.
هنا يبدأ النصّ، وهنا يبدأ اللعب على حبال القصّ! لم تكن سذاجة القصة الأم سوى سراب بقيعة!
تتشابك الأحداث والخيوط، وتتدافع الأحداث من داخل الذات وخارجها، من الواقع والخيال، من الذات والآخر، من الذكرى والحلم، من أفواه الأبطال، وصور الحياة القاتمة والمضيئة، ومن الأحلام والهواجس والكوابيس… تلوذ الكاتبة بكل براعتها الروائية لتسيطر على العرض المركّب المتحرك، ولتؤمّن سيرا متزنا على حبال مشدودة كالأوتار متوازية ومتعارضة ومتداخلة في فضاء ركحها الروائي الكبير الممتدّ من أحياء العاصمة إلى نجاد السباسب التونسية وأغوارها.
يستبد جموح القص بالكاتبة، فترخي له العنان، لا شيء يوقف اندلاع النصوص في بيادر روحها، لا شيء يطمس الحروف من صحائف مذكراتها التي ظلت تأوي إليها في كل حين، وتحملها في الروح واليد لتسير والهاويةَ على حبال كظبى السيوف. لا شيء يحد من تدفّق لغتها وانسيابها موّارة تجاري مد القص العنيف ووتيرته، أو تركبه ساجيا ساكنا.
تَنْصبُّ العبارات تارة في اضطراب هادر، وترتد طورا إلى شيء كالهمس في السكون، ثم ما تلبث أن تعود إلى العنفوان، فالهسيس فالصمت… تجاري العبارات حال البطلة والناس والثورة والوطن والحياة، فإذا هي خيوط ذات ألوان متجاورة أو متقابلة أو متباينة، لكنها متماسكة كالمرقوم تحوكه أصابع النسوة المكافحات في سباسب الوطن وشماله والجنوب.
سناء بطلة النص ـ ومن ورائها الكاتبة راويةً عليمةً ـ تقص قصة نفسها، سناء تروي قصة زوجها، تروي قصة صديقتها حليمة، وقصة أبيها وأمها وبناتها وأهل زوجها، قصة زملائها في العمل وزميلاتها. حليمة تروي قصة نفسها وحظها ودنياها، وتروي قصة سناء. زوج سناء يروي قصته وقصة أمه وقصة سناء وقصة السباسب والأهل والبدلة العسكرية. الجيران يقصون القصص، والرجالُ والنساءُ والأمكنةُ والأشياءُ… كلٌّ يقصُّ، وكلٌّ مقصوص له، أو مقصوص عليه.
سناء “العلجية” الصامتة الكتوم ليست في الحقيقة إلا متحدثة طليقة اللسان، تنطق بما تشاء من كوامن نفسها، وتكشف ما خفي من دواخل الآخرين. من قلمها ودفترها تنقدح شرارات كل القصص، تحرّك الأحداث، وتغيّر زوايا النظر عبر المساحات والأشكال والسطوح والأعماق… فتضيء العتمة بنور مهيضٍ غير شفيف إلا في لحظات صفاء نادرة تعيشها ذاتٌ كليمة تألم من حادثة طردها من شغلها الذي فقدته مديرةً لإحدى المدارس الإعدادية.
من عمق جرحها الغائر تفيض عباراتها، ومن غَور نفسها يتخلّق سلوكٌ ينحو بها نحو الصمت والانزواء والتوحد. يراها الآخرون بلا حياة ولا حراك ولا حسّ، ويجدونها غامضة حييّة متكبرة أو عليلة، لكنها تصورهم جميعا وتكشفهم حد التعرية، فتفصح عما لم يقدروا عليه من البوح والتصوير… تراهم بالبصر والبصيرة، وتراهم من وراء زجاج… لكنها لا تعدم الرؤية ولا الرؤيا (لا خوف عليك صغيرتي فالنّسوة القارئات “ثاقبات عتمات”،”يبصرن العالم بعيني إله” وهذا يجعل العالم دائما ملك رؤيتك ورؤاك مهما غار إبصارك أو تناقص.. المهمّ نظرتك الدّاخلية تصوّب إلى حيث تريدين ولا تتناقص أبدا ولا يغشيّها السّواد).
تفصح سناء عن نفسها في لوحات متنوعة ذات وجوه متجددة كالجوكندا تعطيك مع كل نظرة وجها. تروح سناء في مسار القصّ وتغدو عروسا فاتنة، وامرأة حالمة، وعاشقة وفية، و”بلْدية” صموتا، وبدوية عَروبا، وبربرية عنيدة، وتونسية “حارّة مفلفلة” (تحلّي أطباق موائدها بالفلفل الأحمر شديد “الحرورة” المكنّى بـ “فلفل الزّينة” لتخترع عبر تكنيته استعارة من أقوى الاستعارات ومن أعتى المفارقات وأعجبها على الإطلاق أن يكون فلفلها “فلفلا” للزينة” أو”فلفل زينة” معبّرا عن تركيبة تلك المرأة الإفريقيّة المتوسّطية العربية الأمازيغيّة المسمّاة امرأة تونسيّة).
لكن جرح سناء ثابت يتعاود في الرواية على لسانها ولسان من حاطها من الشخصيات، ويتردد ألما، أو أسفا، أو ندما، أو انتقاما… ليس في القصة من قادح يوجّه المواقف والرؤى والأحكام غيره. الحادث الذي اخترق كيان البطلة سناء، المديرة التي لم تؤذِ أحدا ولم تظلمْ أحدا، ولم تحدْ عن تطبيق القانون… تجرفها سيول الثورة فيما جرفت، تزعزع قرارَها موجةُ المد الهادر “ديقاج” لتنال ما لم تتوقّع من الأذى والوجع، وتنتهي “علجية” عَتُوما في ركن من البيت قصيّ.
تلونت الرواية بلون الحدث المُرّ، حدثِ طردها من عملها في موجة من موجات الثورة وغلوائها، فظلّ خطابُها في النفس والنص يراوح بين الارتداد والاستباق، وفراغ اللحظة الراهنة. لم تقدر البطلة على أن ترى نفسها وعملها وحياتها وعلاقتها ببنتيها وأبويها وزوجها وبالآخرين وبالثورة والوطن والعالم إلا من خلال ذاك الحادث الممضّ. فهل المرمدة رماد الثورة وذهاب ريحها؟ (لم يكن صعبا على سناء أن تتفطّن إلى التغيّر المفاجئ الذي داهم حياتها وعلاقتها بزوجها بعد الثّورة التي صارت تنزع نحو البرود والتشنّج وأخذت المشاعر والرّغبات المتأجّجة تفتر وتتآكل جمرتها شيئا فشيئا حتّى وصلت النّار قاع المرمدة لتخبو تماما).
أم هي المحنة والمعاناة والتلطخ والتلوّث على ما شاع من معناها في مقولنا العامي يرد فصيحًا على لسان أم سناء؟ (غير إنت تلهى بأمور خدمتك وإلاّ “مرمدتك” و”تمرمد” على أقلّ من مهلك “تمرمد”على كيفك زايد “المرامدي يقعد ديما “مرامدي.)
تتلاعب الكاتبة بمعنى المرمدة، وتلونه بألوان الفعل والزمان والمكان والكيان؛ فِعْلُ الثورة انتهى مرمدة، وحالُ البطلة آلتْ مرمدة، وسعيُ البطلة غارَ في المرمدة، ومدرسة الشعب آضَتْ مرمدة (نعم يا أمّي سأعود إلى “مرمدتي” المحبوبة الأصليّة، سأعود إلى مدرستي العموميّة، مدرسة الشّعب مرفوعة الرّأس (…)، وسأرجع منذ الأسبوع القادم مديرة إحدى الإعداديات هناك بالحيّ الشّعبيّ، فقد اجتزت المناظرة مع جملة العائدين بعد عزلهم وسأتولّى مهمّتي الجديدة أو “مرمدتي” بكل تفان وسرور).
ترنحت البطلة في مسار الرواية، وترددت بين ظلمة الذات، وضباب الأمل، وسراب الرؤية، وفجيعة الانبتات… تعثّرت حائرةً معلّقة بين الارتباط الزوجي والانفصال حتى انتهت غريقة في ذاتها متوحدة تنهشها الذكرى، وتكتنفها الكوابيس والهواجس.
بدت المواقف والأشياء بلون الضياع والإحباط والحيرة، لم تر البطلة من الثورة إلا بقدر ما سمحت لها به روحها العليلة الحبيسة من المعاني والألوان والوقائع. كأنما تلخص بمسار الثورة مسار حياتها الزوجية برودًا بعد حرارة، ورمادًا بعد لهيب (صار مسرح الثورة مأسويّا بعد أن كان ملحميّا غنائيّا الكلّ فيه شاهد، متفرّج، مؤدّ، متواطئ، متأثّر، مؤثّر، مكلوم، وقد يطلق بعضهم من آخر ركن مظلم في خلفيّة القاعة صفيرا حادّا أو يطلق قهقهة هستيريّة، بينما تجهش العجائز كعادتهنّ بالبكاء).
لم يسلم الخطاب حَوْكًا فنيا من ظل الذات، فاستحال ألوانا من الحركات النفسية تمتطي صهوة اللغة اندفاعا وتراجعا، تعاظلا واسترسالا، تعثرا وتكسرا، همسا وجهرا…
تنوء الذات بحملها، فينطلق خطابها زفرات حادة حرى (ثورتنا التونسيّة أو ثوراتنا العربيّة – لا فرق – حينما انقشع دخان حرائقها المضلّل ولاحت خلفها لوحات رماديّة قاتمة، أشدّ قتامة مّما كنّا نعتقد ونتصور.. عندما كنّا ننقاد جماعة كالقطيع المدرّب على ترديد الهتافات الحماسيّة ونطلق كـ”الدّلافين” المدرّبة نغم صفير متشابه الإيقاع، ونثني أعناق العالم لكي يشاهد مشاهد تمثيليّة ظنناها تونسيّة أصيلة من وحي إبداعنا الخاصّ بنا وحدنا).
وتشتدّ بها الحيرة فينكفئ الخطاب موجعا كوقع السياط على الجلود (كم كان صراخنا مضحكا، وكم كان هتافنا مخزيا يثير الشّفقة كثغاء نطيحة عجفاء، بل كم في وطننا من الآمال وكذلك من الأحاجي والألغاز والأسرار علينا كشفها وإماطة اللّثام عنها أوّلا لنهتدي إلى أنفسنا ونواصل الطّريق).
ثم يلوح لها من الأمل قبس بعيد، فتنبسط أسارير العبارة وتعلو إلى الشاعرية (هكذا أظل حبيسة أفكاري المبهمة أحيا في فراغ المكان وما إن أنهي أورادي حتى تثقل أوصالي وتعتريني خدرة النعاس وأرى شظايا فنجاني الفضي تعود فتلتئم من جديد وتصير بجعات تنشر أجنحتها العظيمة حول خميلة ترسي مرة على ميناء “بوني” ومرة تضحي على ظهر مركب تعبر نهر النيل).
ويبلغ بالذات زهْوُها وجَذُلها فينهمل الشعر في النص رخوا لينا فصيحا من بين مفاصل النثر الصلدة:
(اِحتضن أنسها
والتفع برنسها القديم
يحتطبك ليل السباسب
ينشر ظلك
في مناطق عتمة لا ترى).
أو يسيل أعجميا بنصه ومعناه يخلد هيام “أراغون” بعيون حبيبته بهجته “إلزا”.
أو ينساب ملحونا جاريا على اللسان العامي كهدهدة الصبيان في المهود (مَرْةْ خويا بنت الأعيان، زينة البنتّه، القدّ قدّ غصن البان، والعين وسع الفنجان، والخدّ مورّد أحمر زيّ حبّات الرّمان، والمشي فخامة وذخامة مشي الغزلان” (…) “تونس يا باهيه، تونس يا غاليه، تونس يا زينة البلدان، أشبيها أحوالك مكدّره، ولا بات تتبدّل وتبرى؟ أش بيها أحوالك مدردره، ولا بات تصفى وتبان، وإنت الحرّة المتحرّره، إنت الثايرة المتحيّره).
قد يخيل إلى القارئ كما عُهد في تالد القص وطريفة أن البطلة سناء هي الكاتبة سلوى. لكنّ الكاتبة ـ وقد خبرتْ من الكتابة فنونا وتمرست بحيل الحبك والتعمية والتخفّي ـ أحْوَطُ من أن تقع في فخ المطابقة الآلية أو الإسقاط الساذج.
أدارت الكاتبة لعبتها بامتياز. ونجحت في نحت شخصيات دقيقة الملامح، شديدة الصلة بالواقع حتى لا مجال للشك في مدى وجودها الحقيقي. لكنّها تعلم، وأعلَمُ، أن زوج سناء “الرجل العسكري” في النص هو صورة من أبيها حبيبِها الموظف العسكري السامي في واقع الحياة، (لا.. لا أحبّ الشُّقر يعجبني زوجي وشكله ولون بشرته السّمراء كما هي وأعشق رائحة جسمه تفوح من طيّات ثيابه العسكريّ).
لن نكشف بقية الخيوط، ولن ندخل أكثر بين اللحمة والسدى، ولكن حسبنا أن نشير إلى شيء قليل من صنيع الكاتبة الشائق في التلاعب بملامح الأبطال بين النص والحياة.
المرمدة موقف من الثورة التونسية جريء، ألقته الكاتبة على قارئها دون تحفظ أو تحوّط أو تنميق، كدأبها، لا تكتب إلا ما ترى ولا تفصح إلا عما تعتقد. قد يكون الموقف من الثورة شاذا غريبا، وقد يغمط الثورة حقها أو قد يجاملها، وقد يكون منصفا أو متحيّفا… لكن ما يُحْسب للكاتبة، أو لعله ما يغفر لها، ما انتهت إليه الرواية… سناء المنفصلة عن زوجها العسكري، زوجها الذي هام بها بَعْد الانفصال، وهام على وجهه شريدا طريدا حتى شارف على الجنون تقرر في النهاية أن تعود إليه دون تفكير أو تردد، تعود سناء سنًا إلى عمران، تعود الحاضرة إلى السباسب، تدور دواليب السيارة عودا على بدء منطلقة من بيت “البلْدية” إلى البيت الريفي… التحام لعناصر متباعدة من كيان واحد، الوطن الواحد الذي يحضن كل عناصر المرمدة في حب لا نهاية له (هاتفتها عمّة بنتيها صالحة تخبرها بأنّ أخاها موجود بين أهله وعشيرته وأنّه لم يعد يقوى على مواصلة العمل في صفوف الجيش الوطنيّ وأنّه يفكّر جديّا في الاستقالة وأنّه على حافة فقدان العقل والإصابة بالجنون بعد أن صار طلاقهما قتلا بطيئا لرجل مثله، لم يعشق سواها ولم يقو على معاناة فراقها والبنتين.
كان ذلك سببا كافيا جدّا لكي تسافر سناء مع عبير وغادة وتحزم حقائبها دون تردّد أو مجرّد تفكير في شيء آخر غير أن تستعيد زوجها عمران، وأن تعيد ترميم وجودها المهدّم وأن تطفئ لظى الحريق وتضع نهاية لزمن الخراب الذي طال وجعل الحياة الهادئة الطيّبة مقيتة مريرة.
لم يعد أمامها سوى أن تبدأ الحياة الأطول والأجمل والأبقى حينما أيقنت أنّها خلقت لتكون في حمى ذلك الأخضر المارد بين أحضانه وشطآنه الفسيحة الممتدّة لتتّقد في فؤاده نجمة تحوطها الغابات والصّحاري ويظلّ معلّقا على أهدابها كالهلال).
هكذا تنتهي البطلة بالمرمدة من لون الرماد وطعم المرارة الكامنين في الثورة الجريحة إلى حلاوة زهراء، إلى الفخر بالثورة فعلا شعبيا صادقا منيرا في ظلام التاريخ…
تحول المعنى في المرمدة بتحول بانحسار الظل عن موقع البطلة في الحياة وتحولها من العتمة إلى النور، من الدجن إلى الصحو.. فظهرت لها آخر الرواية ملامح أكثر وضوحا وإشراقا وتصميما وعزما على مواصلة الطريق… سناء في تحولها الأخير طائر الفينيق المنبعث من رماد المرمدة… أو هي… تونس الخضراء.
