تعليمية المواد ام بيداغوجيا

تعليمية المواد أم بيداغوجية
**********************
مقدمة :
جاء التطور العلمي والتقني السريع لتوفير أشكالا أخرى من التعليم، أو بمعنى أصح تقديم الخدمة بأسلوب مختلف وجديد، فحيث يمثل التعليم بوجه عام وظيفة أساسية في المجتمعات البشرية، كان طبيعيا أن تتغير أشكال التعليم بوجه عام، وتتطور، مع تصاعد التطور التقني. وحيث يعتمد التعليم عن بعد بوجه خاص على تقنيات الاتصال، فإن التطور في هذه التقنية يسهم في تطوير أشكال التعليم عن بعد بشكل أو بآخر، حيث ساهمت الاتجاهات الحديثة لتكنولوجيا التعليم في ظهور أنظمة جديدة ومتطورة للتعليم والتعلم والتي كان لها أكبر الأثر في إحداث تغيرات وتطورات ايجابية على الطريقة التي يتعلم بها الطلبة وطرائق وأساليب توصيل المعلومات العلمية إليهم وكذلك على محتوى وشكل المناهج الدراسية المقررة بما يتناسب مع هذه الاتجاهات .
ستهتم هذه المداخلة بالمصطلح الأساسي لهذا الملتقى وهو تعليمية المواد الذي طالما يستخدمه الكثير على أنه إشارة إلى مصطلح آخر قريب جدا منه وهو البيداغوجيا وعليه ستحاول الإجابة على تساؤل رئيسي هو :
– ما الفرق بين مصطلح بيداغوجيا ومصطلح تعليمية المواد ؟
من خلال إيضاح الأتي :
– مفهوم تعليمية المواد
– مفهوم البيداغوجيا
– أوجه الاختلاف بين المصطلحين ومواطن استخدام كلل منهما
التمييز بين تعليمية المواد و البيداغوجيا :
1. مفهوم التعليمية: (التعليمية = الديداكتيك)
التعليمية لغة : إن كلمة التعليمية في اللغة العربية مصدر صناعي لكلمة تعليم المشتقة من علم أي وضع علامة على الشيء لتدل عليه وتنوبه ونعني عن إحضاره إلى مرآة العين. المعجم الفرنسي larousse: الديداكتيك=نظرية و طرائق تدريس مادة معينة.
أما في اللغة الفرنسية فإن كلمة ديداكتيك مشتقة من الأصل اليوناني DIDACTIQUE ،وتعني فلنتعلم أي يعلم بعضنا أو أتعلم منك وأعلمك. وكلمة ديداسكو DIDASKO وتعني أتعلم، وكلمة ديداسكن وتعني التعليم.
التعليمة اصطلاحا: كل ما يهدف إلى التثقيف وما له علاقة بالتعليم ، و أيضا تعني فن التعليم.
استعمل مصطلح التعليمية بهذا المعنى في علم التربية أول مرة عام 1613 في بحث حول نشاطات التعليمية للتربية وعنوانه : تقرير مختصر في الديداكتيكا أو فن التعليم عند راتيش.
في سنة 1657 استخدم“ كومينوس“ هذا لمصطلح بنفس المعنى في كتابه – الديداكتيكا الكبرى – حيث يقول عنه إنه “ فن لتعليم الجميع مختلف المواد التعليمية “ويضيف “بأنها ليست فنا للتعليم فقط بل للتربية أيضا“.
كما تعرف الديداكتيك على أنها مادة تربوية موضوعها التركيب بين عناصر الوضعية البيداغوجية ، وموضوعها الأساسي هو دراسة شروط أعداد الوضعيات أو المشكلات المقترحة على التلاميذ قصد تيسير تعلمهم.-BROUSSAUT.1983 –عبد اللطيف الفاربي:1994.ص69-.
• من فن التعليم إلى نظرية التعليم :
في أوائل القرن التاسع عشر للميلاد وضع العالم الألماني “هربرت“ الأسس العلمية التعليمية كنظرية للتعليم تستهدف تربية الفرد، فهي نظرية تخص النشاطات المتعلقة بالتعليم فقط أي كل ما يقوم به المعلم من نشاط.
• من التعليم إلى التعلم:
في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر تيار جديد في التربية بزعامة “جون ديوي“ 1952 أعطى الأهمية لنشاط التعلم في العملية التعليمية واعتبر التعليمية “ جون ديوي“ 1859 نظرية للتعلم لا للتعليم مستبدلا المفاهيم الهرباتية بتطوير النشاطات الخاصة بالمتعلمين وانحصرت وظيفة التعليمية في تحليل نشاطات المتعلم ، وأن التعلم وظيفة من وظائف التعليم .
• التفاعل بين التعليم والتعلم:
نتيجة لتطور البحث في التربية أثناء القرن العشرين اتضح أن النظرة الأحادية لمفهوم التعليمية عند كل من هربرت، وجون ديوي كانت نظرة قاصرة لأنهما فصلا التعليم عن التعلم وأكدت تلك الدراسات أن نشاطات كل طرف في العملية التعليمية يربطها التفاعل النطقي مع لطرف الآخر.
ومن ثمة فإن هذا الفهم الجديد للعملية التعليمية أدى إلى اعتبار التعليمية نظاما من الأحكام والفرضيات المصححة والمحققة ونظاما من أساليب تحليل وتوجيه الظواهر المتعلقة بعمليتي التعليم والتعلم.
والخلاصة فإن التعليمية هي أسلوب بحث في التفاعل القائم بين المعرف والمعلم والمتعلم، وهي عند البعض مقاربة لظواهر التعليم وتحليلها ودراستها دراسة علمية موضوعها الأساسي البحث في شروط تنظيم وإعداد الوضعيات التعليمية / التعلمية.
2. موضوع التعليمية العامة وتعليمية المواد: •
– موضوع التعليمية العامة:
مر موضوع التعليمية العامة بثلاث مراحل:
– في الستينات من القرن العشرين انصب الاهتمام في مجال التعليمية على النشاط التعليمي.
– في السبعينيات والثمانينات تحول ذلك الاهتمام إلى النشاط التعلمي.
– في التسعينات انتقل الاهتمام إلى التفاعل القائم بين النشاط التعليمي والتعلمي.
ومنه يتضح أن موضوع التعليمية العامة هو دراسة الظواهر التفاعلية بين معارف ثلاثة هي:
– المعرفة العلمية.
– المعرفة الموضوعة للتدريس.
– المعرفة المتعلمة.
– موضوع تعليمية المواد:
هي التعليمية التي تهتم بتخطيط العملية التعليمية التعليمة لمادة خاصة ولتحقيق مهارات خاصة وبوسائل خاصة لمجموعة خاصة من التلاميذ وهي تنقسم إلى:
أ – تعليمية أحادية : وهي تعليمية تهتم بمادة دراسية واحدة.
ب – تعليمية المواد المتعاقبة : وهي تعليمية تهتم بالمهارات الببداغوجية التي تستعمل المواد كحجة تعليمية
ج – تعليمية المواد المتداخلة : وهي تعليمية تهتم بالتقاطع الحاصل بين المواد الدراسية.
1. علاقة التعليمية العامة بتعليمية المواد:
تهتم التعليمية العامة بجوهر العملية التعليمية وأهدافها والمبادئ العامة التي تستند إليها والعناصر المكونة لكل ” مناهج، طرائق التدريس، وسائل تعليمية، صيغ تنظيم العملية التعليمية، أساليب التقويم ” .ومن ثمة القوانين العامة التي تتحكم في تلك العناصر ووظائفها التعليمية وهي بذلك تمثل الجانب النظري للعملية التعليمية في حين تمثل تعليمية المواد الجانب التطبيقي لتلك القوانين، مع مراعاة خصوصية المادة.
أما التعليمية الخاصة أو تعليمية المواد: تهتم بما يخص تدريس مادة من مواد التكوين أو الدراسة، من حيث الطرائق والوسائل والأساليب الخاصة بها.
لكن هناك تداخل وتمازج بين الاختصاصين، بل لابد من تضافر جهود كل الاختصاصات في علوم التربية بدون استثناء. إن التأمل في أي مادة دراسية، تجرنا إلى اعتبارات نظرية شديدة التنوع: علمية، سيكولوجية، سيكوسوسيولوجية، سوسيولوجية، فلسفية وغيرها. كما تفرض علينا في الوقت ذاته، العناية ببعض الجزئيات والتقنيات الخاصة، وبعض العمليات والوسائل التي يجب التفكير فيها أولا عند تحضير الدروس، ثم عند ممارستها بعد ذلك. فلا بد من تجاوز الانفصال والقطيعة بين النظريات العامة والأساليب العملية التطبيقية. فعلينا كمدرسين، ألا نحاول الوصول إلى أفضل الطرق العملية فحسب، بل نحاول أن نتبين بوضوح، ما بين النتائج التي نتوصل إليها عند ممارسة الفصل الدراسي، وبين النظريات العامة من علاقة جدلية.
3. مفهوم البيداغوجيا:
المعجم الفرنسي larousse: البيداغوجيا=نظرية التربية أو تربية الأطفال.
لمصطلح البيداغوجيا عدة معاني ودلالات تستخدم في عدة سياقات ووضعيات، تتكون كلمة بيداغوجيا في الأصل اليوناني مكون من كلمتين PEDA وتعني الطفل، AGOGE وتعني القيادة والسياقة، وكذا التوجيه.
-ومن التعريفات العامة لهذا المصطلح أنها فن التربية La pédagogie est l’art d’éduquer
-كما تشير إلى الطرق وممارسات التعليم والتربية
Les méthodes et les pratiques d’enseignement et l’éducation.
-العلم الذي يهدف إلى دراسة مذاهب والتقنيات التي يبنى عليها عمل المربين.
ويمكن تعريفها من الناحية التطبيقية على أنها تجميع لجملة من الأساليب التقنية التي تهدف إلى وضع معايير لمراقبة إجراءات عملية نقل المعرفة، ويعرفها البعض بأنها مصطلح عام يحدد من ناحية علم وفن التدريس، ومن جهة أخرى طريقة التدريس ، وتستعمل في معناها الضيق لتحديد التقنيات البيداغوجية.
واعتبر إميل دوركايم E.Durkheim البيداغوجيا: نظرية تطبيقية للتربية تستمد مفاهيمها من علم النفس وعلم الاجتماع. أما بالنسبة لروني أوبير : R.Hubertهي ليست علما ولا تقنية ولا فلسفة ولا فنا، بل هي هذا كله منظم وفق تمفصلات منطقية. ،-بنعيسي احسينات-
• وظيفة البيداغوجيا:
كان المربي في عهد الإغريق هو الشخص – وفي أغلب الأحيان – هو الخادم الذي يرافق الطفل في طريقه إلى المعلمين، فلم يكن البيداغوجي معلما إنما كان مربيا فهو الذي يسهر على رعاية الطفل والأخذ بيده وهو الذي يختار له المعلم ونوع التعليم الذي يراه ملائما حسب تصوره ) . بنعيسي احسينات (
كان البيداغوجي في الأصل مربيا وقد ارتبطت التربية بتهذيب الخلق بالمعنى الواسع، أما التعليم فقد ارتبط بالتحصيل المعرفي بالمعنى الضيق.
وبمرور الوقت تحول البيداغوجي لأسباب عدة من المربي بالمفهوم الواسع إلى المعلم ناقل المعرفة دون التساؤل عن نمط المواطن الذي يسعى إلى تكوينه وبذلك تحولت البيداغوجيا من معناها الأصلي المرتبط بإشباع القيم التربوية إلى منهجية في تقديم المعرفة وارتبط ذلك بما يعرف بفن التدريس وانصب الاهتمام على اقتراح الطرائق المختلفة للتعليم وظهرت بيداغوجيات كثيرة عرفت بأصحاب” هربرت” و”منتسوري” ولم تتمكن البيداغوجيا من بناء نظرية موحدة لتحليل وضعيات التدريس أو القسم فخلت بذلك من البعد العلمي.
ويمكن تصنيف البيداغوجيا إلى :
1. بيداغوجيا عامة: وهي تنطبق على كل ماله ارتباط بالعلاقة بين مدرس وتلميذ بغرض تعليم أو تربية الطفل.
2. بيداغوجيا خاصة: وهي تصف طريقة التعلم حسب المادة المعلمة أو المدرسة.
وتعتبر البيداغوجيا نظرية تطبيقية للتربية تستعير مفاهيمها الأساسية من علم النفس: نظريات التعلم، علم النفس التكويني ،القياس، التقويم وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع: علم الاجتماع التربوي ، والانثروبولوجية التربوية والثقافة.
ولهذا يمكن تميز في لفظ ” بيداغوجيا ” بين استعمالين يتكاملان فيما بينهما بشكر كبير :
– أنها حقل معرفي قوامه التفكير الفلسفي والسيكولوجي، في غايات وتوجهات الأفعال والأنشطة المطلوبة ممارستها في وضعية التربية والتعليم، على الطفل والراشد.
– أنها نشاط عملي يتكون من مجموع الممارسات والأفعال التي ينجزها كل من المدرس والمتعلمين داخل الفصل.) جابر نصر الدين-دروس في علم النفس البيداغوجي، ص 11-13.(
إن الهدف من بيداغوجيا الأهداف هو تنظيم عملية التعلم, و ذلك بتحديد صريح و معلن للأهداف الواجب تحقيقها لحصول التعلم. تستمد بيداغوجيا الأهداف مبادئها من النظرية السلوكية, إحدى نظريات التربية. وبصفة عامة يتم تصنيف الأهداف من غايات تحدد السياسة التعليمية للدولة و يتطلب تحقيقها عدة سنين و تمتاز بصيغتها الفضفاضة, إلى أهداف إجرائية قابلة للملاحظة, و تمتاز صيغتها بالوضوح و عدم قابليتها للتأويل.
4. الفرق الذي يفصل بين البحث الديداكتيكي والبحث البيداغوجي:
غير أن السؤال الذي لا يزال يعتريه بعض الغموض واللبس، وهو بحاجة إلى إجابة دقيقة متمثل في الفرق الذي يفصل بين البحث الديداكتيكي والبحث البيداغوجي، ذلك أن هذين التخصصين يجمعهما مثلث ديداكتيكي بحثي واحد الشامل لعناصر المعرفة ،والتلميذ، والمعلم.وعليه ،فإن نموذج النظام البيداغوجي والنموذج الديداكتيكي (Le modèle du système pédagogique ou didactique) نموذجان متماثلان من حيث محاور البحث العامة، ويبقى الفاصل الذي يفصل بينهما متمثلا في طرق تناول هذه المواضيع أو المحاور الكبرى، حيث تركز الديداكتيكية في أبحاثها على السيرورات أي سيرورات التعليم، و سيرورات التعلم، و سيرورات التكوين، التي تحكم الموقف التعليمي، مستعينة في ذلك بتصميم نماذج تعليمية تتسم بالتطبيق في تفسير أبعاد العراقيل الكامنة وراء الأخطاء وانتشار ظاهرة الفشل الم
في حين لا يزال البحث البيداغوجي ينقصه كثيرا البعد المباشر والبعد التطبيقي في دراساته ، وبالتالي لا يزال الجانب النظري يطغى على دراساته، مما يدفعنا إلى القول: “أن النماذج البيداغوجية لم ترق إلى مستوى النماذج الديداكتيكية في تشخيص موطن الخلل وتوضيحه وشرحه بالطريقة العلمية الدقيقة التي توصلت إليها التعليمية في أبحاثها ودراساتها والتي ساعدت المعلم بشكل كبير في فهم أسباب الخطأ وكيفية تجاوزه“.
إن البحث في مجال الديداكتيكية يتطور بشكل متجدد ومتواصل مركزا في أبحاثه على مختلف الطرق التي يواجه بها المتعلم تلقي المعارف والمعلومات أثناء خضوعه لعملية التعليم والتعلم. يفهم من هذا ، أن الديداكتيكية لا تركز -كما هو الحال مع البيداغوجيا- على تفاعل المعلم بالمتعلم فقط، بل تتجاوز ذلك إلى التركيز على مسألة الطرق التعليمية المتباينة المستعملة من قبل كل متعلم في عملية التعلم ،جاعلة أمام نصب أعينها المتعلم المسؤول الأول في معركة التعلم أو عدم تعلم أي مادة تعليمية. ( http://www.ar.wikipedia.org/wiki)
كما يمتاز البحث الديداكتيكي بتكيفه السريع والمتجدد لاسيما في ظل الانفجار المعرفي العلمي الذي تشهده الساحة العلمية في كل مجالات تخصصاتها العديدة كل يوم، مما يبرهن اكثر على مدى القدرة العلمية الفائقة التي يمتاز بها الخبراء الديداكتيكيين في قراءة هذا الرصيد العلمي المعرفي الهائل، واستغلاله بشكل محكم في أبحاثه والذي انعكس بشكل إيجابي على التطوير المستمر للمتناولات البحثية التطبيقية، وكذا في التصميم الجيد والفعال للنماذج الديداكتيكية فيما يخص كل عنصر من عناصر المادة التعليمية سواء تعلق الأمر بمضمونها أو تطبيقها في أي وضع تعليمي بيداغوجي محدد مستعملة في ذلك طرق ووسائل تقنية ساعدت المعلمين بشكل مباشر في حل المشكلات التي يعانون منها في التعليم، ويعود سبب ذلك إلى انطلاق التعليمية من القسم مباشرة ، وكذا معايشتها الميدانية للمشاكل في محيطها الطبيعي. وبهذا فإن الاستراتيجية المتبناة من قبل الديداكتيكية يقوم أساسها على استراتيجية التغيير المستمر للأهداف والطرق والمحتويات، وذلك قصد تجديدها حسب متطلبات البحث العلمي من جهة، وحاجات المجتمعات من جهة أخرى، منتهجة في أسلوب تغييرها الأسلوب المباشر في الفعل.
انطلاقا من التجديدات المستحدثة من قبل الديداكتيكية منذ نشوئها إلى وقتنا الراهن، يمكن استخلاص أن هذا التخصص الفتي قد استطاع بفضل جهود خبرائه الباحثين الذين ينتمون إلى تخصصات متباينة ومتكاملة فيما بينها، أن يؤسسوا بالفعل نظرية عامة للديداكتيكية في مجالها النظري التطبيقي التي سمحت لهذا الحقل البحثي أن يفرض نفسه كتخصص جديد في علوم التربية، لاسيما بعد النجاح المتميز الذي حققه هذا التخصص في الاختيار الدقيق سواء للموضوع أو منهج دراسته.(www.ies.cu.edu.eg.com)
وبتحقيق الديداكتيكية هذه المرامي المنهجية والنظرية، يمكن لنا من هذه الزاوية تأييد رأي الديداكتيكيين المؤيد لاستقلالية هذا التخصص بذاته عن تخصصات علوم التربية الأخرى، وبالتالي القول في نهاية مطاف هذا البحث أن الديداكتيكية علم قائم بحد ذاته.
أما التعليمية فإنها تهدف إلى التأسيس العقلاني لمدرسة شاملة قادرة على تحقيق النجاح في كل التخصصات لجميع المتعلمين بإضافة البعد العلمي الذي تفتقده البيداغوجيا وتسعى إلى عقلنة الفعل التعليمي من خلال الإجابة عن التساؤلات المتعلقة بكيف نعلم محتوى تعليميا معينا ؟ فهي في الأصل تفكير منهجي.
5. خلاصة أوجه الاختلاف بين تعليمية المواد والبيداغوجيا:
تعليمية المواد البيداغوجيا
– تهتم بالجانب المنهجي لتوصيل المعرفة مع مراعات خصوصيتها في عمليتي التعليم والتعلم
– تتناول منطق التعلم انطلاقا من منطق المعرفة
– يتم التركيز على شروط اكتساب المتعلم للمعرفة الخاصة لمادة خاصة.
– تهتم بالعقد التعليمي من منظور العلاقة التعليمية ( تفاعل المعرفة / المعلم/ المتعلم) . – لا تهتم بدراسة وضعيات التعليم والتعلم من زاوية خصوصية المحتوى، بل تهتم بالبعد المعرفي للتعلم وبأبعاد أخرى نفسية اجتماعية.
– تتناول منطق التعلم من منطق القسم (معلم / متعلم).
– يتم التركيز على الممارسة المهنية وتنفيذ الاختيارات التعليمية التي تسمح بقيادة القسم في أبعاده المختلفة.
– تهتم بالعلاقة لتربوية من منظور التفاعل داخل القسم (معلم / متعلم).
6. مواطن استخدام البيداغوجيا وتعليمية المواد:
الديداكتيك شق من البيداغوجيا موضوعه التدريس، وقد استخدمه لالاند 1988 (Lalande) كمرادف للبيداغوجيا أوللتعليم (معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا و الديداكتيك، 1994، ط1، ص68).
كما أن الديداكتيك علم تطبيقي موضوعه تحضير وتجريب استراتيجيات بيداغوجية لتسهيل إنجاز المشاريع، فهي علم تطبيقي يهدف لتحقيق هدف عملي لا يتم إلا بالاستعانة بالعلوم الأخرى كالسوسيولوجيا، والسيكولوجيا، والإبستمولوجيا، فهي علم إنساني مطبق موضوعه إعداد وتجريب وتقديم وتصحيح الاستراتيجيات البيداغوجية التي تتيح بلوغ الأهداف العامة والنوعية للأنظمة التربوية (Legendre R. 1988) (معجم علوم التربية، المرجع نفسه، ص69)
فالديداكتيك نهج أو أسلوب معين لتحليل الظواهر التعليمية فهو الدراسة العلمية لتنظيم وضعيات التعلم التي يعيشها المتربي لبلوغ هدف عقلي أو وجداني أو حركي.
كما تصب الدراسات الديداكتيكية على الوضعيات العلمية التي يلعب فيها المتعلم الدور الأساسي ، بمعنى أن دور المعلم هو تسهيل عملية تعلم التلميذ، بتصنيف المادة التعليمية بما يلاءم حاجات المتعلم، وتحديد الطريقة الملائمة لتعلمه مع تحضير الأدوات المساعدة على هذا التعلم ، وهذه العملية ليست بالسهلة، إذ تتطلب مصادر معرفية متنوعة كالسيكولوجيا لمعرفة الطفل وحاجاته، و البيداغوجيا لاختيار الطرق الملائمة، وينبغي أن يقود هذا إلى تحقيق أهداف على مستوى السلوك، أي أن تتجلى نتائج التعلم على مستوى المعارف العقلية التي يكتسبها المتعلم وعلى مستوى المهارات الحسية التي تتجلى في الفنون والرياضيات وعلى المستوى الوجداني (Lavallé) (معجم علوم التربية، المرجع السابق، ص68-69)
نستخلص من هذه التعاريف أن الديداكتيك تهتم بكل ما هو تعليمي تعلمي، أي كيف يعلم الأستاذ مع التركيز على:
-كيف يتعلم التلميذ؟
– ودراسة كيفية تسهيل عملية التعلم، وجعلها ممكنة لأكبر فئة.
– ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة لفئة التلاميذ ذوي صعوبات في التعليم، وبالتالي فهي دراسة التفاعل التعليمي.
يمكن لنا أن نستعين بشكل وضعهRichterich) .René) لتفسير العملية التعليمية إذ يقول أنها عملية تفاعلية من خلال: متعلمون في علاقة مع معلم لكي يتعلموا محتويات داخل إطار مؤسسة من أجل تحقيق أهداف عن طريق أنشطة وبمساعدة وسائل تمكن من بلوغ النتائج. فالتعليمية بهذا تقنية شائعة، تعني تحديد طريقة ملائمة أو مناسبة للإقناع أو لإيصال المعرفة(علي شريف بن حليمة ،تعليمية المواد العلمية،مجلة همزة وصل، ، عدد خاص، 1992، ص21) ، فهي كتخصص تجعل موضوعها مختصرا على الجوانب المتعلقة بتبليغ مضمون معين، بينما تكون الجوانب النفسية الاجتماعية من اهتمام علوم التربية.(عبد المجيد بن الصغير ، لمحة عن تعليمية المواد ،مجلة همزة وصل، المرجع السابق، ص46)
وككل علم من العلوم انفردت التعليمية بمفاهيم خاصة بها، تستعملها كمفاتيح لتفسير مجال بحثها وحدوده رغم صلتها الوطيدة بالعلوم الأخرى، كعلوم التربية و البيداغوجيا وعلم النفس.
7. الانتقال من البيداغوجيا إلى التعليمية:
يقودنا تحديد المفاهيم إلى تفسير الانتقال من البيداغوجيا إلى التعليمية، حيث يقول فرانسوا تيستو F.Testu، في كتابه: من السيكولوجيا إلى البيداغوجيا:” إن الوضعية البيداغوجية، تتميز في الواقع بخصوصية وغنى، لدرجة أنه ينبغي، حسب بياجيJ.Piaget، معالجتها لذاتها بأكثر تجريبية ممكنة، وبتعبير آخر، فإن البيداغوجية التجريبية وحدها قادرة على أن تؤسس التعيمية”.
ويتضح من هذا القول، أن البيداغوجية التجريبية هي التي كانت وراء ظهور التعليمية. وبناء عليه، يمكن إعادة التصور العام لحركية العلم البيداغوجي، والقول بأن الانتقال كان في البداية أصلا،من الفلسفة إلى السيكولوجيا، ومن السيكولوجيا إلى البيداغوجيا، ثم من البيداغوجيا إلى التعليمية. يبقى هنا أن نتساءل. هل بإمكان تجاوز الحقل التعليمي للحقل البيداغوجي؟ وبالتالي، هل التعليمية تلغي البيداغوجيا وتقيم معها القطيعة؟ أم أنه تبقى على الدوام بحاجة إليها وتشتغل لفائدتها؟ إن هذه التساؤلات هي التي تجعلنا نعتقد أن في الإمكان تصور الحركة في الاتجاه المعاكس، أي من التعليمية إلى البيداغوجيا،انطلاقا من جدلية قائمة بينهما لا تلغيها انشغالات واختصاصات كل منهما. (www.taouinet.maktoobblog.com )
خاتمة :
يؤكد التربويون بأن مجتمع المعرفة الذي نحن فيه الآن يتطلب التحرك السريع نحو إيجاد بيئة تعليمية تعلمية قادرة على تحقيق متطلبات الجودة الشاملة والتميز والملائمة مع متطلبات العصر الراهن ومستجداته ، وهذا يتم من خلال تحويل المؤسسات التعليمية وخاصة الجامعية والعليا منها إلى وسائل إبداعية إنتاجية بعيدة عن الأساليب التقليدية من خلال إدخال أساليب وطرائق جديدة وحديثة في التعليم يتم من خلالها إعطاء فرص أوسع ومساحة أكبر للأساتذة والطلبة من خلال تطبيق أساليب التعليم لما توفره من بيئة تعليمية تفاعلية تجذب اهتمام الطالب وتطور معرفته وتنمي لديه مهارات التفكير العلمي وطرائق الحصول على المعرفة.
ومع تطور العلوم الإدارية والإنسانية والتقنية، بدأنا في السنوات السابقة نرى محاولات عديدة من الكثير من المنظمات (التعليمية وغير التعليمية) إلى إعادة التفكير في طرق وأساليب تأدية أعمالها، أي إعادة هندسة
عملياتها ويعتبر القاسم المشترك الأعظم في جميع منهجيات تطوير نظم العمل وإعادة الهندسة وتحسين العمليات، هو الاستخدام لتقنية المعلومات في رفع كفاءة العملية، ومن هذا المنطلق تأتي تقنيات التعليم لتلعب دورا بارزا في مجال التعليم ومواجهة المشكلات التي تعوق تحقيق أهدافه، وتسهم في مواجهة التغيرات الاجتماعية والعلمية السريعة وتساعد العملية التربوية على مواكبتها والتفاعل معها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)
المراجع :
1. بنعيسي احسينات، حول مقاربة المنهاج الدراسي في مجال التربية والتعليم- من البيداغوجية والديداكتيك إلى المنهاج الدراسي.
2. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية-مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك-1994.
3. عبد المجيد بن الصغير ، لمحة عن تعليمية المواد ،مجلة همزة وصل، عدد خاص،1992
4. علي شريف بن حليمة ، تعليمية المواد العلمية،مجلة همزة وصل ، عدد خاص، 1992،
5. معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا و الديداكتيك، 1994، ط1.
6. جابر نصر الدين-دروس في علم النفس البيداغوجي، منشورات مخبر المسالة التربوية في الجزائر في ظل التحديات الراهنة،
7. http://www.taouinet.maktoobblog.com
8. http://www.ies.cu.edu.eg.com
9. http://www.ar.wikipedia.org/wiki

Design a site like this with WordPress.com
Get started